خدمات مجانية لكن متفاوتة: ما الذي يمكن لعيادات الإقلاع عن التدخين أن تقدمه؟
في الطابق الأول من مركز صحي الجبيهة الشامل، يقف أبو ينال (59 عامًا) قبالة بوابة تحمل لافتة «عيادة الإقلاع عن التدخين». هذه هي المحاولة الثانية لأبو ينال ل وضع حد لمسيرة أربعة عقود قضاها مدخنًا شرهًا، وليكسر سلسلة من العادات التي تترافق فيها السيجارة مع الاستيقاظ من النوم وفنجان القهوة وأوقات الضغط في العمل وأثناء لعب الشدة وغيرها.
أبو ينال هو واحد من آلاف الأردنيين الذين يترددون على عيادات الإقلاع عن التدخين ويبلغ عددهم حوالي 10208 مراجع لعام 2024، بحسب بيانات التقرير الإحصائي السنوي لوزارة الصحة. يتوجه هؤلاء المراجعون إلى شبكة من العيادات المتخصصة داخل مراكز الرعاية الصحية الأولية موزعة في مختلف محافظات المملكة، تقدم خدماتها مجانًا للمواطنين والمقيمين الراغبين في الإقلاع عن التدخين.
إلا أن تجارب المراجعين المتفاوتة في هذه العيادات، وكذلك طبيعة الخدمات المقدمة بدءًا من تقييم حالة المدخن حتى وصف العلاجات الدوائية، تفتح نقاشًا حول ما يمكن لهذه العيادات أن تقدمه، خصوصًا في بلد ترتفع فيها معدلات التدخين إلى 51.6% ويفكر فيه حوالي مليون شخص بالإقلاع عن التدخين سنويًا، بحسب المسح الوطني لانتشار استخدام التبغ بين البالغين في الأردن لعام 2025. فكيف يبدو المشهد في عيادات الإقلاع عن التدخين؟ ولماذا تتفاوت جودة الخدمات فيما بينها؟ وما الذي يمكنها أن تقدمه؟
كيف يبدو المشهد في عيادات الإقلاع عن التدخين؟
بدأ أبو ينال التدخين منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره، حتى صار يستهلك في اليوم الواحد علبةً ونصف على الأقل. وخلال هذه السنوات، مرّ بتجارب كثيرة من محاولات الإقلاع عن التدخين أبرزها بداية عام 2023. حينها، نجح في الامتناع عن التدخين لأربعة أشهر بدافع التعامل مع صعوبات التنفس والنوم الناتجة عن التدخين، لكنه سرعان ما عاد تدريجيًا إلى عادته القديمة مع ضغوط العمل، «صرت أشتاق للسيجارة وكاسة قهوة أول ما أصحى … بلشت بسيجارة ورجعت لباكيتين خلال أسبوع».
هذه المرة، سيبدأ أبو ينال مع منتصف عام 2025 وقف التدخين بجدية أكبر استجابة للضغوطات العائلية محاولًا أن يوقف دوامة بدأت منذ عقود، ولذلك توجه لزيارة عيادة الإقلاع عن التدخين الأقرب عليه في مركز صحي الجبيهة، بعد أن سمع عنها من أحد زملائه في العمل. عيادة الجبيهة هي واحدة من 31 عيادة حكومية للإقلاع عن التدخين أنشأتها وزارة الصحة الأردنية ضمن مراكز الرعاية الصحية الأولية منذ عام 2008 بالتزامن مع توقيع الأردن على الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ في العام نفسه.
يقول مدير مديرية التوعية والإعلام الصحي في وزارة الصحة الدكتور غيث عويس إن الوزارة اعتمدت على معايير مرتبطة بالتوزيع الجغرافي والكثافة السكانية والبنية التحتية الطبية لتوزيع هذه العيادات على مديريات الصحة في الأردن والبالغ عددها 14 مديرية. وبحسبه، فإن هذه العيادات تدار من قبل كادر طبي وفق بروتوكول علاجي يمتد لثلاثة أشهر ويقدم أربعة خدمات بحسب دليل العاملين في عيادات الإقلاع عن التدخين الصادر عن وزارة الصحة الأردنية.
تشمل هذه الخدمات تقديم المشورة التي تعرّف المراجعين بالأعراض الانسحابية للإقلاع عن التدخين وطرق التعامل معها، وتقييم الحالة من خلال استمارة المراجعين، بالإضافة لإجراء اختبار فحص مستوى أول أكسيد الكربون واختبار الاكتئاب، ثم صرف علاجات الإقلاع عن التدخين. تعتبر هذه الخطوات على اختلاف مسمياتها ركيزة البروتوكول العلاجي في مختلف خدمات الإقلاع عن التدخين الحكومية والخاصة والأهلية في الأردن، وتنسجم بدورها مع البروتوكول الدولي لمنظمة الصحة العالمية.
إلا أن التجربة العملية في بعض العيادات الحكومية تظهر استغناءً عن بعض خدمات البروتوكول، وأحيانًا تكثيفًا لها بما يتلاءم مع ما يتوفر من موارد. على سبيل المثال، بدأ أبو ينال زيارة العيادة بتعبئة استمارة التقييم، لكنه لم يخضع لأي من الاختبارات الصحية المذكورة. تقول الطبيبة في عيادة مركز عمان الشامل هديل عبيدات إن الفحص التنفسي يساعد الطبيب على تقدير شدة التدخين ومتابعة تحسن المراجع خلال جلسات العلاج، إلا أن الأطباء في كثير من الأحيان يستغنون عن إجرائه نتيجة ضغوط المراجعين، ويكتفون بما يقدمه المدخنون في الاستبانة حول معدلات تدخينهم.
بالإضافة للاستغناء عن الاختبارات الصحية، يدفع هذا الضغط في إقبال المراجعين الأطباء أحيانًا إلى الاستغناء عن المشورة الفردية وتنظيم الجلسات الجماعية. عندما أنهى أبو ينال ملء الاستمارة، لم يكن لدى الطبيب الوقت الكافي للقائه، وبدلًا من ذلك دعاه إلى الانضمام إلى جلسة جماعية تضم نحو 12 شخصًا، بعضهم كان يحضر لأول مرة فيما كانت غالبيتهم من المراجعين السابقين. ورغم أن عقد الجلسات الجماعية يعتبر جزءًا من الممارسات الصحية التي ترفع معدلات الإقلاع عن التدخين بين المراجعين، إلا أن الأبحاث السريرية تؤكد الحاجة للتواصل المباشر مع المرضى بحسب حالاتهم خصوصًا في المرحلة الأولى من العلاج.
يقول طبيب الأسرة في عيادة الجبيهة إيهاب جرار إن اللقاءات الفردية مهمة لتطوير الخطة العلاجية الملائمة لكل مراجع. أما إذا لجأ إلى الجلسات الجماعية للتعامل مع ضغوط العمل، مثل التوافد المكثف للمراجعين في شهر رمضان، فإنه يحاول تعويض ذلك بمتابعة المرضى لاحقًا عبر التواصل المباشر معهم عند الحاجة. وبالفعل، تابع جرار حالة أبو ينال بشكل منفصل بعد الجلسة الجماعية، ثم استمر الأخير بحضور الجلسات بمعدل جلسة كل أسبوعين، حيث يتبادل المراجعون تجاربهم ومحاولاتهم في الإقلاع عن التدخين.
«كل واحد كان يحكي قصته مع التدخين.. هذا الشي خلّاني أحس إنه في نوع من التحدي بيننا، كأنه في منافسة ومين رح يصمّد للآخر»، يقول أبو ينال واصفًا تجربته في الجلسات الجماعية، حيث يستفيد من الأمثلة العملية التي تطرحها الجلسة حول تغيير العادات السلوكية مثل إدراك المحفزات التي تدفع المراجعين للتدخين ومحاولة تجنبها، أو ربطها بتصرفات بديلة مثل المشي لمدة قصيرة أو شرب الماء أو إجراء تمارين التنفس. لكن خدمات المشورة والإقلاع بما فيها الجلسات الفردية والجماعية وحدها لا تحقق معدلات إقلاع تذكر مقارنة بنسب النجاح عند الجمع بين العلاج الدوائي والدعم السلوكي.
تأتي مرحلة صرف الأدوية بعد الجلسة الأولى من تقييم الحالة، وفيها يقيم الطبيب حاجة المراجع إلى نوع أو أكثر من العلاجات. يقول عويس إن العلاجات التي تقدمها العيادات الحكومية بشكل مجاني تشمل نوعين رئيسيين هما بدائل النيكوتين مثل اللصقات الجلدية والعلكة والأقراص والبخاخ الأنفي وأجهزة الاستنشاق، والأدوية غير النيكوتينية التي تقدم على شكل حبوب، وتؤثر على مستقبلات النيكوتين في الدماغ، إذ تعمل هذه الأدوية على تقليل الرغبة في التدخين والتخفيف من أعراض الانسحاب.
وصف جرار لأبو ينال أحد أنواع الحبوب التي تقلل من الرغبة في التدخين (دواء فارينيكلين) لمدة سبعة أسابيع، وبمعدل علبة لكل أسبوع. وخلالها، شهد أبو ينال تحسنًا كبيرًا في قدرته على الالتزام بالإقلاع عن التدخين. إلا أن نوبات الرغبة الشديدة في التدخين لم تختفِ تمامًا، وهو ما دفعه لتكرار الكورس العلاجي بناءً على توصية الطبيب. غير أن الانقطاعات المتكررة في الدواء، بالإضافة لمنح المراجعين الجدد الأولوية في الحصول عليه، اضطره إلى شراء هذا الدواء من إحدى الصيدليات على نفقته الخاصة.
أنفق أبو ينال 250 دينار على شراء هذا الدواء، وبمعدل 35 دينارًا للعلبة للواحدة، ورغم هذه التكلفة، إلا أنه لم يرغب في أن تشكل هذه الأدوية عائقًا أمام التزامه بالاقلاع بعد أن قطع الشوط الأكبر من الرحلة، خصوصًا وأنه يدرك سهولة العودة التدريجية للتدخين والاستسلام للانتكاسة. تعتبر هديل أن توافر الأدوية يؤثر في قدرة الطبيب على التحكم بنكسات المراجع والتزامه بخطة دقيقة، مشيرة إلى أنه «كثير حالات برجع معهم من أول وجديد، لأنه انقطاع الدواء صار بأكثر فترة حرجة».
في النهاية، تمكن أبو ينال من الإقلاع عن التدخين لستة أشهر كاملة، واحتفل مع أسرته بهذا الإنجاز مؤكدًا التحسن الصحي الذي بدأ يلحظه في أبسط ممارساته اليومية: «النوم وطلوع الدرج والذهاب للسوق». إلا أن هذه التجربة لا تنطبق على فواز (46 عامًا)، والذي تردد على عيادتين للإقلاع عن التدخين في الزرقاء ومرج الحمام دون أن يحالفه الحظ في الحصول على الأدوية خلال مدة علاجه.
كان الطبيب قد وصف لفواز لصقات جلدية وأحد أنواع الحبوب غير النيكوتينية لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر على أن يبدأ تخفيض الجرعة تدريجيًا بعد ذلك. وهو ما انعكس إيجابيًا على محاولات فواز وقف التدخين بعد عشرين سنة من التدخين الشره وبمعدل علبتي دخان على الأقل في اليوم. إلا أن تذبذب تأمين الدواء الثاني بعد حوالي شهر من التزام فواز به أعاده لنقطة الصفر تدريجيًا، قبل أن يفقد الأمل في المحاولة بعد دوامة متكررة من الإقلاع والعودة للتدخين لمدة عامين.
تؤكد الأستاذة المشاركة في كلية الصيدلة في جامعة العلوم والتكنولوجيا سماح شطناوي، أهمية تأمين العلاجات الدوائية في رفع معدلات الإقلاع عن التدخين، مؤكدةً أن تجارب المراجعين ما بين العيادات تتفاوت بشكل كبير نتيجة ضعف قدرة الأطباء على الالتزام بتطبيق البروتوكول كاملًا، فلو كانت العيادات تلتزم بآلية عمل متشابهة بدءًا من المشورة حتى صرف العلاج كاملًا، لما كان لدينا عيادات أنجح من غيرها. بحسبها، فإن تجربة العيادات تحولت إلى مبادرات فردية تعتمد على كفاءة الطبيب وتفرّغه وما يتوفر له من موارد أكثر من الالتزام بالبروتوكول العلاجي كاملًا.
ما التحديات التي تعاني منها هذه العيادات؟
تشير الأدبيات العلمية إلى أن معدلات النجاح الكلي على المدى الطويل (أي بعد سنة على الأقل) في عيادات الإقلاع عن التدخين وعند تطبيق كامل إجراءات البروتوكول التي تجمع ما بين الإرشاد السلوكي والأدوية تتراوح ما بين 30% إلى 50%. تعتبر هذه النسبة متوسطًا شائعًا بين تجارب مختلفة للعيادات في تركيا وإسبانيا وكوريا الجنوبية والسعودية، في حين لا يمكن تجاوز هذه المعدلات بنسب كبيرة، نتيجة اختلاف طبيعة الإدمان بين المراجعين، وشيوع الانتكاس خلال الشهور الستة الأولى، وتفاوت الدافعية بين المرضى وظروفهم الصحية والنفسية.
على الصعيد المحلي، بلغت معدلات النجاح في الإقلاع عن التدخين في الأردن 15% من مجمل المراجعين في عام 2025، بحسب عويس. تفوق هذه النسبة معدلات الإقلاع الوطنية في عام 2022 والتي بلغت 6-9%، إلا أن محاولة رفعها تستلزم معالجة مجموعة من التحديات التي تعاني منها العيادات الحكومية. تبدأ هذه التحديات بانخفاض عدد الكوادر الطبية العاملة في العيادات، وهو ما أشارت له الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التبغ والتدخين 2024-2030 داعية إلى الحاجة لزيادة عدد الكوادر العاملة والذين لا يتجاوز عددهم 60 طبيبًا من أطباء وزارة الصحة، أي بمعدل طبيبين في العيادة الواحدة.
تتولى مديريات وزارة الصحة تعيين الأطباء العاملين في عيادات الإقلاع عن التدخين، وهم بالغالب أطباء يعملون بدوام كامل في المراكز الصحية، يقتطع من دوامهم أيام أو ساعات لتقديمها في هذه العيادات، حيث تعمل معظم العيادات ليوم واحد في الأسبوع فقط بمتوسط ساعات عمل يتراوح ما بين 4-6 ساعات يوميًا. يقول جرار إن نقص الكوادر الطبية في عيادته يجعله يتولى كافة المهام المناطة بخدمات الإقلاع عن التدخين حيث يعمل وحده في عيادة الجبيهة ويستقبل في المتوسط حوالي 80-120 مراجعًا شهريًا (تشمل المراجعين الجدد والمتكررين).
لا يوجد متوسط عالمي ثابت لعدد المختصين اللازم لكل عدد معين من المراجعين في عيادات الإقلاع عن التدخين، حيث تؤكد التوصية العالمية الحاجة لتوزيع الأدوار على فريق متعدد التخصصات من الأطباء والممرضين والمعالجين السلوكيين. تقول شطناوي إن تنوع الكوادر الطبية يمكن من إعطاء المراجعين حقهم بدل تحميل طبيب واحد الضغط كله، وذلك انطلاقًا من أن مشكلة التدخين ليست مشكلة واحدة، بل إدمان تتقاطع فيه عوامل صحية وسلوكية ونفسية، إلا أن التحديات التي تعاني منها الكوادر لا تتوقف عند عددهم فحسب، بل تتوسع لتشمل فرص تأهيلهم وتدريبهم على تقديم خدمات الإقلاع عن التدخين.
بحسب دراسة شاركت شطناوي في إعدادها عام 2025، فإن 28.4% فقط من العاملين في العيادات تلقوا تدريبًا متخصصًا في تقنيات دعم الإقلاع يعقد لمدة خمسة أيام ولمرة واحدة في وزارة الصحة أو مركز الحسين للسرطان. بالنسبة لشطناوي، فإن هذا التدريب مهم حتى يتمكن الأطباء من العمل في هذه العيادات ويمتلكوا المعرفة اللازمة حول الآثار الصحية السلبية للتدخين، وأساليب التواصل مع المدخنين وإقناعهم، والاستخدامات الطبية للأدوية والاختلافات بينها. إلا أنه قلما يحظى هؤلاء الأطباء بفرص تدريبية أخرى تمكّنهم من مواكبة مستجدات الأبحاث والسوق.
تتفاقم التحديات التي تعاني منها العيادات على صعيد الكوادر الطبية عندما تفتقر إلى الأدوية التي يفترض بهم تقديمها. ورغم أن وزارة الصحة قد أكدت لحبر استدامة تأمين هذه العلاجات، إلا أن شهادات متفرقة للمراجعين والأطباء العاملين في هذه العيادات أشارت أن معدلات التزويد ببعض الأدوية متذبذبة. ويرى مصدر مسؤول في القطاع الصحي أن هذه الانقطاعات تعود لسببين[1] أولهما الموازنة المالية المحدودة المخصصة لشراء هذه الأدوية. وثانيًا، لاعتماد وزارة الصحة على نموذج الشراء الموحد الذي تتبعه لتأمين مختلف أنواع العلاجات في المراكز الصحية، ويحتاج لوقت طويل ويرتبط بشكل كبير بالتزام الموردين، مقارنة بقدرة الوزارة على استيراد هذه الأدوية مباشرة.
يقول جرار إن فترات تأجيل تزويد الأدوية قد تمتد لأسابيع، وهو ما يضطره لتأجيل تقديم الأدوية للمراجعين والتركيز على الجلسات الفردية والجماعية. كما يعتبر فواز أن انقطاعات الدواء كانت السبب الرئيسي وراء فشل تجربته في الإقلاع عن التدخين، خصوصًا وأنه توجه للعيادات مدفوعًا بفكرة العلاج المجاني، حيث لا يمكنه تحمل تكلفة هذه الأدوية وهو الذي قرر الإقلاع عن التدخين لأسباب مادية.
هل العيادات هي الحل الوحيد؟
إلى جانب عيادات الإقلاع عن التدخين الحكومية في الأردن، يمكن للمدخنين الحصول على مساعدة عبر مشهد أوسع يشمل عيادات القطاع الخاص والعيادات المتنقلة التي تطلقها أمانة عمان الكبرى، وعيادات الإقلاع عن التدخين في الجامعات الحكومية والخاصة، وعيادات مركز الحسين للسرطان التي تقدم خدماتها بشكل مجاني لمرضى السرطان وبشكل مدفوع للراغبين في الاستفادة من برنامجهم العلاجي.
تعتبر عيادات مركز الحسين للسرطان واحدة من التجارب المحلية الناجحة والتي تصل فيها معدلات الإقلاع عن التدخين إلى 30%. تعزو مديرة مكتب مكافحة السرطان في مركز الحسين للسرطان نور عبيدات ذلك إلى أن الإقلاع في سياق علاج السرطان ليس مجرد نصيحة صحية عامة، بل جزء من الخطة العلاجية نفسها، فاستمرار المريض في التدخين قد يقلل من فعالية الجراحة والعلاج الكيماوي أو الإشعاعي، ويرفع احتمال حدوث مضاعفات أو سرطانات جديدة.
تشير مداخلات متقاطعة للأطباء العاملين في العيادات إلى أن التحديات التي تواجه عيادات الإقلاع عن التدخين الحكومية تحدّ من فاعلية تدخلاتها وإمكانية رفع معدلات الإقلاع عن التدخين فيها، وهو ما يستلزم مراجعة تجربة هذه العيادات وتحسين الخدمات المقدمة فيها. بالنسبة لهم، فإن رفع جودة العيادات ونتائجها يعتمد بشكل كبير على زيادة عدد الكوادر وتأهيلها، وزيادة عدد أيام الدوام لتخفيف الضغط وتمكين استقبال عدد أكبر من المراجعين، بالإضافة لتأمين الأدوية بمختلف أنواعها بشكل مستمر.
بحسب الدراسات، فإن معالجة هذه المشاكل من شأنها أيضًا زيادة معدلات زيارة العيادات والتي لا تتجاوز 3.6% بين المدخنين (الحاليين والسابقين) في الأردن. إلا أن بعض الخبراء يفكرون بخدمات الإقلاع عن التدخين بشكل مختلف، بحيث لا تكون محصورة في هذه العيادات، بل يجري شمولها في التأمين الصحي المدني والخاص. يتعامل هذا المنظور مع الإدمان على النيكوتين بوصفه مرضًا ويلزم الجهات الرسمية بتقديم الاستشارات والادوية مثل أي مراجعة طبية أخرى دون عزل هذه الخدمات عن النظام الصحي بالكامل.
في هذه الحالة، لن تكون وزارة الصحة مضطرة لافتتاح مزيدًا من عيادات الإقلاع عن التدخين في المراكز الصحية كما تشير التصريحات، لأن الوصول لخدمات الإقلاع سيكون ممكنًا لجميع المؤمنين صحيًا. تشير دراسة إلى أن دمج خدمات الإقلاع عن التدخين ضمن التأمين والنظام الصحي تزيد فرص الإقلاع بنسبة 40%، لكن تطبيق ذلك يحتاج لجودة في التنفيذ، في حين تؤكد أبحاث أخرى أن التأمين قد لا يستبدل العيادات بالمجمل، بل يسهل الوصول إليها ويضمن تقديم الخدمات العلاجية والسلوكية اللازمة.
من ناحية أخرى، بدل حصر خدمات الإقلاع عن التدخين بالتأمين، فكّرت بعض الدول في أن ترتكز التجربة على إتاحة الأدوية للجميع. في السعودية وقطر مثلًا، يتاح للمراجعين صرف جميع علاجات الإقلاع عن التدخين بقدر ما يحتاجون بناءً على توصية الطبيب. ورغم أن مجانية الدواء قد لا تضمن زيادة معدلات الإقلاع عن التدخين بشكل مباشر، إلا أنها تساهم في زيادة الإقبال على محاولة الإقلاع وتحسين الوصول إلى العلاج وتعزز الالتزام بالعلاج وتقلل العبء الاقتصادي على المدخنين، وهو ما يرتبط بدوره في زيادة معدلات النجاح.
قد لا تتمكن بعض الدول من تغطية تكاليف هذه الأدوية على حسابها، وفي هذه الحالة توصي منظمة الصحة العالمية باتباع نهج تدريجي في تقديم خدمات الإقلاع عن التدخين. يشمل هذا النهج تقليل تكلفة الأدوية بدل توفيرها مجانًا بشكل كامل وذلك عبر الدعم الجزئي لأسعارها أو إعفائها من الضرائب. كما تشير دراسات أخرى إلى ضرورة استخدام عائدات ضرائب التبغ لتمويل العلاج، بهدف خلق حلقة متكاملة يموّل فيها علاج التدخين نفسه بالاعتماد على الضريبة دون زيادة العبء الاقتصادي على الدول.
علميًا، تتضاعف فرص النجاح في الإقلاع عن التدخين أربع مرات بمجرد الحصول على المساعدة الطبية من المختصين مقارنةً بعدم الحصول على المساعدة. ولذلك، يرى أبو ينال أن تجربة عيادة الجبيهة كانت فارقة في محاولاته المتكررة للإقلاع، مشجعًا جميع زملائه على اللجوء لخدمات العيادات، بل وحتى تجربة عيادة مختلفة لحين تلقي الخدمة المناسبة التي تساعدهم في الإقلاع عن التدخين. أما بالنسبة لفواز، فقد قطع على نفسه وعدًا بالإقلاع عن التدخين مع حلول منتصف هذا العام سواء أكان ذلك بمساعدة العيادات أم بدونها.
-
الهوامش[1] فضّل عدم ذكر اسمه.





