لبنان وإسرائيل في أول تواصل رفيع منذ عقود.. هل يبدأ مسار تسوية جديد؟
بعيدا عن ميدان لبناني ملتهب بنيران إسرائيل، شهدت أروقة الدبلوماسية في واشنطن تحولا وُصف بـ”التاريخي”، مع كسر بيروت وتل أبيب “صمتا تفاوضيا” دام لأكثر من 3 عقود، إذ جلس وفدان رسميان، الثلاثاء، وجها لوجه في مقر وزارة الخارجية الأمريكية، في أول تواصل رفيع المستوى منذ عام 1983.
ويرى محللون استطلعتهم الأناضول أن الاجتماع، رغم طابعه التمهيدي، يعكس تحولا نوعيا في مقاربة الأزمة، مع انتقالها من إدارة التصعيد إلى محاولة فتح مسار تفاوضي مباشر، ولو تحت ضغط العمليات العسكرية.
وبينما تعتبر أطراف داخلية ودولية هذا اللقاء “كسرا لمحظور تاريخي” يؤسس لمرحلة جديدة من تموضع الدولة اللبنانية، يرى آخرون أنه يجري تحت وطأة الإكراه، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المسار الدبلوماسي على الصمود في ظل استمرار التصعيد.
والثلاثاء، أعلنت واشنطن أن الاجتماع الثلاثي ضم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمستشار مايكل نيدهام، إلى جانب سفيري الولايات المتحدة لدى لبنان وإسرائيل، وممثلين دبلوماسيين رفيعي المستوى من بيروت وتل أبيب.
وذكرت الخارجية الأمريكية أن اللقاء شكّل “أول تواصل رفيع المستوى واسع النطاق بين حكومتي إسرائيل ولبنان منذ عام 1983″، مشيرة إلى أن المشاركين بحثوا “بصورة بناءة خطوات إطلاق مفاوضات مباشرة”، على أن يُعلن لاحقا عن زمان ومكان الجولة المقبلة.
ويأتي هذا التحرك في ظل استمرار ضربات إسرائيلية مكثفة على لبنان، لا سيما في الجنوب، والتي أسفرت، وفق بيانات رسمية، عن آلاف القتلى والجرحى ونزوح أكثر من مليون شخص منذ مطلع مارس/ آذار الماضي.
وفي موازاة ذلك، أُعلن عن هدنة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية، مع تباين في المواقف بشأن شمولها لبنان، ما يعكس تعقيد المشهد الإقليمي.
مطالب لبنانية وضبط للتوقعات
من جانبها، وصفت سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى معوض الاجتماع التمهيدي بـ”الجيد”، مؤكدة أنها شددت على “الحاجة الملحّة للتنفيذ الكامل لاتفاق وقف الأعمال العدائية” الموقع في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024.
كما أكدت تمسك لبنان بسلامة أراضيه وسيادته الكاملة، داعية إلى وقف فوري لإطلاق النار، وعودة النازحين، واتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من الأزمة الإنسانية.
في المقابل، خفّض وزير الخارجية الأمريكي سقف التوقعات، مؤكدا أن القضايا الخلافية “لن تُحل خلال ساعات”، في إشارة إلى مسار تفاوضي طويل ومعقد.
بدوره، أعرب الرئيس اللبناني جوزاف عون عن أمله في أن تسهم هذه المحادثات في إنهاء معاناة اللبنانيين، في ظل استمرار العمليات العسكرية.
والاثنين، دعا أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم الحكومة اللبنانية إلى إلغاء المباحثات المرتقبة، مؤكدا أن الحزب “لن يستسلم وستبقى الكلمة للميدان”.
مسار تفاوضي تحت الضغط
يقول المحلل السياسي منير الربيع إن ما جرى في واشنطن لا يمكن فصله عن مسار ضغط متكامل تمارسه الولايات المتحدة وإسرائيل على لبنان، سياسيا وعسكريا.
ويضيف أن لبنان دخل الاجتماع بأولوية وقف إطلاق النار، “لكن هذا الهدف لم يكن حاضرا فعليا على الطاولة بالشكل الذي يريده اللبنانيون”.
ويشير إلى أن واشنطن وتل أبيب تتجهان نحو مسار طويل الأمد يتجاوز التهدئة الفورية إلى إعادة صياغة المشهد الأمني والسياسي في الجنوب، لافتا إلى أن استمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع التفاوض يعكس هذا التوجه.
ويرى أن الولايات المتحدة ستلعب دور الوسيط في المرحلة المقبلة عبر نقل الرسائل، تمهيدا لبلورة أجندة تفاوضية، مع احتمال استخدام هذا المسار لفرض وقائع ميدانية جديدة.
ويضيف أن إسرائيل تسعى، عبر الضغط العسكري، إلى وضع لبنان أمام خيارات صعبة، بين تكريس سيطرة أمنية طويلة الأمد في الجنوب أو القبول بترتيبات أمنية معقدة، على رأسها ملف سلاح “حزب الله” وإقامة منطقة عازلة.
جدل داخلي ومخاوف من التداعيات
من جهته، يرى المحلل السياسي غسان ريفي أن الاجتماع يعكس اختلالا واضحا في موازين القوى، معتبرا أن لبنان كسر أحد المحظورات السياسية دون تحقيق مكسب ملموس، وعلى رأسه وقف إطلاق النار.
ويشير إلى أن توقيت اللقاء، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية، يعزز الانطباع بأن التفاوض يجري تحت ضغط عسكري، ما يضعف الموقف اللبناني.
ويحذر من أن ربط أي تقدم تفاوضي بملفات حساسة، مثل دور “حزب الله”، قد يفتح الباب أمام توترات داخلية، في حال فُسر على أنه محاولة لإعادة ترتيب التوازنات السياسية.
تحول استراتيجي أم خطوة تكتيكية؟
في المقابل، يعتبر المحلل السياسي آلان سركيس أن مشاركة لبنان في اجتماع مباشر مع إسرائيل تمثل “خطوة غير مسبوقة” تؤسس لمرحلة جديدة في التعاطي الرسمي مع الملف.
ويرى أن هذه الخطوة تعكس محاولة من الدولة اللبنانية لتأكيد دورها في إدارة ملف التفاوض، بعيدا عن التأثيرات الخارجية، بما فيها الدور الإيراني.
ويخلص إلى أن الاجتماع يحمل دلالة رمزية مهمة، وقد يشكل بداية مسار تفاوضي طويل، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود ما يمكن أن يقبل به لبنان في ظل تعقيدات المشهدين الداخلي والإقليمي
ظهرت المقالة لبنان وإسرائيل في أول تواصل رفيع منذ عقود.. هل يبدأ مسار تسوية جديد؟ أولاً على مدار21.





