خطوات عسكرية غير محسوبة اقتصادياً... هل يتراجع ترامب كعادته؟
بعد ما سُمّي "يوم التحرير" في عام 2025، بدأت الأسواق تلاحظ نمطاً متكرراً في سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاقتصادية والجيوسياسية، وهو النمط الذي أُطلق عليه اسم
(TACO" (Trump Always Chickens Out"، أي "ترامب يتراجع دائماً في اللحظة الأخيرة".
يقوم هذا النمط على ثلاث مراحل واضحة: تصعيد قوي يتبعه ضغط مالي ثم تراجع أو تهدئة. في المرحلة الأولى، وبعد إعلان ترامب عن رسومٍ جمركية كبيرة، كانت ردة فعل الأسواق عنيفة، ما أدى إلى هبوط الأسواق الأميركية والعالمية وارتفاع عوائد السندات نتيجة مخاوف التضخم واتساع العجز. ومع انتقال الأسواق إلى المرحلة الثانية، بدأ الضغط المالي بالظهور عبر تقلباتٍ في الدولار، وضعفٍ في سوق السندات، وارتفاعٍ واضح في تكلفة التمويل، الأمر الذي أدى إلى تراجع ترامب والتهدئة من خلال تأجيل بعض هذه الرسوم أو تخفيفها والانتقال إلى مرحلةٍ تفاوضية مع الدول المستهدفة. أما المرحلة الثالثة فتتمثل في التراجع أو التهدئة، سواء عبر تأجيل القرارات أو تخفيفها أو الانتقال إلى لغةٍ تفاوضية، وهو ما دفع المستثمرين إلى استنتاج أن العامل المالي، وليس الديبلوماسية، هو ما يجبر الرئيس ترامب على التراجع.
هذا النمط ظهر مجدداً خلال تطورات حرب إيران في 2026، لكن مع مستوىً أعلى من المخاطر. مع اندلاع التوتر، قفزت أسعار النفط بشكل سريع وارتفعت توقعات التضخم، فيما تعرضت السندات الأميركية لضغوط بيعٍ قوية. وعندما تم تأجيل ضرباتٍ أميركية محتملة ضد إيران، تراجع النفط وارتفعت الأسهم فوراً، في إشارةٍ واضحة إلى أن الأسواق أصبحت تتعامل مع التصعيد كأداةٍ تفاوضية موقتة ما لم تتعرض سوق السندات لضغوطٍ حادة. هذا التحول يعكس تغيراً في عقلية المستثمرين، بحيث لم يعد التركيز على الحدث الجيوسياسي نفسه فحسب، بل على ردّ فعل سوق الدين الأميركية حياله.
في هذا السياق، برز عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات كعاملٍ حاسم في تحديد اتجاه الأسواق. هذا العائد لا يؤثر على تكلفة اقتراض الحكومة الأميركية فحسب، بل يمتد تأثيره إلى معدلات الرهن العقاري، وتقييمات الأسهم، واستقرار الدولار، وحتى قدرة تمويل العمليات العسكرية. ومع ارتفاع العائدات، ترتفع تكلفة خدمة الدين وتتفاقم المخاطر المالية، ما يعزز مخاوف الركود التضخمي. وقد ذهب بعض التحليلات إلى حدّ اعتبار أن ارتفاع العوائد أصبح أكثر خطورةً على الأسواق من ارتفاع أسعار النفط نفسه، نظراً الى تأثيره الواسع على النظام المالي العالمي.
آلية عمل نمط TACO أصبحت شبه واضحة: يبدأ التصعيد الجيوسياسي بارتفاع النفط والتضخم، ما يدفع عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات إلى الصعود. هذا الارتفاع يؤدي إلى تشديدٍ مالي ينعكس ضغطاً على الأسهم والاقتصاد، ومن ثم يتولد ضغط سياسي داخلي ينتهي غالباً بمرحلة تهدئةٍ أو تراجع. وقد اعتبر العديد من المتابعين أن اقتراب العائد من مستوى 4.5% يشكل نقطة ضغطٍ حساسة قد تدفع الإدارة الأميركية إلى تخفيف التصعيد لتجنب اضطراباتٍ مالية أوسع.
خلال هذه الحرب، هذا التحول في النظرة لا يقتصر على الولايات المتحدة فحسب، بل يمتدّ إلى الصورة العالمية. فقد تم خفض توقعات النمو ورفع توقعات التضخم على مستوى الاقتصاد العالمي نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما غيّر بشكلٍ ملموس آفاق الاقتصاد خلال 2026. كما أن بياناتٍ حديثة أظهرت تراجع نشاط الأعمال في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى خلال 11 شهراً، مع ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط التضخمية، ما يعكس بداية تأثير العوامل الخارجية على الاقتصاد الحقيقي.
يستند تقييم المخاطر إلى عاملين رئيسيين: الأول أن الأسواق كانت تبالغ في تسعير متانة الاقتصاد الأميركي، بافتراض قدرة الاستهلاك وسوق العمل وأرباح الشركات على دعم النمو رغم ارتفاع أسعار الفائدة، إلا أن هذا الافتراض بدأ يتعرض للاختبار مع مرور الوقت. أما العامل الثاني فيتمثل في استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالعوامل الخارجية، ولاسيما منها التوترات الجيوسياسية والسياسات التجارية، والتي أثّرت بالفعل على النشاط الاقتصادي العالمي ورفعت أسعار النفط بشكلٍ ملحوظ، ما يزيد من الضغوط على النمو.
إحدى الإشكاليات الجوهرية التي تواجه الاقتصاد الأميركي هي أن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة لا يظهر بشكلٍ فوري بل يتأخر زمنياً. خلال الفترة الماضية، ساهمت قوة الاستهلاك وسوق العمل في إخفاء الضغوط الناتجة من ارتفاع أكلاف التمويل، لكن هذا الوضع يصعب استمراره على المدى الطويل. فارتفاع تكلفة التمويل يقلّص شهية التوسع لدى الشركات ويجعل الإنفاق الاستثماري أكثر حذراً، كما يضغط على إنفاق المستهلكين، وخصوصاً على السلع المرتفعة القيمة.

إن أردنا إجمال المؤشرات الأميركية التي قد تدفع ترامب إلى التراجع، فهي:
أولاً: النفط والتضخم – أرقام واضحة
استمرار الحرب مع إيران يعني ارتفاع أسعار النفط، وهذا ينعكس مباشرةً على التضخم في الولايات المتحدة. فكل ارتفاع 10 دولارات في سعر النفط يرفع التضخم الأميركي 0.2 نقطة مئوية، وإذا وصل النفط إلى 100 دولار للبرميل، فيمكن أن يرتفع التضخم إلى أكثر من 3.5%. أسعار البنزين في أميركا ارتفعت بالفعل نحو 33%، وبعض التوقعات يشير إلى أن التضخم قد يصل إلى 4% بسبب صدمة النفط. ماذا يعني ذلك سياسياً؟ إنها المعادلة المؤلمة: التضخم المرتفع= غضب الناخبين= ضغط لإنهاء الحرب بسرعة.
ثانياً: تكلفة الحرب المباشرة على الاقتصاد الأميركي
الحروب الحديثة مكلفة جداً للولايات المتحدة. حربا العراق وأفغانستان كلفتاها أكثر من تريليوني دولار، والتقديرات الحديثة تشير إلى أن العمليات العسكرية يمكن أن تكلف نحو 900 مليون دولار يومياً في المراحل الأولى من أي حربٍ كبيرة. هذا يعني تقريباً: 27 مليار دولار شهرياً، و300 مليار دولار سنوياً إذا استمرت الحرب، وهذا رقم ضخم في وقت يعاني فيه الاقتصاد من عجزٍ مرتفع وديونٍ ضخمة وتباطؤ النمو. لذلك، كلما طالت الحرب، زاد الضغط الداخلي الأميركي لإنهائها.
ثالثاً: تأثير النفط المرتفع على النمو والاقتصاد
ارتفاع النفط لا يرفع التضخم فحسب، بل يبطئ الاقتصاد نفسه. ارتفاع أسعار البنزين يمكن أن يخفض إنفاق المستهلكين بين 50 و150 مليار دولار سنوياً. بمعنى آخر، الناس تدفع أكثر للبنزين، وتتسوق أقل، والشركات تبيع أقل، والاقتصاد يتباطأ، والبطالة قد ترتفع، وهذه أخطر المؤشرات على ترامب قبل الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. لهذا السبب تحديداً، التاريخ يقول: الاقتصاد غالباً هو ما ينهي الحروب، لا المعارك.
الأمر لا يختلف كثيراً في أوروبا، حيث بدأت الصورة تتدهور أيضاً، وخُفّضت توقعات نمو منطقة اليورو لعام 2026 مع رفع توقعات التضخم، نتيجة صدمة أسعار الطاقة وعدم اليقين المرتبط بالأوضاع الجيوسياسية. كما تم تعديل توقعات النمو نزولاً بنحو 0.3 نقطة مئوية لعام 2026، في حين ارتفعت توقعات التضخم بسبب ارتفاع أكلاف الطاقة. هذه التطورات تعكس انتقال الضغوط من الاقتصاد الأميركي إلى الاقتصادات المتقدمة الأخرى، ولاسيما منها تلك المعتمدة على واردات الطاقة.
أما في آسيا، فتبدو الصورة أكثر تبايناً. فالنمو في الصين من المتوقع أن يظل إيجابياً عند نحو 4.5% خلال 2026 مدعوماً بإجراءاتٍ تحفيزية، لكن الطلب المحلي الضعيف وأزمة العقارات لا يزالان يحدّان من قوة التعافي. وفي اليابان، اختار البنك المركزي الإبقاء على أسعار الفائدة من دون تغيير وسط حالة عدم اليقين العالمية، ما يعكس حذراً من تشديد السياسة النقدية في ظل المخاطر الاقتصادية المتزايدة.
لا يزال مسار التضخم يمثل عاملاً محورياً في المشهد الاقتصادي العالمي. فقد أدت التطورات الجيوسياسية إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ما يدعم استمرار الضغوط التضخمية ويقيد قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة. هذا الوضع يخلق ضغطاً مزدوجاً على الاقتصادات الكبرى، بحيث تؤدي الفائدة المرتفعة إلى تباطؤ الطلب، بينما يضعف التضخم القوة الشرائية، وهو ما يزيد احتمالات التباطؤ الاقتصادي.
إذ قد يدفع استمرار ارتفاع المخاطر أو صدور بياناتٍ أضعف إلى موجةٍ جديدة من إعادة التسعير تشمل توقعات الأرباح وتقييمات الأصول وتوزيع رؤوس الأموال.
في المحصلة، يبدو أن القيد الحقيقي على أي تصعيدٍ أميركي في 2026 لم يعد عسكرياً بقدر ما أصبح مالياً. قدرة سوق السندات على تحمّل التضخم والدين أصبحت العامل الفاصل، فيما تحول عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات إلى ما يشبه استفتاءً مالياً فورياً على أي خطوةٍ جيوسياسية. هذا التحول يعكس مرحلةً جديدة في علاقة السياسة بالأسواق، حيث لم تعد القرارات تُقاس بتوازن القوى العسكرية فحسب، بل بمدى تحمّل أسواق الدين العالمية تبعاتها، وهو ما يجعل تحركات العوائد إحدى أهم المؤشرات التي يراقبها المستثمرون عند تقييم مسار الاقتصاد العالمي.





