لا رشوة ولا تبديد… والملف يفتقد الدليل!

أجمعت هيئة الدفاع عن المتهمين المتابعين في فضيحة “نونو مانيطا” والوزير علي عون على أن ملف الحال مبني على “استنتاجات فرضية” وعلى “القيل والقال”، حيث انصبت مرافعات أصحاب الجبة السوداء على براءة موكليهم، في غياب أي أساس مادي أو قانوني يمكن أن ينهض عليه الاتهام، معتبرين أن الملف برمته تأسس على معلومات أولية وتحريات أمنية وردت إلى مصالح التحقيق القضائي من دون أن ترقى – حسب الدفاع – إلى درجة الدليل اليقيني للإدانة.
ركزت هيئة الدفاع عن المتهم شرف الدين عمارة، الخميس، خلال مرافعتها على أن ملف الحال يفتقر إلى الدليل اليقيني الذي يسمح بالإدانة، واعتبرت أن تناقض التصريحات وتراجع بعض الأقوال خلال مجريات التحقيق، إضافة إلى غياب أي علاقة سببية مباشرة بين موكلهم وباقي أطراف القضية، كلها عناصر تؤكد أن المتهم أُقحم في الملف من دون سند واقعي أو قانوني وشددت على أن متابعة موكلها مجرد “سيناريو” تم تأويله لتوريطه.
وتمسك المحامي ذيب رفيق، عضو هيئة الدفاع، عن المتهم شرف الدين عمارة أمام محكمة القطب، بغياب الدلائل التي تثبت التورط، مؤكدا أن الملف منذ بدايته إلى غاية الإحالة ظل يفتقر إلى أي عنصر إثبات مادي يمكن الركون إليه، معبرًا في ذات الوقت عن حسرته من استمرار المتابعة في حق موكله من دون أدلة قانونية في غياب ما وصفه باليقين القضائي.
وأكد ذيب أن موكله شغل منصب الرئيس المدير العام لمجمع مدار القابضة منذ سنة 2015 إلى غاية أكتوبر 2025، وتمكن خلال هذه الفترة من قيادة واحد من أكبر المجمعات الصناعية في الجزائر، وتحويله إلى قطب اقتصادي وطني فاعل من حيث الإنتاج والتشغيل والضرائب، باعتباره ثاني أكبر مؤسسة بعد سوناطراك في بعض المؤشرات الاقتصادية.
كما أشار عضو الدفاع إلى أن مجمع مدار يعد من أكبر المساهمين في الاقتصاد الوطني خارج قطاع المحروقات، ويشغل عشرات الآلاف من العمال عبر فروعه، ما يعكس – حسبه – حجم المسؤولية والثقل الاقتصادي الذي كان يتولاه المتهم خلال سنوات تسييره.
واوضح أن المسار المهني لموكله لم يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى مسؤوليات مؤسساتية ورياضية، حيث تولى رئاسة الاتحاد الوطني للمقاولين العموميين، ثم رئاسة فريق شباب بلوزداد، قبل أن يُنتخب لاحقا على رأس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، في مسار وصفه بأنه سلسلة من الثقة المؤسساتية المتتالية.
وتطرق ذيب رفيق خلال مرافعة قوية في حق موكله إلى وقائع الملف، قائلا أنها تعود إلى ما بعد عودة المتهم من مهمة رسمية إلى دولة قطر، كان خلالها يمثل الجزائر ومؤسساتها العمومية، ليتم إبلاغه فور وصوله إلى أرض الوطن بوجود إجراءات قضائية في حقه وإحالته على محكمة الحال، وهي الوقائع التي أكد الدفاع أن موكله واجهها منذ البداية بنفس التصريحات من دون تغيير، باعتبارها – حسبه – الحقيقة الثابتة في الملف، مشيرا إلى إن جوهر الاتهام يقوم على تصريح منسوب إلى أحد الأشخاص خلال مراحل التحقيق، مفاده الاشتباه في تقديم مبالغ مالية مرتبطة بمنصب عمل، حيث أن المدعو “مولى عبد النور” قد صرح سابقا بأن يكون عمارة شرف الدين قدم مبالغ مالية إلى المدعو مهدي عون ابن الوزير علي عون كإعانة مالية، لكي يتم تثبيته في منصب عمله، غير أن هذا التصريح – حسب الدفاع – تم التراجع عنه وإنكاره أمام الجهة القضائية، وهو ما يفقده قيمته القانونية ويجعله غير قابل للاعتماد كأساس للإدانة، متسائلا بإلحاح “كيف يمكن بناء متابعة جزائية على قول غير ثابت، تم نفيه لاحقا من صاحبه، من دون أي دليل مادي أو قرينة داعمة؟”.
وأشار ذيب إلى إن التحقيق الذي دام أكثر من 14 شهرا لم يسفر، حسبه، عن أي دليل مادي أو خبرة فنية أو معطى مالي يثبت صحة الوقائع، في وقت بقيت فيه الاتهامات – كما قال – في حدود الادعاء من دون انتقالها إلى مستوى الإثبات القضائي.
ولمح المحامي إلى ما وصفه بـ”السيناريو”، فقد تم تأويله في إطار محاولة ربط المتهم بفرضية السعي للبقاء في منصبه، وهي فرضية اعتبرها الدفاع غير قائمة منطقيا ولا قانونيا، بالنظر إلى أن المتهم شغل منصبه لأكثر من عشر سنوات في إطار عقد نجاعة، ومر خلال مساره على عدة حكومات متعاقبة من دون أي تحفظ يُذكر.
كما أشار ذيب إلى أن المتهم حظي بثقة مؤسسات الدولة، من خلال تكليفه بملفات استراتيجية تتعلق بإعادة بعث مصانع محجوزة، وهو ما اعتبره الدفاع دليلا إضافيا على أن الحديث عن امتيازات مقابل منصب لا يستقيم مع واقع المسار المهني للمعني.
وفي سياق الرد القانوني، شدد الدفاع على أن أركان الجرائم المنصوص عليها في المادة 25 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، والمتعلقة بجريمة الرشوة الإيجابية، غير متوفرة، موضحا أن السلوك الإجرامي في هذه الجريمة يقوم على عنصر “الوعد أو العرض أو المنح”، بغرض القيام بفعل أو الامتناع عنه مقابل امتياز غير مستحق، وهو ما لم يثبت – حسب الدفاع – في حق موكله بأي شكل من الأشكال.
كما توقف ذيب عند المادة 29، المتعلقة بالتبديد والاختلاس، معتبرا أن جوهر الجريمة يفترض وجود صفة الموظف العمومي، وسلوك مادي يتمثل في تحويل الحيازة أو التصرف في مال عام على نحو غير مشروع بنية التملك، وهو ما لا ينطبق – حسبه – على موكله، لغياب أي دليل على وضع اليد على أموال أو ممتلكات عمومية، متسائلا: “أين هو الشيء محل الاختلاس؟ وأين هو فعل التسليم؟”.
وفي ما يتعلق بالمادة 32 من القانون ذاته، المتعلقة بالرشوة المرتبطة باستغلال النفوذ، أوضح ذيب أن موكله لم يطلب ولم يقبل ولم يعرض أي مزية غير مستحقة، ولم يسع إلى تحريض أي موظف عمومي على استغلال نفوذه، معتبرا أن ذلك غير قائم أصلا في وقائع الملف.
ومن جانبه، أوضح المحامي صالح زمولي أن موكله عمارة شرف الدين تم استدعاءه للاستماع إليه، ليتبين من خلال التحقيقات أنه لا تربطه أي علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالمتهمين في القضية، مشيرا إلى أن بعض التصريحات التي بني عليها ملف الإحالة جاءت – حسب وصفه – منسوبة بشكل غير دقيق، بل إن أحد المتهمين نفى صراحة أثناء التحقيق أي تصريح يربط موكله بوقائع القضية، وهو ما اعتبره الدفاع نقطة جوهرية لنفي الاتهام.
وأضاف زمولي أن ما ورد بخصوص علاقة موكله بأحد مشجعي نادي شباب بلوزداد لا يرقى إلى أي رابطة قانونية أو مهنية، مؤكدا أن الأمر لا يعدو أن يكون علاقة عرضية لا أثر لها في الوقائع محل المتابعة، وأن محاولة ربط هذا العنصر بالقضية يدخل – حسبه– في باب التأويل غير المستند إلى دليل، قائلا “سيدي الريس، 3 صفحات في الأمر بالإحالة تخص موكلي كانت كلها مجرد أقوال عارية من الصحة وهذا بدلالة عند طرحي الأسئلة على المتهم الذي صرح بأقواله أثناء التحقيق، أنكر معرفة عمارة والمعاملة معه”.
دفاع ممثلي علامة صينية للسيارات: لا ناقة ولا جمل في هذا الملف
ومن جهته، رافع المحامي عادل بوزيدة دفاع المتهمين “ش.ع ” و”ع.أ” ممثلي سيارات لعلامة صينية بالجزائر، بقوة من اجل إسقاط التهم الموجهة إلى موكليه، مستندا في ذلك على كل الأدلة والقرائن المتوفرة، معتبرا أن الملف فارغ من محتواه، وتصريحات جوفاء لا أساس لها من الصحة.
وقال بوزيدة “سيدي الرئيس، للأسف، الملف مبني على تصريحات متضاربة من متهم على متهم وهي باطلة حسب صحيح القانون”، مستندا في دفاعه على أوجه دفاع موضوعية، أهمها ما أبداه بشأن تخلف الركن المفترض في جرائم الفساد والذي تفترضه المادة 02 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته.
وفي تفكيك قانوني للتهم، شدد المحامي على أن الملف يخلو من أي عنصر مادي يثبت التهم الموجهة إليه بدعوى أن تخلف الركن القائم في المادة 02 في هذه الجرائم راجع إلى تخلف الشروط الجوهرية المفترض بالمتهم علي عون، وأول هذه الشروط هي: التزامن بين الصفة الوظيفية وتاريخ الوقائع، ذلك أن الرخص المسبقة التي تحصل عليها موكليه كانت بتاريخ 01 فيفري 2023 وهي سابقة على تعيين الوزير علي عون وزيرا للصناعة والذي تم في 18 مارس 2023 حسب ـ الدفاع ـ.
وأردف بوزيدة قائلا “أما الشرط الجوهري الثاني والمتخلف بالركن المفترض وهو الاختصاص بالمنح: حيث أن المرسوم التنفيذي 22 – 383 نظم دفتر الشروط وإجراءات وجهات منح الرخص المسبقة في مجال المركبات، وقد أشار إلى المادتين 13 و18 من ذات المرسوم التنفيذي، وهذا يعني أن وزير الصناعة لا يحوز اختصاص منح الرخص، بل تؤول هذه الصلاحية للجان القطاعية المشتركة المحددة بالمرسوم التنفيذي”.
وأصر الدفاع في مرافعته أيضا عن تخلف الدليل المادي القطعي واليقيني المطلوب للإثبات في مواد الجنح، وهو ما ينسحب عن باقي التهم المثارة ضد المتهمين.
وفي شق الاجراءات، أوضح المحامي أن الدعوى العمومية لم توجه ولم تحرك بشكل سليم، خاصة بالنظر لطبيعة وخصوصية الجريمة الاقتصادية بمفهوم المادة 318 من قانون الاجراءات الجزائية، والتي ينعقد بها اختصاص القطب المالي والاقتصادي، وقد أخذ الدفاع جهة التحقيق عن احالتها الملف على جهة الحكم من دون كفاية في أعباء الاتهام، ذلك أنها استندت إلى تصريحات متهم آخر في الملف، وناقش هذه النقطة استنادا لانعدام الترابط الموضوعي والإجرائي بين المتهمين، من جهة، وأن هذه التصريحات تفتقد إلى قاعدة مشروعية الدليل الجزائي وتفتقد إلى القطعية واليقينية، وفي السياق ذاته أشار إلى غياب قرائن وأدلة أخرى تعزز هذه التصريحات، كما التمس استبعاد طلبات الوكيل القضائي للخزينة لانعدام الصفة الاجرائية طبقا لقانون 63 – 198.
وفي نهاية مرافعته جدد المحامي بوزيدة على أن جميع التهم الواردة في أمر الإحالة تفتقد إلى أركانها القانونية والمادية، وأن الإدانة لا يمكن أن تبنى على الظن أو التأويل، بل على دليل يقيني ثابت، والتماس الحكم ببراءة موكليه من جميع التهم المنسوبة إليه، مع رفع الرقابة القضائية عنه.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post لا رشوة ولا تبديد… والملف يفتقد الدليل! appeared first on الشروق أونلاين.





