... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
47974 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7399 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

ليست حرب جبهات.. بل صراع على التدفقات والكلفة

العالم
jo24
2026/03/29 - 09:04 502 مشاهدة



ليست الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية بين دول، ولا يمكن فهمها عبر تتبّع الضربات وحدها. فجزء كبير من الصراع اليوم لا يحدث في الجبهات، بل في التدفقات التي تحرّك العالم: الطاقة، والتجارة، والبيانات. ومن هنا لم يعد السؤال فقط: من يقاتل من؟ بل: من يعطّل؟ من يرفع الكلفة؟ ومن ينجح في نقل أثر الحرب من الميدان إلى الاقتصاد؟

في هذا السياق، لم تعد القوة تُقاس بالسلاح وحده، بل بالقدرة على إرباك التدفقات ورفع المخاطر وإجبار الآخرين على إعادة ترتيب خياراتهم. لم تعد الحرب صراعاً على الجغرافيا فقط، بل على وظيفة الجغرافيا: كيف تتحول الممرات والطاقة والتجارة إلى أدوات ضغط واستنزاف.

تظهر هذه الحقيقة بوضوح في الممرات الحيوية. فهرمز يعكس حساسية الطاقة، بينما يكشف البحر الأحمر كلفة العبور والتأمين، وتبرز قناة السويس من زاوية الوقت والكفاءة. الفارق بين هذه النقاط ليس تقنياً فقط، بل في قدرتها على تغيير شروط الحركة نفسها: رفع كلفة الطاقة، إبطاء التدفقات، وإعادة تسعير الاقتصاد العالمي.

ولا يقتصر الأمر على السلع والطاقة، بل يمتد إلى البنية التحتية الرقمية. فكوابل الإنترنت البحرية التي تمر في هذه المناطق أو بالقرب منها تجعل أي اضطراب لا يؤثر فقط على التجارة، بل على تدفق البيانات أيضاً. وفي اقتصاد يعتمد على الاتصال الفوري، يصبح استقرار الكوابل عاملاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن استقرار الموانئ.

بهذا المعنى، تتحول السيطرة على الممرات إلى سيطرة على تدفقات متعددة: السلع، والطاقة، والبيانات. ويصبح النفوذ أقل ارتباطاً بالوجود العسكري المباشر، وأكثر ارتباطاً بالقدرة على التحكم في شروط الحركة: السرعة، والكلفة، والاستقرار.

وهنا يظهر الصراع الشبكي. فالأثر لا يصدر فقط عن من يضرب، بل عن من يعطّل أو يهدد أو يطيل المسارات أو يجعل البدائل أكثر هشاشة. ولهذا لا تنهي البدائل الأزمة، بل تغيّر شكلها: فالتدفقات قد تستمر، لكنها تصبح أبطأ وأكثر كلفة وأقل استقراراً. ومن هنا لا يكون النفوذ في الإغلاق الكامل، بل في جعل البديل نفسه أكثر هشاشة، وهو شكل من الضغط أقل ضجيجاً لكنه أطول أثراً.

في هذا المشهد، يبدو الخليج في موقع أكثر تعقيداً. فهو ليس مجرد منطقة يُراد تأمينها، بل أيضاً مساحة تتحمل جزءاً من الكلفة بحكم موقعه في قلب الطاقة والممرات. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل يُحمى الخليج فعلاً، أم يتحول جزئياً إلى عمق يتحمل فاتورة الصراع؟

ومن زاوية أخرى، يفسر هذا الواقع قدراً من الحذر الأردني تجاه بعض الخطابات الإقليمية، حيث لم تعد الدول تقيس المواقف بالشعارات، بل بالنتائج الفعلية على الاستقرار والكلفة. فبعض الدول لا تتعامل مع الحرب بوصفها لحظة اندفاع، بل كحالة تتطلب ضبط التدفقات واحتواء الكلفة وتجنب الانكشاف.

ولا يتوقف هذا الأثر عند الإقليم. فآسيا، رغم بعدها عن الميدان، تتأثر مباشرة عبر الطاقة والشحن وسلاسل الإمداد. كما يمتد إلى سلاسل التزويد الغذائية، حيث لا يرتبط الضغط بندرة الإمدادات فقط، بل أيضاً بارتفاع تكاليف النقل والطاقة والتبريد والتخزين، وبحساسية الزمن نفسه في وصول المواد الخام والسلع النهائية إلى الأسواق.

أما الصين، فهي في قلب هذه المعادلة اقتصادياً. فهي تتأثر باضطراب التدفقات، لكنها قد تستفيد لاحقاً من تسريع التحول نحو بدائل الطاقة والتخزين. وهنا تظهر مفارقة لافتة: من يدفع الكلفة اليوم قد يعيد تشكيل النفوذ غداً. فكلما زاد القلق العالمي من هشاشة النفط والممرات، ارتفعت القيمة الاستراتيجية للبدائل التي تملك الصين فيها أفضلية صناعية واضحة.

بهذا المعنى، لم تعد الحرب أزمة إقليمية فقط، بل آلية لإعادة توزيع الكلفة عبر الاقتصاد العالمي. فهي لا تغيّر الخرائط بالسلاح فقط، بل تعيد تشكيلها عبر الكلفة والتدفقات والقدرة على تحميل الآخرين جزءاً من الثمن.

الصراع اليوم لا يدور على ثلاثة مستويات متداخلة فقط، بل على ثلاثة أسئلة حاسمة: من يحدد حدود الردع؟ من يملك القدرة على تهديد العبور أو تأمينه؟ ومن ينجح في نقل الكلفة إلى الآخرين؟

هذه الأسئلة أهم من تتبّع الضربات نفسها. لأن بعض الحروب لا تُقاس فقط بما تدمّره، بل بما تعيد تسعيره. ولهذا لم تعد الحرب في الشرق الأوسط حرب دول فقط، بل صراعاً شبكياً تتحول فيه الجغرافيا إلى أداة ضغط، والطاقة إلى وسيلة نفوذ، والعبور إلى ساحة استنزاف، والأسواق إلى جزء من المعركة.


* الكاتبة باحثة وإعلامية متخصصة في الحوكمة العالمية والاقتصاد السياسي، بخبرة في إدارة النزاعات وتعزيز مرونة سلاسل التوريد

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤