... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
303402 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5488 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

خارج حدود المكونات:الدرس الأرمني في بناء مدنية عراقية

العالم
المدى
2026/05/02 - 21:10 501 مشاهدة

سعد سلوم

في سنوات المدرسة المتوسطة، وقعت بين يدي قصة قصيرة بتوقيع كاتب يُدعى ويليام سارويان، نقلها إلى العربية إدوار الخراط. حينها، لم أكن أعرف من هو سارويان، ولا أين تقع تلك البلاد التي ينحدر منها، لكن كلماته لمست في داخلي وترا لم أفهمه إلا بعد عقود.
اليوم، وأنا أستعيد تلك الذكرى، أدرك أن علاقتي بالعالم الأرمني ربما بدأت من ذلك الانبهار الطفولي بكاتب استطاع أن يحول حكايات الشتات والفقر إلى كوميديا إنسانية مذهلة، حصد عنها لاحقا جائزة الأوسكار عام 1943 عن افضل قصة مقتبسة من روايته (الكوميديا الإنسانية)، كما تعد مسرحيته (وقت حياتك) أول عمل درامي في التاريخ يجمع بين جائزتين كبريين في آن واحد: جائزة بوليتزر وجائزة نقاد الدراما في نيويورك في عام 1940. غير أن الأهم من الجوائز كان موقفه الأخلاقي برفض تسلّم بوليتزر، إيمانا منه بأن الفن أسمى من رعاية المؤسسات التجارية وتدخل الأثرياء. هذا التمرد لم يكن -كما أفهمه الآن- مجرد صرخة فنية، بل كان تجليا مبكرا لتلك الصلابة المتجذرة في الوجدان الأرمني، تلك القوة التي جعلت منه عصيا على المحو، ومنيعا ضد الاستتباع للمؤسسات القائمة.
كبرتُ وكبر معي سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عميق في ألمه: كيف يمكن لشعب أن يظل متمسكا بهويته رغم كل هذا التشتت؟ ووجدت في حكاية الأرمن مرآة تعكس واقعنا العراقي، فهم يعيشون في شتات ممتد حول العالم لأن وطنهم واجه قرونا من الحروب والمذابح، تماما كما تقاسمنا نحن معهم جغرافيا القلق وتاريخ الأزمات.
إن اهتمامي بدراسة القضية الأرمنية، وإشرافي على رسالة جامعية عن الإعتراف بها، كان محاولة لفهم المشتركات بين التجربتين الأرمنية والعراقية. فالمجتمع الأرمني، مثل مجتمعنا العراقي، ضارب في قِدَم الزمان، وبينما كان الأرمن قديما ساحة معركة للأباطرة من الروم والفرس والروس والأتراك، نجد تاريخنا القدري يتشكل اليوم عبر تفاعل القوى ذاتها التي لا تزال تتعاقب على منطقتنا، وكأن التاريخ يعيد تمثيل نفسه بوجوه جديدة.
وما يجعلني أقترب أكثر من التجربة الأرمنية هو ذلك الجرح الذي يمكن أن نسميه (الغربة داخل الوطن) فالعراقي اليوم كثيرا ما يشعر بأنه غريب في بلده، يواجه نخبا سياسية تتاجر بآلامه وتحول التنوع الثقافي إلى بزنس للكراهية. وفي مقابل هذا التفتت، قدم لنا الأرمن نموذجا ملهما في تحويل الصدمة التاريخية إلى قوة صلبة حمتهم من الضياع والاندثار.
لقد لخص سارويان، الذي عانى مرارة اليتم والشتات، سر بقاء الشعوب بمقولته الخالدة: عندما يلتقي أرمنيان في أي مكان في العالم، انظر كيف سيخلقان أرمينيا جديدة. هذه جملة أدبية تمثل دعوة لنا لنؤمن بأن الشعوب العريقة التي تمتلك جذورا حضارية، قادرة على ابتكار وطنها من جديد، مهما بلغت قسوة الدمار أو مرارة الاغتراب.
انطلاقا من هذا الإيمان بقدرة الشعوب على الانبعاث، تركزت دراساتي المتواضعة على الإبادة الأرمنية وتأثيراتها في أعادة تشكيل الوجدان الأرمني في كل مكان. لقد سعيتُ من خلال تتبع آثار هذه الإبادة إلى فهم اللحظات القاسية التي تعود فيها الهوية لتتصدر المشهد تحت ضغط الأحداث الصادمة. وكان هدفي من هذا المسار الأكاديمي، فهم كيف يمكن لأمة أن تحول ألم الضحية إلى قوة أخلاقية تطالب بالعدالة.
وتكتمل صورة هذا النسيج الذي يربطنا، حين نضع أرمينيا والعراق وجها لوجه أمام المرآة لنكتشف أن المقارنة بينهما تصبح غوصٌا عميقا في جينات معاناة تتطابق مساراتها التاريخية والسياسية في محطات كبرى. فبينما كان الأرمن والعراقيون يحاولون ترميم هوياتهم، خاض البلدان معا مخاض الانتقال العسير من الأنظمة الشمولية المركزية التي حاولت صهر المجتمع في قالب واحد سواء تحت عباءة الاتحاد السوفيتي في أرمينيا، أو في العراق في ظل نظام صدام حسين. هذا التحول جاء كولادة قيصرية متعثرة، أنتجت أنظمة هشة تحاول التوفيق بين إرث الاستبداد الثقيل وتطلعات الحرية الوليدة.
وتتجلى أبعاد هذه المقارنة في تلك اللحظة الفارقة من عام 1991، التي رسمت مسارين متناقضين في الشكل ومتشابهين في النتيجة، فبينما كانت أرمينيا تنفض غبار الاتحاد السوفيتي وتستعيد سيادتها لتبدأ فصلاً جديدا من الاستقلال، كان العراق يغرق في نفق اللاتاريخ بفعل حرب الخليج والحصار الخانق الذي فرض عليه عزلة قاسية. ورغم هذا الاختلاف بين ولادة دولة وعزلة أخرى، وجد البلدان نفسيهما يواجهان قدرا جيوساسيا واحدا، كلاهما يقع في منطقة تماس ملتهبة بين جيران أقوياء، حيث تشتعل الصراعات الإقليمية التي لا تهدأ، مما حوّل معركة الحفاظ على كيان الدولة وحماية الهوية إلى تحد يومي مرير.
وفي عمق هذه المرآة التحليلية، يبرز جرح الذاكرة الجريحة كأوضح قاسم مشترك يربط بين جبل أرارات وسهول الرافدين، فأرمينيا تحولت بمرور الزمن إلى نموذج لدولة الذاكرة التي بُنيت حرفياً على أنقاض إبادة عام 1915، وهو شتات يشبه في اتساعه ومرارته الدياسبورا العراقية التي تضخمت في العقود الأخيرة بفعل حروب الاستنزاف. لقد منح هذا الاغتراب لكلا البلدين رئة خارجية قوية، تعيش حنيناً دائما يحاول ربط الهوية بالأرض الأم رغم مسافات المنفى الطويلة. ومع ذلك، تظهر نقطة الافتراق الأهم في كيفية إدارة هذه الذاكرة، فبينما يتحول التاريخ العراقي غالبا إلى مادة للنزاع السجالي وسلاح للإقصاء المتبادل، نجح التاريخ الأرمني في أن يكون هو الغراء الذي يلحم نسيج المجتمع، حيث اتفق الأرمن على قراءة ماضيهم بوضوح، ليصبح الجرح منطلقا للتماسك لا رمادا يعمي العيون عن المستقبل.
وحتى في مقاربة ملف التعددية، نلمس تشابها جوهريا في التحديات رغم التفاوت في الأحجام والمساحات، فأرمينيا، التي تحتضن فسيفساء من الأقليات كالإيزيديين والآشوريين والأكراد، تظل تعددية مجهرية إذا ما قورنت بالتعددية البنيوية والمتجذرة في العراق. ومع ذلك، يبرز الدرس الأرمني بوضوح ليعلمنا أن الدولة يمكن أن تكون وفية لهويتها التاريخية العريقة دون أن تغرق في وحل الصراعات المذهبية، وذلك حين تنجح في جعل التاريخ دافعا للوحدة الوطنية بدلا من تركه يتحول إلى ذريعة للتشظي والمكوناتية الضيقة.
بناء على هذا الاستشراف المقارن، نصل إلى تحليل لكيفية إدارة أرمينيا لملف فصل الكنيسة عن الدولة عبر ما يمكن تسميته بالعلمانية التصالحية. وهي معادلة تقوم على الحياد الدستوري للتشريعات، مع اعتراف معنوي وتاريخي بالدور الاستثنائي للكنيسة كحافظة لبقاء الأمة، دون منحها سلطة تشريعية. ويقدم هذا المسار درسين جوهريين:
يتعلق الدرس الأول ببناء هوية وطنية عابرة للمذاهب والمكوناتية، حيث يكمن السر الأرمني في كيفية تحويل التعددية من أدوات للفرقة إلى تراث وطني مشترك. إن الهدف الذي نحتاجه هو أن يشعر المواطن، بشتى انتماءاته، أن التراث المسيحي أو الإيزيدي أو الصابئي هو جزء أصيل من هويته الشخصية كعراقي، تماما كما يفتخر الأرمني بكنيسته كرمز جامع لوطنه وتاريخه حتى وإن كان علمانيا في قناعاته.
أما الدرس الثاني، فيؤكد على أن الحفاظ على مدنية الدولة هو الضمانة الوحيدة لصيانة الدين نفسه، إذ إن فصل المؤسسة الدينية عن إدارة الدولة في التجربة الأرمنية حمى المقدس من تقلبات السياسة وصراعاتها المادية. وهذا ما يحتاجه الواقع العراقي بشدة لفك الاشتباك بين قدسية الدين في القلوب وبين مدنية الدولة في إدارة شؤون الناس اليومية، مما يضمن كرامة المؤسسة الروحية وكفاءة المؤسسة السياسية في آن واحد.
إن التحدي الأكبر يظل في ترسيخ المواطنة كعلاقة قانونية ووجدانية، فبينما نجحت أرمينيا في جعل الأرمنية هي الرابط الأول والنهائي، لا تزال المكوناتية تتقدم أحيانا على حساب كيان الدولة العراقية. وتخبرنا هذه التجربة في ختامها أن الدولة لا تحتاج لأن تكون معادية للدين لكي تنجح وتزدهر، بل تحتاج فقط لأن تكون مستقلة عنه إداريا وقانونيا، مع بقائه حاضرا كروح تسري في ثقافة المجتمع وهويته العميقة.
وعند التساؤل حول إمكانية تطبيق التجربة الأرمنية في العراق نجد أن الاستنساخ التاريخي مستحيل، والخصوصية المذهبية تجعل الأمر أكثر تعقيدا، لكنها في الوقت ذاته تجعل الاستلهام منها ضرورة ملحة. إن تفكيك هذه التعقيدات يتطلب إدراك الفوارق الجوهرية، ففي أرمينيا، توجد مؤسسة دينية واحدة كبرى تمثل الغالبية، مما سهل التفاهم على حدود الدور السياسي، بينما يواجه العراق تعددية في مراكز القرار الديني والمدارس الفقهية، مما قد يؤدي لتفسير فصل الدين عن الدولة كأداة لإضعاف ثقل مكون لصالح آخر بدلا من كونه تنظيما إداريا شاملا.
ويبرز التحدي الآخر في الانتقال من مفهوم الدولة الراعية لمذهب معين إلى الدولة المحايدة، فالدرس الأرمني يكمن في تحويل الانتماء من الطائفة إلى الأمة، حيث يُترك عبء إدارة الاقتصاد والجيش للتكنوقراط والسياسيين مع الاحتفاظ بالتاريخ الكنسي كروح وطنية، وهو ما تعرقله المحاصصة في العراق التي حولت المؤسسات لغنائم مكوناتية. كما تلعب الجغرافيا السياسية دورا ضاغطً، فأرمينيا المحاطة بخصوم تاريخيين تماسك خلف هوية وطنية جامعة لضمان البقاء، بينما تعزز التدخلات الإقليمية في العراق الهويات الفرعية، مما يستوجب تأميم القرار الديني والسياسي وجعله نابعا من الداخل لنجاح نموذج الحياد الدستوري.
وللاستفادة من هذا الدرس، يمكن رسم خريطة طريق تبدأ بتفعيل المواد الدستورية التي تمنع تكوين الأحزاب على أساس طائفي، واعتبار المقدسات من مراقد وكنائس ومعابد وزقورات إرثا وطنيا عراقيا عابرا للطوائف، وصولا إلى توحيد مناهج التعليم بعيدا عن السجالات المذهبية. إن العراق لا يحتاج إلى علمانية تصادمية، بل إلى مدنية عاقلة تحترم القدسية في النجف وكربلاء والأعظمية والكنائس والمعابد، وتؤمن في الوقت ذاته بأن الخبز والماء والقانون لا مذهب لها.

The post خارج حدود المكونات:الدرس الأرمني في بناء مدنية عراقية appeared first on جريدة المدى.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤