لماذا يستحضر الإنسان الذكريات المؤلمة؟
•لماذا يستحضر الإنسان الذكريات المؤلمة؟ د.
•أيوب أبودية يتساءل المرء أحيانا لماذا يستحضر الذكريات المؤلمة والمزعجة أكثر من الذكريات السعيدة، فكثيراً ما يلاحظ الإنسان أن الذكريات المؤلمة تعود إلى ذهنه بسرعة أكبر من الذكريات السعيدة، وأن موقفاً...
•هذه الظاهرة ليست مجرد تشاؤم شخصي أو اضطراب نفسي، بل ترتبط بطريقة تشكّل الدماغ البشري عبر التاريخ، وبالآليات النفسية والاجتماعية التي ساعدت الإنسان على البقاء والاستمرار.
هذا الخبر من سواليف. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: سواليف | Source: سواليفلماذا يستحضر الإنسان الذكريات المؤلمة؟
د. أيوب أبودية
يتساءل المرء أحيانا لماذا يستحضر الذكريات المؤلمة والمزعجة أكثر من الذكريات السعيدة، فكثيراً ما يلاحظ الإنسان أن الذكريات المؤلمة تعود إلى ذهنه بسرعة أكبر من الذكريات السعيدة، وأن موقفاً محرجاً أو خسارة قديمة أو كلمة جارحة أو تجربة مؤلمة تبقى عالقة في الذاكرة سنوات طويلة، بينما تمر لحظات الفرح أحياناً كأنها ومضات قصيرة ولا تستدعيها الذاكرة إلا نادراً.
هذه الظاهرة ليست مجرد تشاؤم شخصي أو اضطراب نفسي، بل ترتبط بطريقة تشكّل الدماغ البشري عبر التاريخ، وبالآليات النفسية والاجتماعية التي ساعدت الإنسان على البقاء والاستمرار. فمن الناحية البيولوجية، تطوّر الدماغ البشري في بيئات مليئة بالمخاطر؛ من الأعداء من بني جنسه، إلى الحيوانات المفترسة، فالمجاعات والحروب والكوارث الطبيعية. لذلك كان على الدماغ أن يمنح الأولوية لتذكّر التجارب السلبية لأنها مرتبطة بالبقاء.
عندما يمر الإنسان بتجربة مؤلمة أو مخيفة، ينشط جزء من الدماغ يسمى اللوزة الدماغية، وهي المسؤولة عن معالجة الخوف والانفعالات القوية. كما يفرز الجسم هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول، فتُحفَر التجربة في الذاكرة بعمق أكبر من الأحداث العادية أو السعيدة. ولهذا يتذكر الإنسان حادث سير أو موقف إذلال أو لحظة فقدان شيء ثمين بشكل أوضح من تذكّره لعشرات الأيام الهادئة والهدايا الثمينة. فالدماغ يتعامل مع الألم باعتباره “معلومة نجاة” يجب عدم نسيانها كي لا يتكرر الخطر مستقبلاً.
وقد يرى علماء الأحياء التطورية أن الإنسان الذي ينسى الألم بسرعة قد يكون أكثر عرضة لتكرار الأخطاء، بينما من يحتفظ بذكريات الخطر يكون أكثر حذراً وقدرة على البقاء.
ومن الظواهر النفسية المرتبطة بغريزة التحذير من المخاطر ما يعرف بـPareidolia أو “البرادوليا”، وهي ظاهرة ميل الدماغ إلى رؤية أنماط أو وجوه أو إشارات ذات معنى في أشياء عشوائية؛ كأن يرى الإنسان وجهاً في الغيوم أو في الصخور أو حتى في ظلال الأشجار، كوجه نمر يتربص به. ويعتقد بعض العلماء أن هذه القدرة تطورت لأنها كانت تمنح الإنسان القديم ميزة البقاء؛ فمن الأفضل بيولوجياً أن يخطئ الإنسان فيظن أن هناك وجهاً أو خطراً مختبئاً بين الأشجار، على أن يتجاهل احتمال وجود مفترس حقيقي.
وهذا يعني أن الدماغ مبرمج على المبالغة أحياناً في التقاط الإشارات المرتبطة بالخطر والتهديد. وهذا يفسر أيضاً لماذا تبقى الذكريات المؤلمة أكثر حضوراً؛ فالعقل البشري عبر آلاف السنين تعلّم أن الانتباه إلى السلبيات قد ينقذ الحياة، حتى لو جعل الإنسان أكثر قلقاً أو ميلاً لاستحضار التجارب المزعجة والمؤلمة أكثر من التجارب السعيدة.
وفي علم النفس، تعرف هذه الظاهرة باسم “الانحياز السلبي”، أي ميل العقل إلى التركيز على التجارب السلبية أكثر من الإيجابية. فالإنسان قد يسمع عشر كلمات مديح، لكنه ينشغل لساعات ، وربما لسنوات، بكلمة نقد واحدة. السبب في ذلك هو أن المشاعر السلبية غالباً ما تكون أكثر كثافة وتعقيداً من المشاعر السعيدة. فالحزن والخوف والندم والعار ترتبط بأسئلة داخلية مستمرة: لماذا حدث ذلك؟ هل كنت مخطئاً؟ ماذا لو تصرفت بطريقة مختلفة؟ وماذا كان ينبغي أن أقول أو أفعل؟ وهكذا يدخل الإنسان في دائرة اجترار ذهني تعيد تنشيط الذكرى المؤلمة مراراً وتكراراً.
أما اللحظات السعيدة فغالباً ما يعيشها الإنسان ثم يتجاوزها دون استرجاع ذهني أو تحليل طويل، لأنها لا تحمل تهديداً أو قلقاً يحتاج إلى حل. لذلك تصبح الذكريات المؤلمة أكثر حضوراً في الوعي كي تجنب صاحبها تكرار الخطأ أو المواجهة، فالنفس البشرية تميل إلى حماية ذاتها عبر الاستعداد للأسوأ. فالقلق والتذكر المستمر للألم يعملان أحياناً كآلية دفاعية، حتى لو تحولت هذه الآلية إلى عبء نفسي يرهق الإنسان.
ومن اللافت أن استرجاع المآسي والانزعاجات في الذاكرة لا يقتصر على الأفراد، بل إن المجتمعات أيضاً تميل إلى استحضار مآسيها أكثر من أفراحها. فالشعوب تحفظ في ذاكرتها الحروب والمجازر والهجرات والمجاعات والهزائم ومعاناة الاستعمار والاذلال والاضطهاد، وتبني حولها قصصا وروايات تسهم في بناء هوية جماعية. . .فما السبب؟
السبب هو أن الأحداث المؤلمة تؤثر في مصير الجماعات وبالتالي تعيد تشكيل هويتها سياسياً واقتصادياً وثقافياً. لذلك تتحول الكوارث إلى “ذاكرة جمعية” تنتقل بين الأجيال عبر الروايات والأغاني والأدب والنصب التذكارية.
كذلك، تلعب وسائل الإعلام دوراً في ترسيخ التركيز على السلبيات؛ فالأخبار المؤلمة والصادمة التي تثير الخوف والقلق تجذب الانتباه أكثر من الأخبار الهادئة والسعيدة. ولهذا يبدو العالم أحياناً أكثر قسوة مما هو عليه فعلاً، لأن العقل البشري والإعلام معاً يعطيان أولوية للخطر والمأساة.
وفي الحياة اليومية أيضاً، قد تعزز المجتمعات ثقافة الخوف والقلق كي تسيطر على حياة الناس وتضبط سلوكهم، فينشأ الأفراد خائفون وقلقون يتذكرون الإخفاقات والعقوبات أكثر من لحظات النجاح والفرح.
وإذا نظرنا إلى التاريخ الإنساني الطويل، سنجد أن معظم العصور لم تكن مستقرة أو آمنة كما هي اليوم في كثير من مناطق العالم. فقد عاش البشر قروناً تحت تهديد الحروب والأوبئة والمجاعات والعنف والفقر.
ففي مواجهة ذلك تشكل العقل البشري عبر آلاف السنين على أساس الخوف و“الانتباه للخطر”. فالإنسان القديم الذي كان يتجاهل الأصوات المخيفة أو ينسى مواقع الخطر لم يكن يملك فرصاً كبيرة للبقاء. أما الذي يتذكر الألم جيداً فقد كان أكثر قدرة على النجاة ونقل جيناته إلى الأجيال التالية.
ومن هنا يمكن القول إن الإنسان الحديث يحمل داخله جينات أدمغة ما زالت مبرمجة على اليقظة والخوف حتى في البيئات الآمنة نسبياً. لذلك قد يعود العقل تلقائياً إلى الذكريات السلبية والخوف من المجهول لأنها ارتبطت تاريخياً بغريزة البقاء. ولكن، ألا يمكن تدريب العقل البشري في مواجهة ذلك؟
رغم أن الميل إلى تذكّر الألم جزء طبيعي من تكوين الإنسان، فإن الدراسات النفسية تشير إلى أنه بالإمكان تدريب العقل على موازنة الذاكرة والانتباه أكثر إلى اللحظات الإيجابية. فاستعادة الامتنان اليومي للصحة، واستحضار الذكريات الجميلة عمداً، وتقوية العلاقات الاجتماعية، والتأمل الإيجابي، وتقليل التعرّض المستمر للأخبار السلبية، كلها إجراءات تساعد الدماغ على بناء مسارات ذهنية أكثر توازناً.
ولكن هذا لا يعني تجاهل الألم، أو إنكار التجارب القاسية، أو عدم الحذر من المخاطر، بل ينبغي فهم أن الدماغ البشري صُمم ليحذرك من الخطر أكثر مما يدفعك إلى الاحتفال بالسعادة. فمن خلال الوعي بهذه الحقيقة يستطيع الإنسان أن يتعامل مع ذكرياته بصورة أكثر هدوءاً واتزاناً. فرغم أن الذكريات المؤلمة أكثر بقاءً لأنها ساعدت البشر على النجاة عبر تاريخ تطوره الحضاري، لكنّ الذكريات السعيدة هي التي تمنح الحياة معناها المتفائل وطمأنينتها وقدرتها على الاستمرار، فلا تتوقف عن استرجاعها.
هذا المحتوى لماذا يستحضر الإنسان الذكريات المؤلمة؟ ظهر أولاً في سواليف.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة سواليف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by سواليف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





