#سواليف
كشف تحقيق نشره موقع “دروب سايت نيوز” الأمريكي المستقل، استناداً إلى رسائل إلكترونية مخترقة تعود إلى رون بروسور، مندوب إسرائيل السابق لدى الأمم المتحدة بين عامي 2011 و2015، عن قيام موظف أممي بتزويد دبلوماسيين إسرائيليين بمعلومات ووثائق داخلية وسرية خلال عامي 2014 و2015.
وبحسب التحقيق، كان يهاف ليشنر، الذي كان يعمل آنذاك في صندوق الأمم المتحدة للسكان، يمرر إلى مسؤولين إسرائيليين تقارير غير منشورة، ومسودات لمراسلات أممية، وتفاصيل عن اجتماعات مغلقة، إضافة إلى معلومات تتعلق بمداولات داخل المنظمة بشأن إسرائيل والأراضي الفلسطينية.
وتظهر المراسلات أن بعض هذه المعلومات تحولت إلى تحركات سياسية إسرائيلية، من بينها اتصالات مع أعضاء في الكونغرس الأمريكي بهدف التأثير في مواقفهم من التحقيقات الأممية المتعلقة بالحرب على غزة عام 2014.
“لعينيك فقط”
من أبرز المراسلات التي أوردها التحقيق رسالة بعث بها ليشنر في 20 فبراير/شباط 2015 من بريده الشخصي إلى بروسور والدبلوماسي روني ليشنو-يعار، أرفق بها ما وصفه بأنه “ملخص داخلي سري لاجتماعات زيد في واشنطن”.
وتناول الملخص زيارة المفوض السامي السابق لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين إلى واشنطن، واجتماعاته مع مسؤولين أمريكيين وأعضاء في الكونغرس وممثلين عن جماعات ضغط ومنظمات حقوقية.
وحذر ليشنر في بداية رسالته من تداول المعلومات، قائلاً: “لعينيك فقط.. لا تُحوّلها”.
كما أشار الملخص إلى مخاوف داخل مكتب المفوض السامي من أن يؤدي غضب بعض أعضاء الكونغرس من التحقيق الأممي في حرب غزة إلى تهديد التمويل الأمريكي لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
لكن المعلومات لم تبقَ في إطار الاطلاع، إذ رد ليشنو-يعار بأنه سيستخدمها في اتصالاته مع أعضاء الكونغرس من دون الكشف عن مصدرها، فيما أكد ليشنر موافقته على ذلك.
وثائق ومسودات قبل نشرها
وتشير المراسلات إلى أن عملية نقل المعلومات بدأت قبل ذلك بأشهر.
ففي يونيو/حزيران 2014، أرسل ليشنر إلى دبلوماسيين إسرائيليين هيكلاً داخلياً لإدارة الإعلام في الأمم المتحدة، تضمن معلومات عن وحدة معنية بفلسطين وإنهاء الاستعمار وحقوق الإنسان، واقترح مراجعة كوادرها وتقليص وظائفها أثناء مناقشة الميزانية.
وفي يوليو/تموز من العام نفسه، وبعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، مرر ليشنر رسالة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بان كي مون، إلى جانب مسودة غير منشورة لرد الأمين العام.
وتظهر الرسالة أن ليشنر كان يتواصل مع شخص وصفه بـ”صديقتنا” بشأن إدخال تعديلات على رسالة بان كي مون، بما في ذلك إضافة إشارة إلى إطلاق الصواريخ.
وفي الشهر ذاته، أرسل تقريراً داخلياً عن الأردن تضمن تفاصيل بشأن مشاورات مغلقة مع وزير الداخلية الأردني وتطورات مرتبطة بأمن الحدود والاضطرابات الداخلية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2014، تلقى ليشنر تقريراً من مركز عمليات وأزمات الأمم المتحدة يحمل تصنيف “سري للغاية للأمم المتحدة – غير قابل لمزيد من التوزيع”، ثم أرسله في اليوم التالي إلى ستة دبلوماسيين إسرائيليين، مع تنبيه “لعيونكم فقط”.
وفي رسالة أخرى، نقل ليشنر معلومات قال إنها جاءت من “مصدر في دائرة الأمين العام”، ليرد عليه بروسور: “كالعادة، معلومات مذهلة ومن المصدر الأول”.
معلومات عن التحقيقات المتعلقة بإسرائيل
وتكشف مراسلات أخرى أن ليشنر لم يكتفِ بنقل الوثائق، بل قدم للدبلوماسيين الإسرائيليين أيضاً حججاً يمكن استخدامها في مواجهة الانتقادات الدولية.
ففي مايو/أيار 2014، أبلغ مسؤولين إسرائيليين بأن إدارات أممية ستناقش مقتل الفتيين الفلسطينيين محمود عودة سلامة ونديم نوارة برصاص القوات الإسرائيلية.
وكان موظفون في مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد دعوا إلى مراسلة إسرائيل وإصدار بيان بشأن ما وصفوه بالاستخدام المفرط للقوة.
لكن ليشنر قدم للدبلوماسيين الإسرائيليين حجتين للرد، الأولى أن الدعوة إلى إجراء تحقيق مستقل تتجاهل تحقيقاً عسكرياً إسرائيلياً قائماً، والثانية أنه لا ينبغي التعبير عن القلق قبل انتهاء التحقيق.
وقال في ختام رسالته إنه سيطلعهم على التطورات بعد الاجتماع المقرر في اليوم التالي.
وفي فبراير/شباط 2015، مرر ليشنر رسالة داخلية تتضمن موعداً متوقعاً لنشر تقرير لجنة التحقيق في الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، محذراً من أن المعلومات “حساسة ولم تكن معدة للتوزيع”.
وفي مارس/آذار من العام ذاته، نقل مراسلات داخلية مرتبطة بتحقيق لصحيفة “غارديان” حول اتهامات بتدخل إسرائيلي لوقف مسار أممي كان قد أوصى بإدراج الجيش الإسرائيلي ضمن الجهات المتورطة في انتهاكات بحق الأطفال.
وطلب ليشنر عدم استخدام المراسلات أو الاقتباس منها، كما حاول معرفة مصدر المعلومات التي وصلت إلى الصحيفة، في مفارقة لافتة، إذ كان في الوقت نفسه يمرر معلومات ووثائق داخلية إلى دبلوماسيين إسرائيليين.
من الدبلوماسية الإسرائيلية إلى الأمم المتحدة
ويعيد التحقيق طرح تساؤلات بشأن انتقال ليشنر من العمل في الدبلوماسية الإسرائيلية إلى العمل داخل منظومة الأمم المتحدة.
فقد عمل ليشنر مستشاراً سياسياً لبروسور في السفارة الإسرائيلية في لندن، ثم مستشاراً رفيعاً في البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة، قبل أن ينتقل عام 2014 إلى العمل في صندوق الأمم المتحدة للسكان.
وفي يناير/كانون الثاني 2014، وبينما كان مرشحاً لوظيفة في الصندوق، كتب بروسور إلى السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة آنذاك سامانثا باور، طالباً دعم تعيينه.
وقال بروسور إن ليشنر تصدر نتائج المقابلات، لكنه طلب عدم الكشف عن مصدر هذه المعلومة، مشيراً إلى أنها جاءت من “مصادر داخلية”.
وعندما طلب الصندوق لاحقاً توصية سرية بشأن ليشنر، وصفه بروسور بأنه يحظى بـ”ثقته المطلقة”، وأنه يتصرف بأعلى درجات النزاهة.
وفي مايو/أيار 2015، حاول ليشنر الاستفادة مجدداً من دعم بروسور لترشحه لمنصب محتمل في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأعد نقاطاً لحديث بروسور عنه.
ووصف ليشنر نفسه في تلك النقاط بأنه يمتلك مهارات سياسية وتحليلية عالية، وأشار إلى أنه “ضابط استخبارات تحت التدريب”، من دون أن يتضمن الأرشيف الذي استند إليه التحقيق دليلاً آخر يثبت أنه تلقى هذا التدريب أو عمل بهذه الصفة.
قواعد الحياد والمساءلة
وتنص قواعد الأمم المتحدة على أن ولاء موظفيها ومسؤولياتهم ذات طبيعة دولية، كما تحظر عليهم نقل المعلومات التي يحصلون عليها بحكم وظائفهم إلى حكومات أو جهات أو أشخاص خارج المنظمة.
ونقل التحقيق عن تشارلز بيتري، مساعد الأمين العام السابق للأمم المتحدة، قوله إن السلوك الموثق في المراسلات محظور، منتقداً ما وصفه بضعف آليات المساءلة داخل المنظمة.
وفي أبريل/نيسان 2015، شكر ليشنر بروسور على ما وصفه بـ”الرياح الداعمة” بشأن تحسن موقعه داخل صندوق الأمم المتحدة للسكان، فرد بروسور قائلاً: “سعيد أنه كان لنا تأثير”.
ولم يرد ليشنر أو بروسور أو سامانثا باور على طلبات “دروب سايت” للتعليق، كما لم ترد منظمة اليونيسف، التي يشغل ليشنر حالياً منصب مدير مكتبها في واشنطن.
ولا تثبت الرسائل التي حصل عليها التحقيق استمرار هذا السلوك بعد عام 2015، كما لا توضح ما إذا كانت اليونيسف على علم بهذه المراسلات عند تعيينه.
غير أن الوثائق التي تعود إلى تلك الفترة ترسم صورة عن وصول دبلوماسيين إسرائيليين إلى معلومات داخلية في الأمم المتحدة قبل نشرها رسمياً، في وقت كانت فيه إسرائيل تواجه ضغوطاً دولية متزايدة على خلفية حرب غزة عام 2014 والانتهاكات في الضفة الغربية.
هذا المحتوى “لعينيك فقط”.. كيف سرب موظف أممي وثائق سرية عن غزة لإسرائيل؟ ظهر أولاً في سواليف.

