حين يحرق «كومودوس» روما هرباً من مرآة «ماكسيموس»!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
محمد ناصر العطوان حين تنطفئ أضواء قاعة العرض، وتتلاشى هموم اليوم العادية في زحام مقاعد سينما «ويرهاوس»، يجد المرء نفسه –بفطرته كـ «صعلوك» يتأمل مفارقات الحياة بصمت– أمام الشاشة الفضية، لا ليبحث عن التسلية البصرية المعتادة، بل ليبحث عن مرآة ضخمة تعكس تشوهاتنا البشرية المعقدة... ولعل أعقد هذه التشوهات على الإطلاق، هو ما يفعله «الغضب الناجم عن الفشل». الفشل يا سادة، حين لا يتم استيعابه بشجاعة، لا يتحول إلى حزن، بل يتحول إلى «غضب سام»، وهذا الغضب عزيزي القارئ لا يكتفي بتدمير صاحبه، بل يخرج ليعيد هندسة العلاقات بين البشر، ويشوه التصورات، ويقلب الموازين، لسبب نفسي بسيط وهو أن الفاشل لا يطيق رؤية الناجح، لأن كل نجاح يحققه الآخر، هو بمثابة صفعة تذكره بعجزه ونقصه. ولكي نفهم هذه «الكيمياء» المدمرة أو ما يمكن تسميتها كيمياء «الغل» البشري، لا يوجد مختبر درامي أعظم من الجزء الأول من التحفة السينمائية «المصارع» (Gladiator) للمخرج ريدلي سكوت. ففي قلب الإمبراطورية الرومانية، يقف «كومودوس»، ابن الإمبراطور والفيلسوف ماركوس أوريليوس... بحسابات الورق والأختام، كومودوس، يملك كل شيء بدءاً من الثروة، والعرش المنتظر، وانتهاءاً بالأناقة والقوة الجسدية... لكنه في الحقيقة يفتقد للشيء الوحيد الذي كان يتسوله طيلة حياته وهو رضا أبيه وإعجابه. كومودوس، كان «فاشلاً» بمقاييس الفضيلة الرومانية؛ كان ضعيفاً، طامعاً، ومفتقراً للشجاعة والحكمة. وفي المقابل، يلمع نجم «ماكسيموس»، قائد جيوش الشمال والجنرال الذي يملك كل ما يفتقده كومودوس... الشجاعة، النبل، الرضا، والأهم من ذلك كله... الحب العميق والثقة المطلقة من ماركوس أوريليوس، الذي رأى في ماكسيموس، الابن الذي تمنى أن ينجبه. غضب كومودوس، هنا لم يكن غضباً سياسياً من منافس، بل كان غضباً «وجودياً» نابعاً من الفشل الذاتي... فنجاحات ماكسيموس، المتتالية في ساحات القتال، وفي ساحات الأخلاق، كانت بمثابة مرآة يومية تعكس قبح كومودوس، وضحالته. هذا الغضب عزيزي القارئ أعاد هندسة وجه «روما» بالكامل، حيث حولها كومودوس، من حلم «الجمهورية الفاضلة» التي أرادها والده، إلى مسلخ دموي تحكمه المكائد والمصارعات الرخيصة لجمهور يرغب أن يشاهد المماليك وهم يموتون ويقتلون وتتم إهانتهم والبصق عليهم... الغضب من الفشل جعل الابن يقتل أباه، ويذبح عائلة منافسه، ويدمر إمبراطورية بأكملها، فقط لكي يكسر تلك «المرآة» التي تفضحه! المخرج العبقري لم يتركنا وحدنا لنستوعب هذا الصراع النفسي المعقد، بل سلم حواسنا لأسطورة الموسيقى التصويرية هانز زيمر، والمغنية ليزا جيرارد، ليترجما هذا الغضب وهذا النبل إلى لغة لا تكذب. أدخل عزيزي القارئ إلى اليوتيوب الآن، واستمع إلى موسيقى الفيلم... ثم عد لإكمال المقال وبصحبتك كوب من الشاي بالنعناع... موسيقى فيلم «المصارع» ليست مجرد إيقاعات حماسية للحرب، بل هي –كما يصفها النقاد– مبنية بالكامل على بنية «السؤال والجواب». إذا أرهفت السمع للمقطوعات الخالدة في الفيلم، ستجد آلة الدودوك (الناي الأرميني) الحزينة تبدأ دائماً بـ «سؤال» وجودي موجع ومليء بالشجن وهو لماذا يُعاقب النبل ويُكافأ الغدر؟ أين يذهب هذا الألم البشري؟ ثم تأتي الموسيقى بـ«الجواب»، ولكنه جواب ينقسم إلى شقين، يعكسان هندسة العلاقات المشوهة في الفيلم، الأول هو جواب الغضب من (كومودوس)، حين تتدخل الآلات النحاسية والوتريات العنيفة، لتعلن عن إجابة الحقد الذي يحرق الأرض ومن عليها... أما الشق الثاني فهو جواب السكينة (ماكسيموس) حين ترتفع حنجرة ليزا جيرارد، بصوتها الأثيري العميق، الخالي من الكلمات والممتلئ بالمعاني. هذا الصوت يأتي كجواب يقول إن النجاح الحقيقي لا يكمن في البقاء على قيد الحياة، بل في الحفاظ على شرف الروح حتى لو دُفنت تحت تراب الكولوسيوم. موسيقى الفيلم تخبرنا أن الغضب يصرخ دائماً ليثبت وجوده، بينما النجاح والسلام الداخلي يهمس بهدوء لأنه واثق من نفسه. يا سادة، نحن لا نحتاج للعودة إلى روما القديمة لنرى كيف يعيد الغضب من الفشل تشكيل حياتنا. نحن نرى «كومودوس» كل يوم. نراه في ذلك المدير الفاشل الذي يتفنن في تدمير وتهميش الموظف الناجح والمبتكر، لأن نجاحه يفضحه. ونراه في الصديق الذي يغتاب صديقه لكي يبرر تعثره الشخصي... ونراه في الفنان الذي ينتقد زملاءه دائماً على أعمالهم... ونراه في المجتمعات المتأخرة التي تصب غضبها على كل فكرة تنويرية ناجحة، لكي لا تعترف بفشلها التنموي... إن غضب الفاشلين، حين يمتلك الصوت العالي، قادر على حرق وتخريب كل شيء، تماماً كما أحرق كومودوس حلم روما. ولكن، تماماً كما انتهى الفيلم، يبقى أثر «ماكسيموس» خالداً، وتبقى موسيقاه تتردد في الآفاق، بينما يُنسى غضب الفاشلين في مزبلة التاريخ، بمجرد أن تنطفئ الكاميرا... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.



