كتبت شيرين قسوس هبّة نيسان
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
وطنا اليوم
2026/05/23 - 09:50
503 مشاهدة
في الأردن، لم تكن “هبة الخبز” مجرد احتجاج على رفع الأسعار. كانت لحظة انفجارٍ أخلاقي، حين شعر الناس أن الدولة لم تعد تسمع قرقعة المعدة ولا أنين الجيوب الفارغة. الخبز يومها لم يكن طعامًا فقط؛ كان آخر خيطٍ يربط الفقير بوطنه. وحين اقتربت اليد من رغيفه، خرج الشارع كله كمن يدافع عن كرامته الأخيرة. في ذلك الزمن، كانت الحكومات تظن أن الأرقام تكفي لإقناع الناس. قالوا: “إصلاح اقتصادي”، بينما المواطن كان يسمع: “اقتطاع جديد من لحمك الحي”. رفعوا الدعم، فارتفعت النار في العيون قبل الأسعار. لم يكن الأردني يطلب القصور، بل كان يريد أن يعود إلى بيته دون أن يشعر أن راتبه يُدفن قبل منتصف الشهر. وهنا تكمن الحقيقة التي لا يحب الساسة سماعها: الشعوب لا تثور بسبب الجوع فقط، بل بسبب الإهانة. الجوع يمكن احتماله يومًا أو شهرًا، لكن شعور الإنسان بأنه صار رقمًا زائدًا في دفتر الموازنة هو ما يشعل الشوارع. واليوم، ونحن ننظر إلى زمننا هذا، يبدو المشهد أكثر قسوة وإن كان أكثر هدوءًا. لم تعد هناك هبة خبز بالشكل التقليدي، لأن الناس تعبت من الصراخ، أو ربما لأن الوجع صار يوميًا إلى درجة أنه فقد عنصر الصدمة. لكن النار ما زالت تحت الرماد. في زمننا، لم يعد الخبز وحده مهددًا؛ صار الحلم نفسه سلعةً غالية. الشاب يعمل ولا يكفيه راتبه. الأب يخجل من قائمة طلبات أطفاله. الخريج يحمل شهادته كمن يحمل ورقة نعي لمستقبله. والناس تتقن فنّ “التأقلم” بينما تُسحق ببطء. الأخطر اليوم أن الفقر لم يعد حالة اقتصادية فقط، بل تحول إلى شعور عام بالاختناق. المواطن يرى الضرائب تتكاثر كالأشواك، والأسعار تقفز بلا رحمة، والوعود الرسمية تُعاد تدويرها كل عام...





