عملياً، ثبّت الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال إعلانه وقف الاتصالات مع إيران حتى تبدي الأخيرة نيات جدية لإبرام اتفاق، ما كان يقوله المسؤولون الإيرانيون عن عدم وجود اتصالات من أي نوع مع البيت الأبيض. وأضاف أيضاً مزيداً من الغموض حيال ما يمكن أن يتبع هذا القرار، من الذهاب نحو تصعيد عسكري أو الاكتفاء بالحصار البحري وتشديد العقوبات الاقتصادية.
واستباقاً لأي عمل عسكري من الجانب الأميركي، حذّر رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية علي عبد اللهي دول الخليج من مغبة توفير أي مساعدة للجيش الأميركي تُعدّ دعماً للعمليات العسكرية. وأتبعت هذا التحذير صحيفة "الفايننشال تايمز" البريطانية بنشر خبر نقلته عن مصدرين إيرانيين، مفاده أن طهران تدرس خيار ضرب أصول أميركية في جنوب شرق أوروبا واستهداف كابلات الألياف البحرية التي تمر بمضيق هرمز، في حال حدث تصعيد أميركي.
رفع كلفة الحصار
ما ترمي إليه إيران في مواجهة الحصار وتغليظ العقوبات واحتمال العودة إلى الخيار العسكري هو رفع كلفة هذه الخيارات على الولايات المتحدة وعلى الاقتصاد العالمي. وعلى رغم تكرار ترامب أن مضيق هرمز مفتوح، فإن شركات الملاحة أفادت عن تراجع في حركة العبور، الثلاثاء، إلى أدنى مستوى منذ أيام. وعادت ناقلتا نفط عملاقتان مرتبطتان بالصين أدراجهما في المضيق، الأربعاء، وسط تصاعد المخاطر التي تواجه سفن الشحن هناك.
وزادت القوات الإيرانية من استهدافاتها في الأيام الأخيرة في هرمز، من دون أن تلقى رداً عسكرياً أميركياً، على رغم نشر ترامب على منصته للتواصل الاجتماعي خريطة للمضيق تحت عبارة "أرض أميركية جديدة". وتجاهل ترامب الرد على إيران يشير إلى أنه يكتفي في الوقت الحاضر بالحصار البحري. وأعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، الثلاثاء، أن الدفاعات الجوية رصدت صاروخين باليستيين قادمين من إيران، قائلة إن الصاروخ الأول سقط خارج المياه الإقليمية للدولة، بينما سقط الصاروخ الثاني في المياه الإقليمية. وفي وقت سابق، أصاب مقذوف إيراني ناقلة نفط كانت تحاول عبور المضيق شرق عُمان.

والهجوم الأخير هو الـ14 من نوعه الذي يستهدف سفناً منذ مطلع آب/أغسطس الجاري، سواء في هرمز أو في مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالأسواق العالمية. وتفيد بيانات الشركة المتخصصة في تقويم المخاطر البحرية بأن عدد الهجمات التي سُجلت حتى الآن في آب/أغسطس يفوق مجموع ما سُجل من هجمات في تموز/يوليو.
ويعزز هذا النسق من الهجمات الاستنتاج بأن إيران ربما تمهّد لعمل عسكري أكبر، في مواجهة الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها بفعل الحصار وزيادة العقوبات.
شروط إيران لفتح هرمز
وإلى استهداف الملاحة البحرية وتوسيع الجبهات، تتصلب إيران سياسياً أيضاً، إذ حدد كبير مفاوضيها، رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، أربعة شروط لفتح مضيق هرمز، هي رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأصول المجمدة، ورفع العقوبات عن النفط الإيراني، ووضع حد لجميع العمليات العسكرية في المنطقة.
ليس ثمة شك في أن كل ذلك يفضي إلى وضع بالغ التعقيد. ويصعب على كل من أميركا وإيران أن تصلا إلى أهدافهما سواء بالقوة أو بالديبلوماسية. الجانبان يعودان إلى الدوران في الحلقة المفرغة من اللاحرب واللاسلم. التجارب تدل على أن الرهان على الوقت لا يحمل دائماً النتائج المتوخاة، وإنما لا يعدو كونه زمناً مستقطعاً بين حرب وأخرى، لا سيما أنه لا وقت للديبلوماسية.





