عامر أبو عرفة
[*] صحفي وأسير محرر
خرجنا من سجون الاحتلال، لكن السجون لم تخرج منا، خرجنا بأجسادنا، عبر الأبواب التي طالما انتظرنا لحظة عبورها، لكن شيئا منا بقي هناك؛ في الزنازين، في الممرات، في أصوات الأبواب الحديدية وهي تُغلق، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يفهمها إلا من عاشها.
نحاول حتى الآن أن نفهم.. كيف مرّ عامان كاملان ونحن مقطوعون عن العالم؟ عامان لم نكن نعرف فيهما كيف يعيش أهلنا، ولا كيف كبر أطفالنا، ولا كم تغيّر العالم من حولنا، عامان توقفت فيهما حياتنا في الخارج، بينما كانت الحياة تمضي دون أن تنتظرنا.
خرجنا، فإذا بنا بحاجة إلى أن نتعلم الحياة من جديد، نحاول استعادة إنسانيتنا التي انتُزعت منا عَنوة، نحاول أن نعتاد الضوء، الشارع، الوجوه، الهاتف، أن نفتح الباب ونخرج دون أن ننتظر التفتيش، وأن ننام دون أن نتوقع اقتحاما مفاجئا، وأن نعيش يوما عاديا دون أن يكون العادي بالنسبة لنا شيئا غريبا.
لكن الأصعب أن السجن لم يكن فقط جدرانا وأسلاكا، كان ألما نفسيا، جسديا، حرمانا، بعدا، انتظارا، وشعورا دائما بأن شيئًا ما يُنتزع منك كل يوم.
ومن أجل ذلك فإن الخروج من السجن لا يعني بالضرورة انتهاء الأسر، هناك أسرٌ آخر يبدأ بعد الحرية؛ أسرُ الذاكرة، وأسرُ الأسئلة التي لا تجد إجابات، وأسرُ السنوات التي لا يمكن استعادتها.
نحاول أن نبقى على قيد الكرامة، كرامة انتهكت في كل شيء، في الجسد، وفي النوم، وفي الطعام، وفي العلاج، وفي أبسط تفاصيل الحياة، كرامة كان الاحتلال يحاول أن يقول لنا كل يوم إنه قادر على كسرها، وكنا نقاوم فقط لأننا نعرف أن الإنسان قد يخسر حريته، لكنه لا يجب أن يخسر نفسه.
لكن هناك سؤالًا آخر يواجهنا بعد الخروج، وربما كان أكثر قسوة من أن نملك له إجابة: كيف أصبحنا بلا راتب؟ كيف أصبح أهلنا بلا معيل؟ كيف يُطلب من أسير خرج بعد عامين من السجن أن يبدأ حياته من الصفر، فيما أسرته التي انتظرته طوال هذه السنوات تواجه هي الأخرى تبعات قرار سياسي لم تختره؟
لم نكن نطلب امتيازا، كنا نريد فقط أن نستعيد الحد الأدنى من الحياة التي توقفت عندما أخذنا الاحتلال إلى سجونه.
لكن يبدو أن هناك قرارا اتُّخذ بأن تُنسى ملفات بأكملها، ملفات الشهداء، والأسرى، والجرحى، أكثر الملفات التصاقا بتاريخ هذا الوطن وتضحياته، وأكثرها حضورا في كل مرحلة من مراحل مقاومته، أصبحت اليوم تبحث عن مكان لها في أولويات الواقع السياسي والاقتصادي.
نحن لا نتحدث عن أرقام، نحن نتحدث عن عائلات، عن أم انتظرت ابنها، عن زوجة حملت مسؤولية بيت كامل وحدها.
عن أطفال كبروا ووالدهم خلف القضبان.
عن أسير خرج من المعتقل وهو يحمل سنوات من عمره على كتفيه، ثم وجد نفسه أمام سؤال بسيط وقاسٍ: كيف سأعيش؟
ربما كان الاحتلال يريد من السجن أن ينهي الإنسان.
لكن المؤلم أن يجد الأسير بعد خروجه أن معركته لم تنتهِ، وأن عليه أن يخوض معركة أخرى كي يستعيد مكانه في الحياة.
نحن لا نبحث عن الشفقة، ولا نريد أن نُعامل كضحايا، نريد فقط أن يُفهم ما حدث لنا، وأن يُعترف بأن عامين أو خمسة او تسعة من العمر لا يمكن اختصارهما في لحظة خروج من بوابة السجن.
خرجنا من السجون، نعم، لكننا ما زلنا نحاول الخروج منها من الداخل، نحاول أن نتصالح مع أنفسنا، مع الوقت الذي ضاع، مع الوجوه التي تغيرت، مع الأطفال الذين كبروا دوننا، ومع عالم تحرك بسرعة فيما كنا نحن نعدّ الأيام خلف القضبان.
وربما لهذا السبب، كلما سألنا أحدهم: كيف حالك بعد الحرية؟
نحتار في الإجابة، لأن الحرية ليست بابا يُفتح، الحرية أن تستعيد إنسانيتك كاملة، أن تستعيد كرامتك، أن تستعيد حقك في الحياة، وأن تجد من يقول لك، بعد كل ما مررت به: لم ننساكم.
لكن الحقيقة التي تؤلمنا أكثر من أي شيء آخر، أننا ما زلنا نبحث عن هذا الشعور، ما زلنا نحاول أن نعرف:
هل تذكرنا الوطن الذي خرجنا من أجله؟
وهل ما زال للأسرى والشهداء والجرحى مكان في ذاكرة هذا الوطن، أم أن علينا، بعد أن خرجنا من سجون الاحتلال، أن نخوض معركة جديدة كي لا نُنسى؟!
The post خرجنا من سجون الاحتلال لكنها لم تخرج منا appeared first on السبيل.




