«لن يجدوا سوى الرمال»: عمارة الإبادة في غزة
•7iber | حبر · «لن يجدوا سوى الرمال»: عمارة الإبادة في غزة نشرت هذه الترجمة ضمن العدد الثاني من نشرة شباك، والذي حمل عنوان: «أصداء النكبة: غزة والإبادة المستمرة».
•للوصول إلى محتوى هذه النشرة، والمزيد من مزايا برنامج «نقطة حبر»، انضموا إلى برنامج العضوية عبر الرابط.
•هذا النص هو ترجمة بتصرف لمقال منشور بالإنجليزية في «لندن ريفيو أوف بوكس» في 23 نيسان 2026.
هذا الخبر من حبر. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: حبر | Source: حبر
نشرت هذه الترجمة ضمن العدد الثاني من نشرة شباك، والذي حمل عنوان: «أصداء النكبة: غزة والإبادة المستمرة». للوصول إلى محتوى هذه النشرة، والمزيد من مزايا برنامج «نقطة حبر»، انضموا إلى برنامج العضوية عبر الرابط.
هذا النص هو ترجمة بتصرف لمقال منشور بالإنجليزية في «لندن ريفيو أوف بوكس» في 23 نيسان 2026. وهو يستند إلى كتاب صادر حديثًا للكاتب بعنوان «محو الأسس: عمارة الإبادة».
إيال وايزمان هو باحث بريطاني إسرائيلي مناهض للصهيونية، يدرس في كلية غولدسميث في جامعة لندن، وهو مؤسس مجموعة «العمارة الجنائية» التي تنتج تحقيقات استقصائية في جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان بالاستناد إلى جمع الأدلة والصور والفيديوهات وتوظيفها في نماذج عمرانية. صدر له كتاب «أرض جوفاء: الهندسة المعماريّة للاحتلال الإسرائيلي» عام 2007.
تُدرِج اتفاقية الأمم المتحدة بشأن منع الإبادة الجماعية لعام 1948 خمسة أفعال تشكل إبادة جماعية عند ارتكابها بنية تدمير جماعة ما كليًا أو جزئيًا. يتعلق أول اثنين منها بالقتل الجماعي وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم. أما الرابع والخامس فيتعلقان بقطع الاستمرارية البيولوجية للجماعة. أما الفعل الثالث المحظور فهو: «إخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية يُقصد بها تدميرها المادي». ويشير هذا إلى أشكال القتل غير المباشرة، التي لا تستهدف الأجساد البشرية بل البيئة التي تدعم بقاءها. تتطلب «ظروف المعيشة» الكافية وجود المباني والمستشفيات والبنية التحتية الاجتماعية وشبكات الصرف الصحي والمياه وشبكات الكهرباء والزراعة. ويؤدي التدمير أو التخريب المتعمد لهذه الهياكل إلى تقويض قدرة الشعب على البقاء، مما يؤدي إلى شكل أبطأ وأكثر تعقيدًا من الإبادة.
إن الفكرة القائلة بأن البيئة المبنية تحدد الظروف المعيشية لجماعة ما تعيد إلى الأذهان المفهوم الحداثي للهندسة المعمارية، الذي كان سائدًا عندما صاغ الخبير القانوني البولندي اليهودي رافائيل ليمكين مصطلح «الإبادة الجماعية» وعرّفه لأول مرة في كتابه الصادر عام 1944، «حكم المحور في أوروبا المحتلة». قدمت العمارة الحديثة وعودًا بحساب ظروف الحياة وتحسينها. كان من المقرر تخطيط المدن وفقًا لمبادئ الصحة العامة، وكانت المنازل، وفقًا لتعريف لو كوربوزييه الشهير، بمثابة «آلات للعيش فيها»، مصممة لزيادة إمدادات الحاجات البيولوجية، كالتدفئة والنظافة والتهوية والغذاء وحتى التكاثر الجنسي.
لا يزال كتاب بيانات المعماريين (1936) للمعماري الحداثي الألماني إرنست نويفرت يُستخدم حتى اليوم من قبل المهندسين المعماريين الباحثين عن الأبعاد الأكثر كفاءة للمطابخ أو غرف النوم أو حتى مقاعد الحدائق. في عشرينيات القرن الماضي، كان نويفرت مساعدًا لوالتر غروبيوس، مدير مدرسة الباوهاوس. وفي وقت لاحق، ونيابة عن الحزب النازي، أشرف على توحيد معايير صناعة البناء في ألمانيا، والتي كانت تُشغل إلى حد كبير بواسطة العمالة المستعبدة. صمم العديد من خريجي الباوهاوس معسكرات الاعتقال. إن التخريب المتعمد للظروف المعيشية قلبَ مهمة العمارة الحديثة من تحسين جودة الحياة إلى إنتاج الموت.
تهدف الإبادة الجماعية بحسب ليمكين إلى «تدمير الأسس الضرورية لحياة المجموعات القومية». كان يفكر في الطريقة التي نظر بها النازيون إلى الغيتوهات اليهودية ومعسكرات العمل القسري كوسائل للإبادة البطيئة وغير المباشرة. لكنه كان يدرك أيضًا الأصول الاستعمارية لهذا النمط من التدمير. ورغم ارتكاب المذابح مباشرة في مختلف البلدان المستعمرة، إلّا أن القتل البطيء وغير المباشر كان في أغلب الأحيان وسيلة لإبادة الشعوب الأصلية. بعد تجريدهم من مواطن أجدادهم، وعزلهم عن الأرض التي اعتمدوا عليها في رزقهم وطقوسهم، وإجبارهم على العيش في محميات، تم تدمير مجموعات الشعوب الأصلية لمنح أفضل الأراضي للاستيطان الأوروبي.
بعد عامين ونصف من السابع من أكتوبر، دُمّر معظم قطاع غزة؛ المدن ومخيمات اللاجئين والمدارس والجامعات والمساجد والبنية التحتية الصحية والزراعة والآبار والتربة نفسها، كلها تحولت إلى مواد سامة بفعل القنابل وقذائف الدبابات. كان التدمير الأكثر منهجية من صنع جرافات الدي ناين (D9) التي تصنعها شركة كاتربيلر الأمريكية. غرزت هذه الآلات المدرعة العملاقة شفراتها في الأرض، فدمّرت التربة، وقطعت أشجار البساتين، وسوت المنازل بالأرض، ومزقت الطرق، وجرفت المقابر. دفعت موجة الدمار التي انطلقت من حدود القطاع الفلسطينيين نحو جيوب يصفها الإسرائيليون بـ«المناطق الآمنة» و«المناطق الإنسانية» رغم أنها لم تكن آمنة ولا إنسانية أبدًا. كانت هذه المواقع الساحلية المكتظة، مثل المواصي بكثبانها الرملية القاحلة، بلا سكن ولا مؤسسات رعاية صحية أو خدمات أخرى، وتعرضت للقصف المستمر من الجو والبرّ. حولت الجرافات الأراضي الزراعية الخصبة في شرق غزة إلى صحراء أحادية اللون من الأسمنت الرمادي المسحوق المختلط بالتربة الصفراء للمنطقة.
مُحيت مدن بأكملها مثل رفح وبلدات مثل بيت حانون، ومخيمات لاجئين مثل جباليا. عندما تُقصف المباني أو تُجرّف، فإن بقاياها من البلاستيك والأسلاك ومواد العزل والأسبستوس، تطلق مواد كيميائية سامة في التربة. تخترق بعض القنابل الأرض قبل أن تنفجر وتطلق معادن ثقيلة أو أشباه معادن مثل اليورانيوم والرصاص والزرنيخ في أعماق الأرض. بعض هذه المواد بطيئة التحلل وستؤثر على تكوين التربة لعقود. تحوّل المشهد المليء بالحياة إلى ما وصفه الجنرال الإسرائيلي السابق، غيورا آيلاند، [عراب خطة الجنرالات] بأنه مكان «لا يمكن لأي إنسان أن يعيش فيه».
فهمَ ليمكين أن ظروف الحياة لا تشمل فقط البنية التحتية التي تتيح الوجود البيولوجي، بل الاستمرارية الاجتماعية والثقافية أيضًا: المباني الدينية والمدارس والمكتبات والمواقع التراثية. في غزة، هُدم معظم هذه المباني بشكل منهجي. لم تذكر اتفاقية الإبادة الجماعية التي صُدّق عليها عام 1948 «الإبادة الجماعية الثقافية» التي دعا ليمكين إلى إدراجها. استُبعدت أقسام كاملة من الاتفاقية. أرادت القوى الإمبريالية مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، التي كانت تحاول آنذاك قمع الانتفاضات المناهضة للاستعمار، تعريف الإبادة الجماعية بطريقة لا تقيد أنشطتها. كما اعترضت دول الاستعمار الاستيطاني أستراليا والولايات المتحدة وكندا، التي دمرت التراث المادي والثقافي واللغوي للشعوب الأصلية. لكن الحياة الثقافية والبيولوجية ليستا مجالين منفصلين عندما يتعلق الأمر بالبقاء القومي. في غزة، أدى التدمير المنهجي للبيئة، بما فيها الحقول ومصادر المياه وصناعة صيد الأسماك، إلى تدمير قدرة المجتمع على إطعام نفسه. أضعفت الهجمات على المدارس والمساجد قدرته على التنظيم وتقديم الرعاية المتبادلة، مما أدى إلى تفاقم المجاعة. إن تدمير مجال ما يضخم الضرر الناجم عن تدمير المجال الآخر.
بعد ستة أيام من السابع من أكتوبر، أمرت «إسرائيل» بإخلاء مدينة غزة، دافعة الفلسطينيين من شمال القطاع نحو الحدود الجنوبية مع مصر. أوضحت وثيقة مسربة أعدتها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية سبب ذلك: أوصت الوثيقة بالطرد الشامل للفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء، معتبرة أن هذا سيؤدي إلى «نتائج استراتيجية إيجابية وطويلة الأمد لإسرائيل». كان الهدف من تدمير ظروف الحياة هو تسريع رحيل الغزيين. تدحرجت أكبر حملة قصف جوي في التاريخ كبساط من النار من الشمال إلى الجنوب.
—
كان الطرد الجماعي للفلسطينيين من غزة إلى مصر هدفًا للحكومات الإسرائيلية منذ كانون الأول 1948، عندما حاول الجيش الإسرائيلي لأول مرة تطهير هذا الجيب الأخير المتبقي على طول ساحل فلسطين المتوسطي وفشل. حاولت «إسرائيل» مرة أخرى خلال الخمسينيات وكثفت جهودها بعد حرب 1967، عندما احتلت قطاع غزة وصحراء سيناء.
بعد السابع من أكتوبر، أعلن السياسيون الإسرائيليون والإعلام الإسرائيلي عن خطط الطرد. وأكد نتنياهو أنه يسعى عمليًا إلى نقل الفلسطينيين خارج غزة. وبدأ مسؤولون إسرائيليون وبعض المسؤولين الأمريكيين الضغط على مصر لقبول أعداد كبيرة من اللاجئين. لثمانية أشهر، امتنع الجيش الإسرائيلي عن احتلال المنطقة الحدودية بالقرب من رفح، تاركًا الطريق نحو مصر مفتوحًا.
رفض العديد من الفلسطينيين مغادرة منازلهم، متذكرين نكبة العام 1948. بقوا في أنقاض مدينة غزة رغم القصف، ورغم حرمانهم من المساعدات. راقبت مصر الحدود عن كثب ورفضت السماح بدخول الفلسطينيين بأعداد كبيرة، ولم تسمح بالدخول إلا لمن يستطيع دفع مبالغ باهظة. ولعدم تمكنها من تحقيق هدفها، سعت «إسرائيل» بدلاً من ذلك إلى حصر الفلسطينيين في منطقة أصغر وأصغر من القطاع في انتظار الفرصة التالية للتشريد. خارج هذه المناطق، كان الهدف من التدمير الشامل منع عودتهم إلى المناطق التي طردوا منها.
كان التدمير أشد ما يكون بالقرب من حدود غزة. يسمي الجيش الإسرائيلي المنطقة المتاخمة لـ«إسرائيل» «منطقة عازلة»، وهي منطقة محظورة على الفلسطينيين، أو «شيتع هشمدا»، وتعني بالعبرية «منطقة إبادة»، بمعنى أن أي فلسطيني يدخلها، أو حتى يقترب منها أحيانًا، يُطلق عليه النار فورًا. شملت قائمة الضحايا فلسطينيين، وكثير منهم أطفال، أشخاص أرادوا رؤية ما يمكن إنقاذه من أنقاض منازلهم، أو استعادة المساعدات الغذائية التي أُنزلت بالمظلات، أو كانوا مجرد أشخاص ضلوا طريقهم في مكان بات غير مألوف. كان الهدف من تدمير جميع المباني في المنطقة العازلة، من بين أمور أخرى، إزالة أي أماكن للاختباء وتعريض الفلسطينيين للقناصة. قبل بدء الحرب كان عرض المنطقة العازلة يتراوح بين 300 و500 متر. وبعد أسبوعين من الحرب، تم توسيعها إلى كيلومتر واحد. وبحلول ربيع 2025 بلغ عرضها كيلومترين؛ وسرعان ما أصبحت ثلاثة كيلومترات، مع تجريف كل شيء بداخلها بشكل منهجي. ولأن المنطقة العازلة غطت مساحة شاسعة، لم يعد بالإمكان استخدام القناصين في كل مكان، فتم اغتيال الفلسطينيين بدلًا من ذلك بواسطة طائرات كوادكوبتر مسيرة مزودة بقاذفات قنابل. خلال النهار، كان من السهل رؤية الناس على خلفية أحادية اللون؛ وفي الليل، كانت أجهزة الاستشعار الحرارية للطائرات بدون طيار تسجل حرارة أجسادهم.
على مر التاريخ العسكري، كانت المناطق العازلة وسيلة للحفاظ على وقف إطلاق النار من خلال إبقاء الجيوش متباعدة. لكن في العقود الثمانية التي تلت تأسيس «إسرائيل»، استُخدمت المناطق العازلة كوسيلة للاحتلال والتهجير والمحو. بموجب شروط اتفاقية الهدنة بين مصر و«إسرائيل» التي أنهت حرب عام 1948، رُسمت المواقع الأمامية الإسرائيلية على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات شرق الحدود الحالية لغزة، كما أوضح المؤرخ ورسام الخرائط الفلسطيني سلمان أبو ستة. يعبر الخط قرية معين أبو ستة، التي وُلد فيها وطُرد منها مع بقية عائلته في 14 أيار 1948. سرعان ما أُخليت القرية والقرى الفلسطينية الأخرى واستبدلت بالكيبوتسات الزراعية الإسرائيلية التي هُوجِمت في 7 أكتوبر 2023. وسّع المستوطنون الأراضي الإسرائيلية من خلال الزراعة، وأزالوا بقايا المنازل والطرق والحقول الفلسطينية. وجرّفوا المقابر لأنها كانت في كثير من الأحيان أماكن يعود إليها الفلسطينيون. صدرت تعليمات للجنود والمستوطنين بإطلاق النار على أي شخص، مسلحًا كان أم أعزل، يعبر إلى المنطقة.
بعد حرب 1967 دعت خطة أمنية إسرائيلية وضعها القائد العسكري السابق يغال ألون إلى ضم شريط من وادي الأردن بعرض يتراوح بين عشرة وخمسة عشر كيلومترًا (أي يغطي حوالي ثلث مساحة الضفة الغربية) واستيطانه ليصبح المنطقة العازلة الشرقية لـ«إسرائيل». بدأ التطهير العرقي للمجتمعات الزراعية الفلسطينية في المنطقة بعد ذلك بوقت قصير، واستمر بشكل متقطع منذ ذلك الحين. تسارعت عمليات الطرد بشكل جذري منذ أكتوبر 2023، وزادت أكثر منذ بدء الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران، حيث شجع الجيش الإسرائيلي جرائم المستوطنين في جميع أنحاء المجتمعات الفلسطينية المتبقية وشارك فيها. وكان وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، المستوطن في الضفة الغربية، قد وعد بالفعل في أوائل عام 2025 بأن القرى والمدن الفلسطينية في الضفة الغربية ستصبح «شبيهة لرفح وخان يونس، وستُحوّل إلى أطلال غير صالحة للسكن، وسيُجبر سكانها على الهجرة والبحث عن حياة جديدة في بلدان أخرى».
حدثت عملية مماثلة في الشمال. خلال حرب 1967، احتلت «إسرائيل» مرتفعات الجولان بهدف صريح هو إنشاء منطقة عازلة بين الجيش السوري والمستوطنات الزراعية الإسرائيلية في وادي الأردن. بنيت المزيد من المستوطنات في المنطقة المحتلة وفي عام 1981 ضمتها «إسرائيل» رسميًا. في كانون الأول 2024، بعد سقوط بشار الأسد، وسّع الجيش الإسرائيلي «منطقة دفاعية معقمة» لتتوغل أكثر في الأراضي السورية، حيث طَرد السكان السوريين، ودمر المباني العسكرية والمدنية بما في ذلك مستشفى الجولان وسينما الأندلس في القنيطرة، وجرف البساتين والغابات والحقول، وبنى مواقع عسكرية وخنادق وسواتر ترابية.
شمل الغزو الإسرائيلي الأخير للبنان طرد 600 ألف لبناني من منطقة عازلة جديدة. قصفت «إسرائيل» الجسور التي تعبر نهر الليطاني، على بعد ثلاثين كيلومترًا من الحدود، من أجل عزل المنطقة عن بقية لبنان، وبدأت في هدم القرى الأقرب إلى الحدود بشكل منهجي. وقال يسرائيل كاتس، وزير «الدفاع» الإسرائيلي، إن عودة السكان اللبنانيين إلى هذه القرى ستكون محظورة «حتى يتم ضمان سلامة وأمن سكان الشمال»، وهو مطلب مستحيل. وقد نشرت منظمة مستوطنين إسرائيلية خططًا لـ«استيطان جنوب لبنان»، وأصدرت خرائط تمنح القرى اللبنانية أسماء عبرية وتعلن بشكل استفزازي عن قطع أراضي للبيع.
وهذا يوضح المنطق الدائري للاستعمار الاستيطاني الصهيوني: تُبنى المستوطنات لتمييز حدود الدولة وحمايتها، لكن ذلك يجعلها عرضة للهجوم، ولذا تُنشأ منطقة عازلة لحمايتها. وبعد ذلك، تُستوطن هذه المنطقة العازلة نفسها لتمييز وحماية الحدود الموسعة حديثًا، وعندها تصبح منطقة عازلة أخرى ضرورية. بهذه الطريقة يتم إنتاج الهشاشة ثم توظيفها في حلقة مفرغة أطلق عليها الباحث في الإبادة الجماعية أنتوني ديرك موسيس اسم «الأمن الدائم».
—-
طوال العامين ونصف العام الماضيين، لم تكن غزة مجرد منطقة هدم، بل موقع بناء، أعيد تشكيله وفقًا للمخطط الإسرائيلي. كُدست بقايا المباني على شكل سواتر ترابية، أعيد تشكيلها لاحقًا لتصبح حواجز ومرافق احتجاز ومواقع عسكرية متقدمة، حيث سيطرت الدبابات والقناصة الإسرائيليون على المنطقة التي تركز فيها الناجون. كان حجم الأعمال الترابية هائلًا لدرجة أن مئتي جرافة إسرائيلية لم تكن كافية أبدًا، إذ تعرضت العديد منها لأضرار على يد المقاومة الفلسطينية، واحتاجت «إسرائيل» بشكل عاجل إلى مئتي جرافة أخرى. في أواخر عام 2024، أرجأت إدارة بايدن تصدير تلك الجرافات ولم يتم إرسالها إلا بعد تولي ترامب منصبه. في غضون ذلك، استأجر الجيش الإسرائيلي مشغلي جرافات من القطاع الخاص، وكان العديد منهم من مستوطني الضفة الغربية.
قال مشغل جرافة إسرائيلي يدعى أبراهام زاربيف إنه إذا حاول الفلسطينيون العودة إلى المناطق المهدمة، فإنهم «سيعودون إلى لا مكان. تُركت عشرات الآلاف من العائلات بدون أوراق، وبدون صور طفولة، وبدون بطاقات هوية، ولم يتبق لهم شيء. إذا عادوا، فلن يعرفوا أين يقع منزلهم. لن يجدوا سوى الرمال». تجسّدَ محو البيئة المبنية في غزة من خلال تدمير سجلاتها، فقد دُمرت الخطط البلدية والخرائط التاريخية وسندات الملكية عندما قصفت «إسرائيل» الأرشيف المركزي بمدينة غزة في تشرين الثاني 2023.
كتب الشاعر الفلسطيني عمر موسى في ذلك الشهر أن الجيش «غيّر تضاريس القطاع بشكل لا يمكن التعرف عليه». ونقل عن صديق له قوله: «إذا نجونا من هذه الحرب، فأين ستكون نقطة التقائنا؟». بعد الحرب العالمية الأولى، أدت إصابات الوجه غير المسبوقة التي تسببت فيها القذائف شديدة الانفجار إلى فقدان إحساس الجنود بهويتهم. المعادل الإقليمي لهذا هو الارتباك الذي يشعر به الفلسطينيون عندما يتعرضون للأماكن التي كانت منازلهم. ظهر شكل جديد من أشكال التعذيب النفسي. أُعيد أسرى فلسطينيون معصوبي الأعين إلى أحيائهم القديمة التي أصبحت الآن بحرًا من الأنقاض. «عندما نزعنا القماش عن أعينهم»، يقول زاربيف، «كانوا مشوشين تمامًا، ولم يفهموا أين هم». تم اختيار زاربيف، الذي هو أيضًا قاضٍ في محكمة حاخامية يهودية، لإيقاد الشعلة في احتفالات عيد استقلال «إسرائيل».
في ليلة 23 آذار 2025، قَتَل جيش الاحتلال 15 مسعفًا ودفن جثثهم تحت سواتر ترابية عالية بالقرب من رفح. تم استجواب وتعذيب أسعد النصاصرة، وهو مسعف في الهلال الأحمر الفلسطيني وأحد الناجين من الهجوم، داخل حفرة بالقرب من المكان. وصفَ محنته للباحثين من منظمة «العمارة الجنائية»، الذين استخدموا وصفه لمحاولة نمذجة التغييرات التي طرأت على المشهد. عندما أُزيلت العصابة عن عينيه أدرك أن «المكان قد تغير تمامًا. عندما رأيت المكان، شعرت بالهستيريا. لم أستطع فهم أي شيء». من أجل إعادة بناء الحادث، عمل الباحثون مع «إيرشوت»، وهي وحدة تحقيق صوتية مفتوحة المصدر، قامت بتحليل صوت إطلاق النار المسجل على هاتف أحد المسعفين المقتولين. يقول لورانس أبو حمدان، مؤسس «إيرشوت»، إن الهدم غيّر المشهد الصوتي بشكل جذري. فالتسجيلات الصوتية لإطلاق النار في المناطق الحضرية تكشف عادةً عن صوت يتردد من اتجاهات مختلفة. هنا لم تتبقّ سوى ثلاثة جدران نجت بطريقة ما من الهدم. أتاح المشهد الجديد صدى واضحًا، مما جعل من الممكن إعادة بناء الأحداث من خلال بصماتها الصوتية.
في الأسابيع التي أعقبت المجزرة، كُدّست أنقاض المنطقة في سلسلة من الهياكل بجوار الموقع. أحاطت هذه الهياكل بمساحة مفتوحة، سرعان ما أصبحت أحد المجمعات التي تديرها مؤسسة «غزة الإنسانية» التي تم إنشاؤها حديثًا، وهي منظمة ممولة من قبل رجال أعمال أمريكيين وإسرائيليين، والتي من المفترض أنها تولت دور توزيع المساعدات الغذائية في القطاع، متجاوزة الأمم المتحدة. ركزت محطات التغذية التابعة لها الفلسطينيين الجائعين في أربعة مواقع محددة، جميعها بالقرب من المواقع العسكرية الإسرائيلية، ثلاثة منها قريبة من الحدود مع مصر. ذُبح المئات من الفلسطينيين على يد الجنود الإسرائيليين والمرتزقة الأمريكيين عندما أُجبروا على التنافس للحصول على حصص الإعاشة.
دخلَ «وقف إطلاق النار» الحالي حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول 2025. وبموجب شروطه، قُسّمت غزة إلى منطقتين بواسطة «الخط الأصفر» الذي يمتد تقريبًا على طول حافة المنطقة العازلة، تاركًا الجيش الإسرائيلي يسيطر على 54% من غزة. وبحلول كانون الأول، كانت «إسرائيل» قد حركت الخط غربًا من جانب واحد، مما رفع نسبة المنطقة الخاضعة لسيطرتها إلى 58%. وصف إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الخط الأصفر بأنه «الحدود الجديدة» لـ«إسرائيل» مع غزة.
رُسِمَ الخط على طول سلسلة من التلال الرملية التي تمتد بموازاة الساحل، بعمق حوالي ثلاثة كيلومترات داخل اليابسة. على ارتفاع حوالي سبعين مترًا فوق مستوى سطح البحر، يتيح هذا الخط للقوات الإسرائيلية السيطرة على الفلسطينيين الذين أُجبروا على التواجد في المنطقة القريبة من البحر. نظمت هذه التلال الحياة في المنطقة منذ العصور القديمة. كل عام، تتآكل ملايين الأمتار المكعبة من الجرانيت من الهضبة الإثيوبية لتتحول إلى رمال تنقلها مياه النيل إلى البحر الأبيض المتوسط. ويرسّب المد والجزر كميات كبيرة من هذه الرمال على طول الساحل الفلسطيني. منذ آلاف السنين، تحولت إحدى هذه الكثبان الرملية القديمة إلى سلسلة من التلال الصخرية، مشكّلة حاجزًا هائلًا يمنع انجراف الكثبان الرملية الأخرى شرقًا على طول الساحل. غرب التلال، تتكون المنطقة أساسًا من الرمال؛ أما شرقها، فالتربة خصبة. لأجيال عديدة، كانت معظم حقول القمح والشعير في فلسطين تُزرع بأيدي القبائل البدوية في السهول الخصبة بمنطقة بئر السبع. كان هؤلاء المزارعون من بين مائتي ألف فلسطيني طُردوا من أراضيهم وحُبسوا في جيب ساحلي بين مدينتي رفح وغزة في الأشهر الأخيرة من عام 1948. بقيت شريحة من هذه التربة بعرض يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات داخل حدود غزة. في العقود الأخيرة، كانت هذه الأرض الخصبة سلة غذاء غزة. والآن تقع كلها على الجانب الذي تسيطر عليه «إسرائيل» من الخط الأصفر.
في المجمل، يوجد 48 نقطة استيطانية شرق الخط الأصفر، وقد قال زامير إن هذه النقاط هي القواعد التي ستُشن منها غارات إضافية على المنطقة الساحلية إذا لزم الأمر. في البداية، لم تكن النقاط الاستيطانية الجديدة سوى أكوام من التراب والأنقاض، مرتبة في حواجز ذات أشكال متنوعة. لكن في الأشهر الأخيرة، عُبّدت المناطق المسيجة والطرق المؤدية إليها بالأسفلت. وتم نصب أعمدة الكهرباء وإضاءة الطرق. وشُيدت مباني جاهزة متلاصقة داخل القواعد، وتوجد حاليًا أبراج عالية على محيطها تحمل معدات الاتصالات والمراقبة. ولم تعد القواعد تبدو كترتيبات مؤقتة كما تدعي خطة ترامب لوقف إطلاق النار، بل كأدوات احتلال دائمة. وتربط الطرق المعبدة حديثًا القواعد بمصفوفة سيطرة مرتبطة بشبكة الطرق وشبكة الاتصالات الإسرائيلية.
غرب الخط الأصفر، يعيش الناجون داخل الأنقاض وبينها أو في مخيمات ضخمة. أدى برد الشتاء إلى وفيات خاصة بين الرضع. وفي الصيف الماضي، اختنق أطفال في خيم مرتجلة مصنوعة من أغطية بلاستيكية أو ذات أسقف من الصفيح، إذ لا يُسمح ببناء هياكل دائمة. البرك بؤر لتكاثر البعوض، ومكبات القمامة متكدسة، وتجري مياه الصرف الصحي دون رادع، وتنتشر القوارض في كل مكان. لا تسمح «إسرائيل» بدخول المواد الكيميائية والمبيدات الحشرية التي يمكن أن تساعد في معالجة هذه المشاكل إلى غزة. وفي حين تمت استعادة بعض الخدمات الطبية جزئيًا بفضل جهود الأطباء الفلسطينيين والمنظمات غير الحكومية الدولية، فإن النظام الصحي لا يعمل إلّا بالحدود الدنيا. ندرة الأدوية وتدهور النظافة يعنيان أنه حتى الإصابات الطفيفة قد تؤدي إلى العدوى. توفي أكثر من 40% من مرضى غسيل الكلى في غزة بسبب نقص العلاج. انحدرت حياة سكان غزة الناجين إلى حالة من العيش بالحد الأدنى، في ظل الجوع والعطش المستمرين، تحت الأزيز الدائم للمسيرات والطائرات المقاتلة. من خلال التحكم في كمية المساعدات التي يمكن أن تدخل، والتي أوقفت مؤقتًا في آذار بعد بدء الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، يمكن لـ«إسرائيل» أن تواصل التحكم في ظروف الحياة، بهدف أن يغادر الفلسطينيون أو أن يموتوا ببطء. ومع ذلك، تظهر مقاطع الفيديو التي تسجل حياة سكان غزة في ظل الإبادة الجماعية أشخاصًا يطبخون على نيران جماعية، ويديرون مدارس في الهواء الطلق، ويقدمون أطروحاتهم إلى جامعات لم تعد مبانيها موجودة.
تضغط حركة المستوطنين على الحكومة الإسرائيلية لبدء بناء مستوطنات داخل المنطقة العازلة التي تم توسيعها بشكل كبير. في كانون الأول الفائت، قال كاتس إن «إسرائيل لن تغادر غزة أبدًا»، وستحول المواقع العسكرية إلى ما يُعرف بـ«مواقع ناحال»، المصممة أصلًا لتتطور مع الوقت إلى مستوطنات. بدأت بعض المستوطنات حول غزة كمواقع ناحال في أوائل الخمسينيات، كما هو الحال مع العديد من المستوطنات في الضفة الغربية.
وبما أن دونالد ترامب يعارض رسميًا بناء مستوطنات يهودية في غزة، فقد أجبر نتنياهو وزير «دفاعه» على التراجع عن تصريحه. وقررت الحكومة الإسرائيلية اتخاذ موقف غامض وكسب الوقت من خلال تأخير انسحاب الجيش وتعزيز مواقعه وبنيته التحتية شرق الخط الأصفر، بحيث يؤجل تحويل هذه المواقع العسكرية إلى مستوطنات إلى أن يتحول اهتمام العالم إلى مكان آخر.
في غضون ذلك، تُطرَح خطط تنموية خيالية للتغطية على حقيقة التدمير المستمر لحياة الفلسطينيين في غزة التي أصبحت أرضًا خصبة لوحوش المشاريع العقارية المتقمّصين لدور السياسيين. خلال هدنة مطلع العام 2025، أعلن ترامب بشكل غير متوقع أن الولايات المتحدة ستستولي على قطاع غزة. قال ترامب إن غزة تتمتع «بموقع رائع على البحر، وبأفضل طقس»، وستكون «ريفييرا الشرق الأوسط». في حين كانت الولايات المتحدة قد قللت في السابق من شأن الدمار، بدأت إدارة ترامب في الترويج له. مشيرةً إلى غزة بوصفهل منطقة ردم، قالت الإدارة الأمريكية إن تنمية المكان تتطلب إخلاءً كاملًا، وسيتم تشجيع الفلسطينيين على الانتقال إلى «مكان لطيف» في مكان آخر، بمعنى أن «التطوير سيؤدي تهجير السكان الذي فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيقه خلال الحرب.
في صيف عام 2025، قدمت مجموعة من رجال الأعمال الإسرائيليين مبادرة أخرى، وهي صندوق إعادة تشكيل غزة والتسريع الاقتصادي والتحول، المعروف اختصارًا بـ«GREAT». أصحاب هذا المقترح، هم أيضًا من اقترحوا وأشرفوا على «مؤسسة غزة الإنسانية» التي أنشأت محطات إطعام عسكرية في جنوب غزة. واصلت «GREAT» من حيث توقفت رؤية ترامب للريفيرا، واقترحت منتجعًا شاطئيًا «عالمي المستوى»، مع سلسلة من المدن «المدعومة بالذكاء الاصطناعي» في المناطق الداخلية. كانت الخطة أن مشاريع مثل «طريق MBZ المركزي» الذي سمي على اسم رئيس الإمارات، و«طريق MBS الدائري» الذي سميت على اسم ولي العهد السعودي، و«منطقة التصنيع الذكي إيلون ماسك»، ستحفز هؤلاء الأفراد على تحمل جزء من التكلفة. وبحسب الخطة، سيتمكن بعض الفلسطينيين من البقاء، بينما كان سيحصل آخرون على مساعدة مالية ضئيلة للانتقال إلى مكان آخر.
خلقَ وقفُ إطلاق النار في تشرين الأول 2025 فرصة لتحديث هذه الخطة، عبر مشروع مجلس السلام الذي يرأسه ترامب مدى الحياة. كُلف ماركو روبيو، وجاريد كوشنر، وتوني بلير، وآخرون بتشكيل لجنة للإشراف على التكنوقراطيين الفلسطينيين الذين سيديرون الشؤون اليومية في غزة. فيما تتولى هيئة عسكرية جديدة تُعرف باسم «قوة الاستقرار الدولية» السيطرة الأمنية. وكما قال لي شعوان جبارين، مدير منظمة «الحق» الفلسطينية لحقوق الإنسان، فإن الاقتراح لا ينطوي إلا على تغيير لغوي في منطق الاحتلال: فستحل «قوة الاستقرار الدولية» ببساطة محل «الجيش الإسرائيلي» كقوة احتلال.
قدم كوشنر الرؤية المعمارية لمجلس السلام في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. أضاف مشروع «شروق الشمس» تفاصيل إلى الرؤية الخيالية للريفييرا من خلال تصورات لبناء 180 برجًا فاخرًا، خلفها سبع مجموعات من المشاريع الحضرية والصناعية يفصل بينها طرق واسعة تتبّعت مسار الطرق العسكرية التي شيدتها «إسرائيل» منذ أكتوبر 2023 لتقطيع غزة إلى أقسام يمكن السيطرة عليها. إلى الشرق منها كانت المنطقة العازلة مموّهة كمنطقة زراعية. وامتدت بنية السيطرة المقترحة إلى الفضاء الإلكتروني. إذ استعان ترامب بليران تانكمان، خريج وحدة الاستخبارات الإلكترونية النخبوية الإسرائيلية 8200، لصياغة خطة إصلاح رقمي. تضمن ذلك إعلانًا بأن خدمة إنترنت مجانية عالية السرعة ستدفع بحلول تموز من هذا العام جميع التفاعلات الاجتماعية والتبادلات المالية إلى الإنترنت. لم يكن الهدف مساعدة الاقتصاد الفلسطيني، بل جعل جميع المعاملات المالية والبيروقراطية خاضعة للرقابة الإسرائيلية.
بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، توفر إعادة الإعمار وسيلة ضغط. يستغرق التطوير على نطاق واسع سنوات حتى يكتمل. وبفضل سيطرتها الكاملة على نقاط التفتيش وكل شاحنة من الأسمنت ومواد البناء التي تعبر إلى غزة، يمكن لـ«إسرائيل» ضمان أن تبقي إعادة الإعمار «مشروعًا» دائمًا. تجسد صورة الأبراج الفاخرة التي تشيّد فوق مقابر جماعية، مع وجود عشرات الآلاف من الأشخاص المدفونين على الأرجح تحت أعمال الحفر، منطق الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين. وتأمل الحكومة الإسرائيلية الآن، على حد تعبير الوزير رون ديرمر، أن «ما لم تحققه سنتان من الحرب ستحققه قوى السوق». في مفارقة سوداوية، يمكن أن يتحقق محو الحياة الفلسطينية في غزة عبر وسائل معمارية.
في كانون الثاني 2026، حدد باحثو منظمة «العمارة الجنائية» أعمالًا جارية في منطقة تبلغ مساحتها كيلومترًا مربعًا واحدًا، محاطة بعدة مواقع عسكرية، على الجانب الذي تسيطر عليه «إسرائيل» من «الخط الأصفر»، شرق أنقاض رفح مباشرةً. كشفت وثيقة عسكرية أمريكية مسربة أن هذا كان مشروعًا تجريبيًا لبرنامج يسمى «مجتمعات آمنة بديلة»، والذي سيوفر سكنًا لعشرات الآلاف من الفلسطينيين، الذين تم استجوابهم للتأكد من استعدادهم للتخلي عن حماس، في مجتمعات من المنازل الجاهزة المزودة بالمياه والصرف الصحي والكهرباء؛ وستعمل المساجد والمدارس على دعم فكرة التطبيع مع «إسرائيل» بما يتماشى مع المناهج الدراسية المستخدمة في الإمارات العربية المتحدة. يوضح رسم توضيحي لما يُشار إليه باسم «المخيم الإماراتي» تخطيط نوع جديد من مخيمات اللاجئين. توجد في الخطة وحدات جاهزة من طابقين -ليست عالية بما يكفي لتشكل «تهديدًا» للقوات الإسرائيلية- موزعة على طول شوارع واسعة تسمح للدبابات الإسرائيلية بالقيام بدوريات. وفي الوسط يوجد منتزه كبير يحيط بمسجد من طابق واحد. وهذا، بدلًا من المساكن الفاخرة والريفيرا، هو أقصى ما يمكن للفلسطينيين أن يأملوا فيه من خطط إعادة الإعمار. وسيقوم السكان بدخول المخيم المسور والخروج منه عبر نقاط تفتيش مزودة بأجهزة استشعار بيومترية. كما تقدم الخطة المساعدة لـ«السكان الراغبين في السفر إلى الخارج».
تجاهلت كل هذه المبادرات المخططين والمهندسين المعماريين الفلسطينيين، على الرغم من اقتراح عدة خطط إعادة إعمار فلسطينية. إحدى هذه الخطط هي مبادرة «فينيق غزة»، وأعدها اتحاد بلديات قطاع غزة، بالتعاون مع مهندسين معماريين فلسطينيين في فلسطين والشتات، وتستند إلى «العلاقات الاجتماعية والمكانية السائدة في غزة». وتشير الخطة إلى أن الأحياء والمخيمات التي تم محوها –وبعضها مثل رفح وجباليا مراكز تاريخية للهوية الوطنية الفلسطينية- سيتم استبدالها، منزلًا تلو الآخر، بعد إعادة تحديد ملكية الأراضي في المنطقة التي تم محوها بعناية. وسيتم إيواء كل عائلة بالقرب من موقع منزلها المهدم، وستشارك المجتمعات في إعادة الإعمار.
تُظهر خطط إعادة الإعمار المفروضة على الفلسطينيين بهدف ضمني هو تدمير الحياة الفلسطينية في غزة السبب الذي دفع ليمكين لتخصيص مكان للعمارة في مفهومه لجريمة الإبادة الجماعية. كان يعلم أن الطريقة التي ينظم بها شعب ما مساحته هي تمثيل لتاريخه ولبُناه الاجتماعية. كتب ليمكين في كتابه «حكم المحور في أوروبا المحتلة»: «للإبادة الجماعية مرحلتان». تتضمن المرحلة الأولى «تدمير النمط القومي للمجموعة المضطهَدة»، وقد تحقق ذلك في غزة من خلال القصف المدمر الذي شنته «إسرائيل». أمّا المرحلة الثانية فتتضمن فرض تصميم من قبل المضطهِد، مثل خطط إعادة الإعمار هذه لغزة. وكتب: «هذا الفرض، بدوره، قد يُفرض على السكان المضطهَدين الذين يُسمح لهم بالبقاء، أو على الأراضي وحدها، بعد إزالة السكان واستعمار المنطقة من قبل مواطني المضطِهد نفسه».
يمكنك قراءة باقي مواد هذا العدد من نشرة شباك أصداء النكبة: غزة والإبادة المستمرة، وباقي نشرات شباك، من خلال الانضمام لعضوية نقطة حبر.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.






