كأس الإمبراطور الجديدة: كيف يعمل إنفانتيـنو على تبييض سمعة ترامـب
المصدر: حبر | Source: حبرفي الخامس من كانون الأول 2025، وفي قاعات «مركز جون إف. كينيدي للفنون الأدائية»، وهو مبنى سيُعاد تسميته بعد أشهر ليحمل اسم دونالد ترامب، أقامت الفيفا قرعة كأس العالم لكرة القدم 2026، وخلال الحفل قدّم رئيسها جياني إنفانتينو لدونالد ترامب جائزة جديدة واستثنائية، وهي «جائزة الفيفا للسلام». كان الحدث مُصممًا ليكون استعراضًا مبهرًا. فقد شاركت عارضة الأزياء الشهيرة هايدي كلوم والممثل كيفن هارت في تقديمه. وحضره أسطورة كرة السلة شاكيل أونيل، ولاعب الهوكي واين غريتزكي، وبطل دوري كرة القدم الأمريكية توم برادي. واختتمت فرقة «ذا فيليدج بيبول» الحفل بأغنية YMCA ، النشيد غير الرسمي لحركة ترامب السياسية. كما حضره رؤساء الدول المضيفة. ومع ذلك، فإن المهمة الأساسية للحفل، وهي تقسيم 48 دولة إلى 12 مجموعة للتنافس في أضخم بطولة لكرة القدم، كانت مجرد حدث جانبي، ضائعة وسط هذا الكم الهائل من الاستعراض.
كان الكأس الذي وضعه إنفانتينو في يد ترامب غريبًا من جميع النواحي الجمالية، فهو مجموعة مبهرجة من أيادٍ نحيلة خشنة، بدت وكأنها تخرج من أعماق الجحيم، ممتدة نحو كرة ذهبية تحوم في الأعلى، وقد أُعلن عن اسمه «جائزة الفيفا للسلام» قبل أسابيع فقط، دون استشارة، ودون معايير، ودون سابقة. ووفقًا لتقرير نشره موقع «ذا أثليتيك»، لم يتم «استشارة مجلس الفيفا ونواب الرئيس أو إشراكهم في إنشاء الجائزة، كما هو معتاد في مثل هذه المبادرات. وعندما راسلت منظمة هيومن رايتس ووتش الفيفا لاحقًا طالبةً معلومات أساسية، عن معايير البحث وعملية الترشيح ولجنة التحكيم، قوبلت بتجاهل تام». كان تبرير إنفانتينو من على المنصة واضحًا في خضوعه. فقد قال للحشد المجتمع: «هذا ما نريده من قائد. نريد أن نعيش في عالم آمن وفي بيئة آمنة. نريد أن نتحد… أنت تستحق بجدارة جائزة الفيفا للسلام الأولى لما قدمته، ولما حققته بطريقتك». فرد ترامب: «إنها حقًا واحدة من أعظم لحظات حياتي».
أدرك إنفانتينو جرح ترامب النرجسي من خسارته لجائزة نوبل للسلام، فأراد أن يعوضه بجائزة للسلام ويكسب من ورائه نفوذًا وقوةً، وهو صنيع كل شخص بلغ مقعد إنفانتينو منذ تأسيس الفيفا. فصورة رئيس الفيفا وهو يقف إلى جانب شخصية ذات نزوعٍ فاشي، مانحًا إياها الشرعية عبر ختم كرة القدم العالمي، بينما تُرتكب الفظائع بعيدًا عن الأنظار هي في الواقع أقدم وأكثر الأمراض المؤسسية استمرارًا في تاريخ كرة القدم. ورغم أن التحالف بين ترامب وإنفانتينو فيه الكثير من الكيمياء الشخصية إلا أنه يعبر عن نزعة هيكلية داخل الفيفا نحو السلطة الاستبدادية، يؤكدها تاريخ الفيفا الطويل في التكيّف مع الفاشيين والمجالس العسكرية والحكام المستبدين.
«غسيل السمعة الرياضي»
قبل الخوض في السجل التاريخي، من الضروري وضع تعريف عملي لمفهوم «غسيل السمعة الرياضي»، لأنه يفسر حيزًا هامًا من العلاقة الملتبسة بين الفيفا والفاشية. فهو مصطلح حديث نسبيًا، إذ صاغته الناشطتان الحقوقيتان غولنارا أخوندوفا وريبيكا فينسنت عام 2015 للتعبير عن مخاوفهما بشأن دورة الألعاب الأوروبية في باكو، أذربيجان. وهو يعني على نحو مختصرٍ كيف يستخدم القادة السياسيون الرياضة لإظهار أهميتهم أو شرعيتهم على الساحة الدولية، بينما يؤججون النزعة الفاشية أو القمعية ويصرفون الانتباه عن المشكلات الاجتماعية المزمنة في الداخل. وتعمل هذه الآلية في آنٍ واحد على الجماهير المحلية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، تُحفز الأحداث الكبرى المشاعر الوطنية وتُرسخ انطباعًا بالكفاءة السياسية. أما على الصعيد الدولي، فتُصلح هذه الأحداث أو تُعيد صياغة السمعة على نحو أفضل لدى الرأي العام الدولي. والأهم من ذلك، أن «غسيل السمعة الرياضي» يتطلب وجود جهات مؤسسية وهيئات مستعدة لمنح الشرعية لمن يسعون لاستخدامها كغطاء سياسي. وفي تاريخ الرياضة الحديثة، لم تلعب أي مؤسسة هذا الدور الداعم بشكل أكثر اتساقًا، أو بتأثير هيكلي أكبر، من الفيفا.
بدأ الاستغلال السياسي لكأس العالم، مع بطولة عام 1934 في إيطاليا. استغل موسوليني هذا الحدث لترسيخ رؤيته الفاشية للعالم، حيث استخدم نفوذه للتأثير على نتيجة البطولة لصالح إيطاليا. وقبل انطلاقها، شيدت إيطاليا ملاعب جديدة، أحدها في تورينو سُمّي على اسم موسوليني نفسه، والآخر في فلورنسا سُمّي على اسم «الشهيد الفاشي جيوفاني بيرتا». كما تم تصوير اللاعبين الإيطاليين، على حد تعبير جهاز الدعاية التابع للنظام، على أنهم «جنود الرياضة»، تجسيدًا لـصورة «الرجل الفاشي الجديد». وضغط وكيل وزارة الدعاية غاليازو تشيانو على الصحافة الإيطالية لوضع كرة القدم على صفحاتها الأولى وكأنها أخبار معارك. لكن أبرز رمزٍ للاستيلاء على البطولة من طرف النظام كان «كأس الدوتشي»، وهي جائزة إضافية استحدثها موسوليني للفائز بالبطولة. ولم يكن دور الفيفا في هذا الاستيلاء سلبيًا. فقد منحت المنظمة البطولة لإيطاليا بقيادة موسوليني وهي على دراية تامة بالسياق السياسي الذي ستُجرى فيه.
لكن دورة كأس العالم التي أُقيمت في الأرجنتين عام 1978، تبدو أقرب مثال تاريخي من حيث البنية لكأس العالم 2026. ففي صيف ذلك العام، وفي ذروة الديكتاتورية اليمينية العسكرية في الأرجنتين، أُقيمت النسخة الحادية عشرة من كأس العالم وسط استنكار واسع النطاق لمنح الشرعية لدولة باتت مسؤولة عن اختفاء نحو 30 ألف شخص. شنّ المجلس العسكري الحاكم، الذي أطاح بحكومة إيزابيل بيرون المنتخبة ديمقراطيًا عام 1976، ما أسماه «حربًا قذرة» ضد من اعتبرهم «مُخربين»، مستخدمًا التعذيب والإخفاء القسري وإلقاء جثث السجناء، أحياءً وأموات، من الطائرات في المحيط الأطلسي. كان الفيفا قد أسند تنظيم البطولة للأرجنتين عام 1966، أي قبل عقد من الانقلاب. لكن جواو هافيلانج، الذي تولى رئاسة الفيفا عام 1974، رفض نقل البطولة إلى أي مكان آخر. في تقرير رسمي للفيفا نُشر عام 1980، وصف هافيلانج «التغيرات السياسية والاقتصادية» التي شهدتها الأرجنتين، وهو تعبير ملطف للانقلاب العنيف، بأنها ضرورية لجعل «تنظيم كأس العالم 1978 ممكنًا». لم يكن قرب ملاعب البطولة من مواقع تعذيب المعتقلين مجرد استعارة. فعلى بُعد 700 متر فقط من ملعب ريفر بليت، حيث فازت الأرجنتين على هولندا في المباراة النهائية، تقع المدرسة العليا للميكانيكا البحرية، حيث تعرض نحو 5000 شخص ممن وُصفوا بـ«المُخربين» لانتهاكات وحشية. كانت حكومة الولايات المتحدة، الداعم الأكبر للنظام العسكري، على دراية تامة بالفظائع. وعلى الرغم من ذلك، حضر وزير الخارجية هنري كيسنجر البطولة كضيف شرف خاص للجنرال خورخه رافائيل فيديلا.
محور «إنفانتينو- ترامب»
انتُخب إنفانتينو رئيسًا للفيفا في شباط 2016 في ظلّ فضيحة فساد هي الأشدّ فتكًا في تاريخ المنظمة. فقد وجّهت وزارة العدل الأمريكية اتهاماتٍ لعشرات المسؤولين في الفيفا، وداهم المدّعون السويسريون مقرّ الفيفا، وأُجبر سيب بلاتر وميشيل بلاتيني على الاستقالة. وصل الرئيس الجديد ببرنامج إصلاحي وشعار انتخابي عنوانه «الارتقاء بكرة القدم» يهدف إلى إعادة هيكلة مؤسسية شاملة، من خلال إعادة تشكيل اللجنة التنفيذية، وتعزيز الشفافية المالية، والأهمّ من ذلك، إعادة توزيع عائدات الفيفا على الاتحادات الأعضاء. وأصبحت عبارة «أموال الفيفا هي أموالكم» حجر الزاوية في ائتلافه. وفي عهده تطورت العوائد المالية للفيفا بشكل كبير، فمن المتوقع أن تُدرّ بطولة كأس العالم 2026 وحدها أكثر من 11 مليار دولار من الإيرادات، وهو مبلغ يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من ستين دولة، بما في ذلك العديد من الدول المشاركة في البطولة. وتأتي هذه الإيرادات المتزايدة جزئيًا من توسيع بطولة كأس العالم لتشمل 48 فريقًا و104 مباريات بدلًا من 32 فريقًا و64 مباراة، مع ما يقابل ذلك من زيادة في عقود البث. وقد أدت إعادة توزيع هذه الإيرادات على الاتحادات الأعضاء إلى خلق نظام لا يجرؤ فيه أحد تقريبًا، داخل الاتحاد، على انتقاد إنفانتينو أو معارضة أسلوبه الاستبدادي في ممارسة السلطة، أي أنه نجح من خلال توزيع الريع في خلق شبكة محسوبية.
يسمح هذا النظام لإنفانتينو بتقرير مصير المنظمة وتوظيفها في علاقته الشخصية، وهو ما يظهر بوضوحٍ في علاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي حضر حفل تنصيبه، وشاركه في الاجتماع الافتتاحي لما يُسمى «مجلس السلام»، حيث ارتدى قبعة كتب عليها «الولايات المتحدة الأمريكية» على غرار شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» ولوّح بقبضته، وزار البيت الأبيض ومنتجع مارالاغو أكثر من أي زعيم عالمي آخر. كما أنشأ مكتبًا للفيفا في نيويورك في برج ترامب، وهو يدفع، حرفيًا، إيجارًا شهريًا لترامب وعائلته. كما حضر مع الرئيس منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي خلال جولة ترامب الخليجية في أيار 2025، ووصل متأخرًا إلى مؤتمر الفيفا في أسونسيون نتيجة لذلك، مما دفع المندوبين الأوروبيين إلى الانسحاب احتجاجًا. وهنا تبدو أوجه التشابه الهيكلية مع علاقة هافيلانج بالمجلس العسكري الأرجنتيني لافتة للنظر. ففي كلتا الحالتين، احتفى رئيس الفيفا علنًا بزعيم استبدادي باعتباره مضيفًا مسؤولًا وضامنًا فعالًا لنجاح البطولة. كما قللت تصريحات رئيس الفيفا صراحةً من شأن الآثار المترتبة على حقوق الإنسان للاتحاد أو تجاهلتها تمامًا. فيما وُضعت المصالح التجارية للفيفا فوق أي اعتبار أخلاقي. إن نطاق ووضوح تسهيلات إنفانتينو أكبر، إن لم يكن أكثر من هافيلانج، لكن هذا يعكس تغيرًا في البيئة الإعلامية، وليس اختلافًا جوهريًا في الموقف المؤسسي.
الوظيفة الهيكلية لـ«الحياد»
لطالما كان ادعاء «الحياد» هو حيلة الفيفا في الدفاع عن نفسها ضد اتهامات التواطؤ السياسي. حيث تنص لوائحها الداخلية على أن «الفيفا تلتزم الحياد في المسائل السياسية والدينية». لكن هذا الحياد القولي ليس إلا شكل خفيّ من أشكال الانحياز الدائم لصالح أصحاب السلطة. فعندما غزت روسيا أوكرانيا عام 2022، تحرك الفيفا بسرعةٍ فائقة، ومنع روسيا من المشاركة في جميع المسابقات في غضون أربعة أيام. وعندما شنت «إسرائيل» حرب الإبادة، تهاونَ الفيفا لسنوات قبل أن يصدر، في أواخر أذار 2026، قراراتٍ اقتصرت على غرامةٍ رمزية. وعندما قُدمت شكاوى من الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بشأن إقامة أنديةٍ إسرائيلية مبارياتٍ في مستوطناتٍ بالضفة الغربية، في انتهاكٍ صريحٍ للوائح الفيفا التي تحظر اللعب على أراضي اتحادٍ عضوٍ آخر دون موافقة، قررت لجنة الحوكمة والتدقيق والامتثال أنه لا داعي لاتخاذ أي إجراء لأن «الوضع القانوني النهائي للضفة الغربية لا يزال مسألةً معقدةً للغاية وغير محسومةٍ بموجب القانون الدولي العام»، وهو حكمٌ يتعارض مع مُقررات المحكمة الجنائية الدولية وإجماع القانون الدولي.
ومع ذلك فإن الفيفا مازال يستند إلى «الحياد» لكي يطلق يد ترامب في استغلال كأس العالم لتبييض سمعته، كرئيس راعٍ للإبادة الجماعية في غزة ومشعل الحروب في إيران والذي يقود حربًا ضد المهاجرين، وكذلك للصمت حول سياسات ترامب لتقييد السفر، والتي لا تستهدف فقط الجماهير بل حتى الحُكام. وهنا يبدو استخدام ترامب لكأس العالم كأداة لتبييض صورته، الاستغلال الأكثر منهجية للأحداث الرياضية الكبرى من قِبل أي رئيس أمريكي سابق. فقد نُقل حفل قرعة الكأس من لاس فيغاس إلى واشنطن العاصمة بتحريض من إنفانتينو، وظهر ترامب في كأس العالم للأندية 2025، حيث أهداه إنفانتينو نسخة طبق الأصل من الكأس وسمح له بالظهور فجأة في صور احتفال الفوز بالبطولة مع نادي تشيلسي لكرة القدم، وحصل على ميدالية الفائز، وإدراج نهائي كأس العالم كحدث أمني وطني خاص، مما وسّع نطاق عمليات إدارة الهجرة والجمارك في المدن المضيفة، فكل هذه ليست حوادث معزولة، بل هي عناصر من بنية متماسكة لتبييض الصور عبر استغلال شعبية البطولة. وبينما كان قادة الفيفا السابقون يُفضّلون إبقاء انسجامهم مع السلطة الاستبدادية سرًا، محافظين على صورة مؤسسية رسمية، جعل إنفانتينو هذا الانسجام استعراضيًا، بل وجعله علامة تجارية شخصية. في المقابل لا يحرك الرجل ساكنًا أمام قرارات الإدارة الأمريكية بفرض حظر سفر بعض مشجعي الدول مثل هايتي وإيران وساحل العاج والسنغال. ومنع حكم صومالي عيّنه الفيفا من دخول الولايات المتحدة. وربما تلخص شهادة رئيسة الاتحاد النرويجي لكرة القدم، ليز كلافينيس، عندما حضرت حفل منح ترامب «جائزة الفيفا للسلام» خطورة هذا المنحى بالقول: «جلست في واشنطن، في غرفة مليئة برؤساء الاتحادات الكروية، وشعرت بأنني رهينة لأمر خاطئ بشكل واضح. شعور بأن الإمبراطور لا يسير عاريًا فحسب، بل إنه يقودنا في اتجاه خطير، وفي الوقت نفسه لا أستطيع إيقافه».
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



