حين يصبح الأسر حُكما بالموت: يوم الأسير الفلسطيني في عام الانكسار الكبير
ليس يوم السابع عشر من نيسان هذا العام مناسبة عابرة تُرفع فيها الشعارات وتُلقى فيها الخطب، بل هو لحظة مواجهة قاسية مع الحقيقة.. الأسرى الفلسطينيون اليوم يقفون على حافة الموت، لا مجازا بل واقعا، بعد أن تحولت السجون إلى ساحات انتقام مفتوحة، وتحول القانون إلى أداة قتل مُشرعة.. لم يعد الحديث عن “معاناة الأسرى” كافيا، لأن ما يجري تجاوز المعاناة إلى محاولة تصفية منظمة للوجود الإنساني داخل الزنازين.
هذا العام مختلف.. مختلف إلى حد الصدمة.. فأمام أعين العالم، جرى إقرار قانون إعدام الأسرى، وكأن الاحتلال لم يكتفي بما راكمه من قتل ميداني، بل قرر أن يُضفي على الموت طابعا قانونيا، وأن يحوّل القضاء إلى منصة إعدام بدم بارد.. هنا، لا نتحدث عن قانون عابر، بل عن إعلان صريح بأن الأسير الفلسطيني لم يعد يُنظر إليه كأسير حرب أو معتقل سياسي، بل كهدف يجب إنهاؤه.
لكن الأخطر من القانون نفسه، هو ما سبقه وما رافقه.. سياسة التنكيل بالأسرى بلغت مستويات غير مسبوقة.. إذلال يومي، تجويع متعمد، إهمال طبي قاتل، عزل انفرادي طويل، اقتحامات متكررة، وضرب ممنهج. كل ذلك يجري ضمن سياسة واضحة هدفها كسر الإنسان من الداخل، أو دفعه نحو الموت البطيء.. لم تعد السجون مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت إلى مختبرات لتعذيب الجسد والروح.
وما يضاعف حجم الكارثة هو الارتفاع الملحوظ في عدد شهداء الحركة الأسيرة.. شهداء لا يسقطون في لحظة مواجهة، بل يُقتلون على مراحل.. بحبة دواء مفقودة، بوجبة طعام ناقصة، بليلة برد في زنزانة بلا غطاء، أو بضربة مبرحة داخل الزنازين.. هؤلاء لا يُعلن عنهم كضحايا جريمة، بل كأرقام تُضاف بصمت إلى سجل طويل من الإهمال المقصود.
في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إيلاما:
كيف وصلنا إلى هنا؟
كيف أصبح الأسير الفلسطيني، الذي كان رمزا للنضال والصمود، عرضة لهذا الحجم من الاستباحة دون رد فعل يوازي حجم الخطر؟
المؤلم أن الصدمة ليست فقط فيما يفعله الاحتلال، بل في حالة العجز التي تحيط بالقضية.
الصمت الرسمي، التراجع الشعبي، والانشغال بأزمات داخلية، كلها عوامل ساهمت في خلق بيئة سمحت بتمرير هذا الانحدار الخطير.. لم يعد الأسرى أولوية كما كانوا، ولم تعد قضيتهم في صدارة المشهد كما ينبغي.. وهذا بالضبط ما راهن عليه الاحتلال.. أن يتحول الأسرى من قضية جامعة إلى ملف هامشي.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، حتى لو كانت قاسية، هي أن استمرار هذا الواقع يعني شيئا واحدا.. نحن أمام مرحلة تصفية تدريجية للحركة الأسيرة. قانون الإعدام ليس سوى البداية.. فحين يُشرّع القتل، يصبح كل شيء ممكنا.. وحين يُكسر الخط الأحمر، لن يكون هناك سقف لما يمكن أن يحدث لاحقا.
في يوم الأسير الفلسطيني، لا يكفي أن نُحيّي الأسرى أو نستذكر تضحياتهم.. هذا العام، المطلوب مختلف تماما.. المطلوب هو إعادة تعريف العلاقة مع هذه القضية. أن نخرج من دائرة التعاطف إلى دائرة الفعل، ومن حالة التلقي إلى حالة المبادرة.. الأسرى لا يحتاجون كلمات، بل مواقف.. لا يحتاجون بيانات، بل ضغطا حقيقيا.. لا يحتاجون مناسبات سنوية، بل حضورا دائما في كل ساحة، وعلى كل مستوى.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نتعامل مع هذا الواقع كأمر اعتيادي.. أن نعتاد على أخبار استشهاد الأسرى، أو على مشاهد التنكيل، أو على تشريعات القتل.. لأن الاعتياد هنا ليس مجرد حالة نفسية، بل هو شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر.
في المقابل، لا يزال لدى الشعب الفلسطيني القدرة على قلب المعادلة، إذا ما قرر أن يعيد الأسرى إلى موقعهم الطبيعي كقضية مركزية..
التاريخ يشهد أن الحركة الأسيرة لم تكن يوما وحدها، بل كانت دائما محاطة بعمق شعبي يحميها ويمنحها القوة.. لكن هذا العمق بحاجة اليوم إلى استعادة نفسه، وإلى أن يخرج من حالة التراجع.
ختاما.. يأتي يوم الأسير الفلسطيني هذا العام كجرس إنذار مدوٍ، لا يقبل التأجيل ولا المجاملة.. إما أن نرتقي إلى مستوى التحدي، أو نكون شهودا على واحدة من أخطر مراحل الانهيار في هذه القضية.. الأسرى اليوم لا يُقتلون فقط خلف القضبان، بل يُختبر معناهم في ضمائرنا.. فإما أن يبقوا رمزا حيا للنضال، أو يتحولوا - لا قدر الله - إلى ذكرى مؤلمة نندم عليها حين لا ينفع الندم...
وفي هذه اللحظة تحديدا،
لا شيء أخطر من أن نتأخر.





