... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
293277 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5847 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

لغـة الاحـتراق..!

معرفة وثقافة
إيلاف
2026/05/01 - 04:45 503 مشاهدة
يمضي الإنسان المعاصر مسرعًا.. كأنّ الغدَ وعدٌ يطارده لا يبلغه، وكأن الزمنَ سلّمٌ كهربائيّ لا يتوقف عن الصعود، فيما يظلّ الشعر بهدوئه العتيق النافذة الوحيدة التي لا تُقاس سرعتها حين يقاس عمقها، هناك في تلك المساحة الشاسعة بين الأمس والغد تتجاور الذكرى مع الحلم، ويتصافح الأثر مع الخلود، وتتشكل الحقيقة بوصفها رحلة لا تنتهي نحوهما، فالشعراء الذين يغامرون بالارتقاء إلى طبقات الجوهر الإنساني، لا يعودون من رحلاتهم إلا محمّلين ببخور أرواحهم، كأنهم احترقوا قليلًا ليضيئوا لنا ما عتم فينا، يكتبون يومهم، في الوقت الذي يوثّقون فيه أمسنا، ويستشرفون ما سيأتي دون أن نملك له لغة بعد، ولهذا لم يكن الشعر يومًا ترفًا، حين كان دائمًا ذاكرةً بديلةً للوجود، حين تعجز الوقائع عن حفظ نفسها، غير أن الشعر في تاريخه الطويل، لم يكن وحيدًا، كان دائمًا يسير بمحاذاة الفلسفة، أو يلتقي بها عند المنعطفات الكبرى.. يكفي أن نتأمل ظلال أبو العلاء المعرّي، حيث الشكّ رؤية، والرؤية قلقٌ لا يهدأ، أو أن نصغي إلى همس ابن عربي، واحتراق الحلاج، ودوران جلال الدين الرومي حول المعنى حتى يغدو المعنى ذاته دائرةً لا مركزاً لها، هناك، في تلك المساحات، لم تكن الفلسفة شرحًا للشعر، ولا الشعر زخرفة للفلسفة، كانا معًا شكلين مختلفين للدهشة ذاتها.. وفي هذا العصر، حيث تُحاكم الأشياء بمنطق التجربة والبرهان، ويُقاس كلّ شيء بقابليته للإثبات، بدا أن الشعر والفلسفة قد عقدا تحالفًا خفيًا، كأنهما يواجهان معًا صرامة العالم، فالفلسفة تمنح القصيدة جسدها، والشعر يمنحها ملامحها، ومن هذا التماهي ولدت القصيدة المعاصرة بوصفها كائنًا جديدًا أقلّ انصياعًا للإيقاع، وأكثر ميلًا إلى التأمل، أقلّ خطابية، وأكثر انشغالًا بالسؤال..! وهنا لا تكمن أزمة الشعر في وجوده، بل في حضوره، لقد تغيّر شكله، فظنّ البعض أنه اختفى، وانحاز آخرون إلى الماضي، يكرّرونه كمن يطرق بابًا قديمًا لبيت هجره أهله، مستعيدين خطابية لم يعد لها جمهور، وإيقاعًا لم يعد يجد من يرقص معه، في زمنٍ لا يتسع للمنابر، ولا ينتظر الخطباء إذ صار الشعر مضطرًا لأن يهمس بدل أن يعلن، وأن يتخفّى بدل أن يتصدّر، أما الشاعر، فلم يعد ذلك الكائن المتعالي الذي يحمل العالم على كتفيه، ولا الواعظ الذي يلقّن الآخرين خلاصهم، لقد عاد إلى إنسانيته الأولى إنسانٌ عاديّ، يعيش تفاصيل يومه الصغيرة، يشرب قهوته، يمرّ على الأخبار، يصغي إلى أغنية عابرة، ثم يعيد صياغة كل ذلك بلغةٍ قادرة على تحويل العادي إلى دهشة..إنه يكتب عن الأشياء التي لا تُرى عن غيمةٍ تائهة، عن عصفورٍ نسي طريقه، عن قريةٍ غادرتها الحياة وتركت فيها صدى خطواتها ومن خلال هذه التفاصيل الهامشية، يلامس الجوهر الإنساني ذلك المتوهج الذي لا يُدرك مباشرة، حين يُشمّ كالبخور. وهكذا، كلما بلغ شاعرٌ ذلك العمق، عاد إلينا محمّلًا بشيءٍ من احتراقه، كأنَّ الشعر ليس إلا أثرًا خفيفًا لنارٍ كبرى، تشتعل في الداخل، وتترك على اللغة رمادها الشجي..!
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤