«قناعات الإطار» تتبدّل: 4 سيناريوهات لاختيار رئيس الحكومة
بغداد/ تميم الحسن
تتبلور 4 سيناريوهات رئيسية لحسم اسم مرشح رئاسة الحكومة، من بينها خيار «غير تقليدي» يعيد إنتاج ما جرى في كواليس انتخاب رئيس الجمهورية، ويعكس انتقال الأزمة من الجمود إلى مرحلة إعادة ترتيب التوازنات.
وفي هذا الإطار، يكشف سياسي مقرّب من قوى «الإطار التنسيقي» عن «هزّات سياسية» أخذت تضرب بنية التحالف الشيعي، وأسهمت في زعزعة بعض القناعات الراسخة لدى قادته، بما قد يفضي إلى طرح اسم جديد لرئاسة الحكومة، يتجاوز الأسماء المتداولة في المرحلة السابقة.
لكن السيناريو الأكثر قتامة لا يقتصر على تبديل المرشحين، بل يمتد إلى احتمال تجاوز السقف الزمني الذي حدده الدستور، والمتمثل بمهلة الـ15 يوماً الممنوحة لرئيس الجمهورية لتكليف مرشح «الكتلة الأكبر».
في المقابل، يبدو أن «الإطار التنسيقي» فقد إلى حد بعيد الأوراق التي كان يوظفها لتبرير إطالة أمد الخلافات داخل البيت الشيعي، لا سيما بعد استكمال استحقاقي رئاسة مجلس النواب والجمهورية.
«السيناريو الأول».. إعادة إنتاج الخيار التقليدي
تكشف معطيات حصلت عليها «المدى» من مصادر متقاطعة داخل «الإطار التنسيقي» عن ملامح الجولة الأولى من المفاوضات التي انطلقت عقب انتخاب رئيس الجمهورية، في وقت كان التحالف الشيعي يستعد لعقد اجتماع حاسم لبحث مسار تسمية رئيس الوزراء الجديد أثناء كتابة التقرير.
وبحسب هذه المعطيات، يتمثل السيناريو الأول - وهو الأكثر تقليدية - في إعادة تثبيت ترشيح نوري المالكي، استناداً إلى التفاهم السابق الذي أُبرم نهاية كانون الثاني، حين حاز دعماً يقارب «ثلثي الإطار». ويعكس هذا الخيار توجهاً لدى جزء من قادة التحالف للتمسك بالمرشح «المجرَّب» وتفادي المغامرة بأسماء جديدة في لحظة سياسية معقدة.
غير أن هذا المسار يصطدم بعقدتين أساسيتين. الأولى تتصل بالموقف الأميركي، حيث تُظهر إدارة دونالد ترامب تحفظاً واضحاً على عودة المالكي، معتبرة أن ذلك قد يشكل «خطأً فادحاً» يعيد البلاد إلى دوامة الفوضى. أما العقدة الثانية، فتتمثل في الاعتراضات السنية، التي تستند إلى إرث سياسي سابق لا يزال يلقي بظلاله على فرص تمرير هذا الخيار.
في المقابل، يسعى فريق المالكي إلى التقليل من تأثير هذين الاعتراضين. إذ يروّج مقرّبون منه إلى أن الموقف الأميركي يستند إلى «تصورات غير دقيقة»، وأن ترامب لم يطّلع بشكل كافٍ على تجربة المالكي، بل تأثر بمعطيات «مضلِّلة» - وهو ما كان المالكي قد أشار إليه في مقابلات سابقة.
أما على صعيد الموقف السني، فيرى هذا الفريق أنه لم يعد حاسماً كما في السابق، خصوصاً بعد ما وُصف بـ«اختراق» منظومة التوافق التقليدي خلال جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، التي انعقدت رغم مقاطعة المالكي والحزب «الديمقراطي الكردستاني»، ما قد يشير إلى إمكانية تكرار سيناريو مشابه في ملف رئاسة الحكومة.
«السيناريو الثاني».. تنازل مشروط
في قراءة تعكس تحوّلاً محتملاً داخل البيت الشيعي، يكشف نائب شيعي سابق، في حديث لـ«المدى» فضّل فيه عدم ذكر اسمه، أن «الهزّة السياسية» التي رافقت جلسة انتخاب رئيس الجمهورية أسهمت في إحداث تغيّر ملموس في قناعات نوري المالكي، ودفعت باتجاه مراجعة خياراته السابقة.
وبحسب هذا التقدير، فإن المالكي قد يكون مستعداً للقبول بطرح اسم بديل لرئاسة الحكومة، شريطة ألّا يكون محمد شياع السوداني، في مؤشر على أن الخلاف بين الرجلين لم يعد قابلاً للاحتواء ضمن تسوية تقليدية.
ويستعيد هذا السيناريو سياق التحالف الذي كان قد نشأ بين الطرفين مطلع 2026، حين أبدى السوداني مرونة لافتة تجاه المالكي، ما أفضى إلى تقارب تُرجم عملياً بتراجع الحديث عن كتلة «الإعمار والتنمية» لصالح إطار أوسع تمثل بـ«دولة القانون»، الذي قيل إنه يضم أكثر من 80 نائباً. غير أن ما جرى في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الأخيرة بدا وكأنه نسف هذا التفاهم.
وفي تطور لافت، لمّح ضياء الناصري، القيادي في حزب المالكي، إلى احتمال قبول الأخير بمرشح بديل مثل باسم البدري، وهو مهندس زراعي أيضاً ويشغل حالياً رئاسة هيئة المساءلة والعدالة، في إشارة إلى انفتاح -ولو نظري- على خيارات خارج الأسماء التقليدية.
وقال الناصري، في مقابلة متلفزة، إن جلسة انتخاب رئيس الجمهورية «كسرت العقد الاجتماعي» الذي حكم العملية السياسية بعد 2003، والقائم على ثلاثية: التوافق، والتوازن، وحقوق المكونات. وأضاف أن قرار اختيار رئيس الوزراء «لا يزال بيد الإطار»، لكن المالكي - وفق تعبيره - أبدى استعداداً للتنازل لصالح «شخص يثق به».
مع ذلك، لا يبدو هذا الموقف محسومًا بالكامل، إذ يتعارض مع ما تروّجه دوائر قريبة من المالكي، التي لا تزال تؤكد تمسّكه بصفته «المرشح الوحيد» لرئاسة الحكومة.
«سيناريو الولاية الثانية».. الواقعية السياسية
يبرز الخيار الثالث بوصفه الأكثر «واقعية» في نظر أنصاره داخل «الإطار التنسيقي»، ويتمثل في تجديد الولاية لرئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، باعتباره مرشحاً قادراً - وفق هذا المعسكر - على ضمان قدر من الاستقرار في مرحلة شديدة الحساسية.
ويستند المدافعون عن هذا السيناريو إلى ما يرونه نجاحاً نسبياً للسوداني في تحييد العراق عن تداعيات الصراع الإقليمي، ولو جزئياً، إلى جانب قدرته على إدارة أزمات اقتصادية معقدة، ما يعزز - برأيهم - حجج الاستمرارية بدلاً من المغامرة بتغيير مفاجئ في رأس السلطة التنفيذية.
في هذا السياق، يؤكد عضو تحالف «الإعمار والتنمية» وليد خالد، في حديث لـ«المدى»، أن الضغوط الشعبية وتداعيات الأوضاع العامة «لم تعد تسمح باستمرار حالة الجمود»، مشدداً على ضرورة حسم ملف رئاسة الحكومة والمضي في استكمال الاستحقاقات الدستورية، لا سيما بعد تجاوز عقدة انتخاب رئيس الجمهورية.
ويرى خالد أن التحديات الاقتصادية والأمنية المتراكمة جعلت من المضي في تشكيل الحكومة «ضرورة قصوى»، مشيراً إلى وجود «تفاهمات واتفاقات» داخلية تمنح مرشح رئاسة الوزراء هامشاً زمنياً للتحرك، في إطار محاولة الوصول إلى تسوية مقبولة.
ويكشف أن تحالفه كان قد دعم سابقاً ترشيح نوري المالكي، غير أن تعثر هذا الخيار دفع باتجاه إعادة تقييم المواقف، ليبرز اسم السوداني مجدداً كخيار «أنسب» في هذه المرحلة، نافياً وجود اعتراضات حاسمة، حتى من قبل المالكي.
ويعزز هذا الطرح ما يتداوله أنصار السوداني بشأن حصوله على دعم 9 من أصل 12 زعيماً داخل «الإطار التنسيقي»، ما يعني أنه يملك "الأغلبية"، رغم عدم اتفاق التحالف على آلية لحسم اختيار رئيس الوزراء.
وفي مؤشر على جدية هذا المسار، بدأ السوداني، عقب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، سلسلة لقاءات مكثفة مع قادة «الإطار»، في تحرك يوحي بمحاولة إعادة طرح نفسه مرشحاً توافقياً.
«سيناريو المغامرة»
يُطرح هذا المسار بوصفه الخيار الرابع والأكثر خطورة للخروج من الأزمة السياسية، إذ يقوم على فكرة «مغامرة سياسية» غير مسبوقة، قد تعيد رسم شكل التحالفات الشيعية، وتضع «الإطار التنسيقي» أمام اختبار وجودي منذ احتجاجات تشرين 2019.
ويتمثل جوهر هذا السيناريو في تحرك مجموعة من داخل «الإطار» بشكل منفرد، عبر تبنّي طرح تعتبر فيه نفسها الممثل الفعلي للكتلة الشيعية، على غرار ما جرى في التجربة الكردية، ثم المضي في تقديم اسم مرشح رئاسة الحكومة إلى رئيس الجمهورية، سواء كان محمد شياع السوداني أو شخصية بديلة، من خارج التوافقات التقليدية داخل التحالف.
وبحسب النائب الشيعي السابق، فإن هذا المسار يُراد له أن "يكون مدعوماً بمحاولة سياسية لتوسيع هامش الشرعية أو تأمين غطاء رمزي، عبر إعادة طرح خيار الاستفتاء على مرجعية النجف، رغم أن تجارب سابقة مشابهة لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة".
كما يجري الحديث عن احتمال الاستناد إلى رأي زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في محاولة لإضفاء بعد سياسي أوسع على القرار، بما قد يساهم في تمديد مهلة الـ15 يوماً الدستورية المخصصة لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بعد انتخاب رئيس الجمهورية.
غير أن هذا السيناريو، وفق قراءته، لا يُنظر إليه داخل بعض أروقة «الإطار» بوصفه مجرد خيار تفاوضي، بل كـ«مغامرة» قد تهدد تماسك التحالف الشيعي ذاته، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيله من الداخل.
ويذهب هذا التوصيف إلى أبعد من ذلك، إذ يعتبر بعض خصومه أن هذا المسار لا يهدد فقط التوازنات السياسية، بل قد يُقرأ أيضاً كـ«قطيعة» مع الإرث السياسي المرتبط بالمرشد الإيراني، ولا سيما ما يُنسب إلى رسائل صدرت مؤخراً عن طهران، تتحدث عن دعم اتجاهات بعينها في داخل «الإطار»، وفي مقدمتها ترشيح نوري المالكي، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد.
The post «قناعات الإطار» تتبدّل: 4 سيناريوهات لاختيار رئيس الحكومة appeared first on جريدة المدى.





