ويتمثل أحد المخاطر الاستراتيجية لحرب إسرائيل في لبنان في أنها تقوض دولة هشة أصلا وتخلق ظروفا لحرب أهلية جديدة، فتفضي إلى "مقديشو على البحر المتوسط"، على غرار ما أفضت إليه في نهاية المطاف سنتان من الحرب في غزة. وقد قوضت أطراف خارجية بالفعل استقرار الدولة في اليمن والعراق وسوريا وليبيا. أما استهداف النظام الإيراني من دون استراتيجية، فلا يؤدي إلا إلى زيادة مخاطر قيام دولة فاشلة يزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة.
ويعد الحضور الدبلوماسي الأميركي المنتظم والاستراتيجي عنصرا أساسيا، لكنه غائب. وفي إدارة ترمب الثانية، تتمثل الأولوية الأميركية الرئيسة في لبنان في نزع سلاح "حزب الله". ويرتبط الهدف السياسي في لبنان بالجهد الأميركي الإسرائيلي الرامي إلى تقويض قدرات إيران على تهديد الاستقرار الإقليمي.

وإلى جانب نزع سلاح "حزب الله"، تأمل الولايات المتحدة في مساعدة الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها وفتح مسار نحو علاقات سلمية مع جيرانها. ولهذا الغرض، ضاعفت واشنطن رهانها على استثمارها الممتد منذ عقود في الجيش اللبناني، مع تقديم المساعدة في التنسيق. وإضافة إلى ذلك، شددت وزارة الخزانة الأميركية إجراءاتها ضد اقتصاد السوق السوداء الذي يستخدمه "حزب الله" وخصوم آخرون يسيئون استغلال النظام المالي اللبناني.
زود الكونغرس الأميركي إدارة ترمب بالأدوات وإطار عمل لمواجهة "حزب الله". وأتاح قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 تمويلا للجيش اللبناني، ووضع شروطا لقياس التقدم في نزع سلاح "حزب الله" ومواجهة جماعات أخرى تهدد أمن لبنان وجيرانه. لكن الانخراط الدبلوماسي الأميركي الثابت والمتماسك لا يزال غائبا، وهو ما يعرقل تنفيذ هذه التوجهات.
كما تظهر في لبنان بعض التحديات التي برزت في ملفات أخرى خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، مثل عدم توافر عدد كاف من الدبلوماسيين الذين يملكون صلاحية تنسيق أدوات السياسة الأميركية المختلفة، والاعتماد المفرط على مجموعة صغيرة من المقربين من الرئيس، والتغييرات غير المفسرة في الكوادر، والتقويض المنهجي لأدوات "القوة الناعمة" الأميركية التي استخدمتها واشنطن تقليديا للتأثير في المشهد داخل بلدان أخرى.



