ما الذي يجري في مالي !
بقلم الباحث في الشؤون الإفريقية
ياسين عبدالقادر الزوي
وأنا أتابع “العواجل” الإخبارية، إن جاز الوصف، عما يجري على الساحة في جمهورية مالي .. رجعت بي الذاكرة عشرين سنة إلى الوراء، حيث زرت هذا البلد الغرب إفريقي في السادس من إبريل 2006، حيث حضرت جانبا من الدبلوماسية “الدينية” التي كانت تقوم بها ليبيا في ذلك الزمن.
حضرتُ حينها تنظيم الصلاة الجامعة في تمبكتو بمناسبة المولد النبوي الشريف، وقد كنا في اتحاد الطلبة الليبيين على صلة وثيقة بهذا النشاط المتعلق بدور ليبيا الكبير في منطقة الساحل والصحراء.
فما الذي يجري في مالي؟ وماهي أسبابه؟ و كيف ستكون مآلاته؟
لا أدعي أنه يمكنني ضمن انطباعات “عابرة” على أحداث لا تزال ساخنة، أن أجيب كما ينبغي على هذه التساؤلات الكبيرة، ربما!
إلا أن الاهتمام بالشأن الإفريقي قد يشفع لي نسبيا.
وعلى كل حال، فإن جمهورية مالي ظلت لفترة طويلة منذ استقلالها مستقرة نسبيا، إذ لم تعرف إلا الرئيس المؤسس موديبو كيتا منذ استقلالها حتى سنة 1968، ثم خلفه الرئيس موسى تراوري، الذي استمر حكمه من سبتمبر 1969 حتى مارس 1991 حيث أطاح به انقلاب عسكري أعقبته انتخابات تعددية ضمن مسار سياسي جاء بالأستاذ الجامعي ألفا عمر كوناري بدورتين انتخابيتين، قبل أن يغادر السلطة طوعًا فيكافأ بأعلى منصب قاري هو “مفوض الاتحاد الإفريقي”.
جاء إلى السلطة بعد كوناري الرئيس الراحل أمادو توماني تورى، ليجلس على كرسي الحكم لدورتين متتاليتين حتى عام 2012، ثم داهمه انقلاب عسكري وهو يستعد لتنظيم انتخابات رئاسية لا ينوي الترشح لها، فخرج من السلطة وشربَ من نفس الكأس التي سقى منها الرئيس تراوري!
ثم رجعت مالي لعدم الاستقرار مجددا، وذلك قبل أن تنظم فيها انتخابات تعددية جاءت بالرئيس الراحل إبراهيم بوبكر كيتا، الذي أنهى فترته الرئاسية الأولى بهدوء، ولكن بعد مرور عامين فقط من ولايته الرئاسية الثانية، رجعت البلاد مجددا إلى مربع الانقلابات العسكرية، ولكن هذه المرة على يد جيل عسكري شاب لا يملك أي تجارب خارج أجواء الثكنات.
حينها توقع كثيرون أن الحراك الشعبي الذي عجل بنهاية حكم الرئيس إيبيكا (اختصار بالفرنسية لاسمه ابراهيم بوبكر كيتا) سيكون بوصلة تهتدي على يدها النخبة السياسية والمدنية والعسكرية لتخرج مالي من الواقع المأزوم الممهد لانقلاب في كل مرة!!
وبدلا من ذلك فإن السلطات الانتقالية في مالي ذهبت بعيدا في برامجها وسياساتها داخليا وخارجيا، فعلى المستوى المحلي ألغت الحياة الحزبية ومددت المرحلة الانتقالية إلى أجل غير مسمى، وخارجيا تخلصت من اتفاقية الجزائر عن السلام مع الأزواديين في الشمال، وطردت القوات والقواعد الفرنسية (قوة برخان) والأممية (المينوسما).. إلخ
وخرجت مالي أيضًا من مجموعة الإيكواس ومن مجموعة دول الساحل الخمس التي جاراتها في الساحل (بوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا وتشاد)، واستبدلت هذه المجموعة بتحالف ساحلي ثلاثي مع بوركينا والنيجر فقط!
كما عوضت مالي الجديدة التعاون العسكري مع فرنسا بشراكة مع روسيا وتركيا والصين.
وضيقت السلطات في مالي الخناق على بعض رموز المعارضة مثل الإمام الشيخ محمود ديكو، وحتى الرموز الصديقة كرئيس الوزراء شويغل كوكالا مايغا الذي وقع اختيار السلطات العسكرية الانتقالية عليه لما يمثله من رمزية في حراك مدني كان له بالغ الأثر في التعجيل بالانقلاب الذي فتح للجيش الباب ليمسك بالسلطة، لكن الخلافات سرعان ما استعرت بين الجانبين إثر الخلاف في المقاربات بينهما حول موضوعات تتعلق بوضع حد نهائي للمرحلة الانتقالية، وآلية التعامل مع الوضع الأمني بعد تعاظم التحديات الأمنية بظهور مجموعات عسكرية مرتبطة بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي تسمى: “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقيادة القائد الفلاني “الماسني” محمود كوفا والزعيم “التارقي” إياد أغ غالي علاوة على تهديد “جبهة تحرير أزواد FLA” التي أعلنت اليوم سيطرتها على معقلها التاريخي في “كيدال” وعادت للمدينة بعد ثلاث سنوات من فقدان السيطرة عليها لصالح الجيش المالي.
أتصور ان هذه الهجمة قد تندحر مجددا؛ وحسب المعطيات يبدو أن السلطات الانتقالية العسكرية قد بدأت في التقاط أنفاسها بعد المباغتة فجر اليوم، إلا أنه من شبه المؤكد أن حكام مالي سيضطرون إلى تجريب مقاربات من خارج الصندوق وقد يعيدون ترتيب أوراق اللعب المتاحة لهم، بما فيها الحوار الداخلي مع المعارضين الأدلاء، وإعادة ربط الصلة ببعض الفاعلين الإقليميين للمساعدة على العبور بالبلاد إلى بر الأمان .. دون ذلك، فإن استمرار الأزمة أو وصولها إلى السيناريو الأسوء يعني أنها لن تقف عند حدود مالي، بل ستتجاوزها إلى الجوار وربما الإقليم أو القارة.. فمحورية مالى في القارة السمراء تجعل أمنها من أمن إفريقيا وسلمها كذلك!





