سارة الدنف
أعتقد أن أرحامنا قد سافرت أبعد بكثير ممّا سافر المنطق عبر العصور لتفسيرها. وجدت نفسها تحلّق، وتخنق، و"تهستر"، في الوقت الّذي كانت بالكاد قادرة على تحمّل ولادة أسلاف هذا العالم. ألصقت بها جميع الجرائم، عندما عجز مقترفوها عن البوح بمصدر الدّماء المعروف على أيديهم. وُصِمَت عاراً أزلياً على من يفترض أنّهنّ ملهمات للشّعراء، ووصيّاتٌ على أبواب جنّة، ساجدةٍ تحتهنّ. كثيرٌ من هذه الأمور يبوح بها كتاب "نساء مرضى" unwell women، لالينور كليغور، والذي ألّفته تحديداً لتسرد حكاية "الشّكّ" المتوارث بأوجاع النّساء، وأرجائه لمبالغات متخيَّلة.
حكاية سمجة، وقديمة، "نهل" حبر المعرفة البشريّة منها الكثير. حبر استخدم هو نفسه لوشم صورة سطّرها "أب الطبّ" في كتبه. فأبقراط لم يجد حرجاً بالقول إن المرأة الّتي لم تنجب من حيضها، تمرض أسرع من غيرها. فالرّحم عنده، عضو متمرّد، يحدث المشاغبات، "اذا ما كبتته العذرية"، ويجفّ "إن افتقر للبذرة الذكريّة". تبعه في هذا "الهذيان" أفلاطون، الذي توّج وجهة النّظر تلك في حديثه "تيمايوس"، بأن الرحم كائن حيّ يغضب ويضطرب إذا لم يلبّ نهمه للانجاب، كما أنّه "يسافر" داخل الجسد، ويعيق مجاري التّنفس. ليأتي استنتاج ارياتوس، في القرن الثاني الميلادي، بانّ الرحم هو "حيوان داخل حيوان"، لأنه يتحرّك ذهاباً واياباً. ألم يكن من الأبسط إلصاق هذا التوصيف بما يرونه بـ"أمّ العين" يجوب جسد المرأة ذهاباً واياباً، بدلاً من ترويج التّخيّلات؟
بالرغم من أنّ أي بحث سريع عن "مؤسّس الطبّ النّسائي"، سيرسلنا إلى جيمس ماريون سيمز، الذي قام بتجارب غير أخلاقيّة على أجساد النساء المستعبدات، إلّا أنّ اوّل من كتب عن "الجينيكولوجيا" بشكل يحترم المرأة حقّاً، كان سيروس الإفسسي (القرن الثاني الميلادي)، الذي عرف بمعارضته للنظريات القديمة التي تعيد كلّ أمراض النساء لخلل في الرحم. مع ذلك، ومن دون مفاجآت، الإرث الذكوري هو الذي انتصر حتّى يومنا هذا. فحتّى لو رضيت المرأة بالدور الذي فرضته الطبيعة، لن تنجو من عنف وتحقيرٍ كان آخرها ما قرأنا عنه في مستشفى الشاطبي.
شهاداتٌ كاملة لنساء في مصر عن السخرية منهن أثناء المخاض، أو إجراء تدخلات طبية دون موافقة واضحة، أو تجاهل صراخهن لأن "كل النساء يصرخن"، أو تعنيف لأنّ الطبيب شعر بالانزعاج من الأصوات. حقّاً؟ ما الفكرة خلف كلّ هذا الاستهجان لما تمثّله المرأة؟ ما القصّة خلف كلّ تلك الهمجيّة بالتعامل مع جسد سيق إليهم ليهب الحياة؟ أنا متأكّدة، انّ أولئك هم أنفسهم الذين يرفضون الإجهاض، ويرفعون رايات احترام الوجود، والآيات الدينيّة المماثلة، ليبرّروا آرآهم. كما لو أنّ المرأة يجب أن تبقى لا محالة، أسيرةً لرحمٍ لا يرحمها.
فلا وضعية الولادة مناسبة، ولا الأطّباء يحترمون خصوصيّة الولادة. هذا ولم نتحدّث بعد عن "غرزة الزوج" التي تُفرض -غالباً دون علم المرأة، والّتي يشي اسمها بأهدافها "المعوّجة". الأمر برمّته يكاد يبدو كدرب جلجلة، تسوده "الرهانات" الخاسرة. فمنذ العمليّة الجنسية، تقامر المرأة بلذّة قد لا تنالها، إذ أنه وبحسب الاحصاءات، 15 إلى 20 بالمئة فقط من النساء يصلن إلى النشوة من خلال الإيلاج. وإن أتى الحمل، لن تعتقها الآلآم ، جسديّة كانت أم نفسيّة، اذ تفوق نسبة النساء اللائي يعانين من الألم 75 بالمئة. وفي لحظة الولادة، كأنّ المعاناة الأساسيّة للإنجاب لا تكفِ، يضاف قلق أن تتعثّر بطبيب "من إيّاهم"، قد يحوّل تجربتها حرفياً إلى جحيم.
نساء كوريا الجنوبيّة، لم يفكّرن مرّتين. رأين المشكلة، وقرّرن استئصالها من جذورها. "أربع لاءات": لا مواعدة، لا زواج، لا جنس، لا انجاب، كفيلة بالانسحاب من عقد إذعان، لم يدم عقوداً، بل قرون. حركة بدأت في العام 2010، هدفها واضح: معاقبة الرجال من خلال مقاطعتهم. وقد يكون السؤال عمّا قد يدفع النساء إلى قرار بهذا "التطرّف"، مشروعاً، فالحلول يجب أن تكون عقلانيّة بالدّرجة الأولى. لكن، عندما نشهد على "أوهام" تحكّمت بمصائرهن منذ الأزل، ألا يسعنا أن نلتمس ولو عذراً مخفّفاً لردّة الفعل تلك؟ فإن لم يكن العنف التوليدي سبباً "مخيفاً" كفاية وفظّاً إلى حدّ يحعل النساء يعتكفن عن الانجاب إلى حين تغيير الواقع، ما الذي قد يدفعهنّ إذاً؟ فالتاريخ نظير الحاضر، يحمل نفس النظرة القاتمة، والتي لن تتغيّر إن لم يتغيّر شيء في القواعد.
أمام غياب آذانٍ تنصت للمنطق، وفي ظلّ قوانين "يُقاضيها" العيب، قبل أن تحكم على الجاني، ألا تلفي الوقاية خيراً من المخاطرة ؟ علّ العنوان يضحي "حياة داخل الحياة"، والرحم رحمة، لا مواجهة.





