... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
109929 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8912 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

حين يحارب السجّان الضوء… ويصنعه الأسرى من الفتات

السبيل
2026/04/05 - 20:29 502 مشاهدة

عامر أبو عرفة

في السجون، لا يبدأ القمع من السلاسل، بل من الضوء، فبعد السابع من أكتوبر، لم يكتفِ السجّان بإغلاق الأبواب، بل شرع في إطفاء كل ما يمكن أن يُبقي الروح يقِظة؛ كأن المعركة لم تعد على الجسد، بل على المعنى نفسه.

أرادها السجان عتمة كاملة، عتمة تُشبه قبرا مؤجلا، يُدفن فيه الأسير واقفا، يتنفس.. لكنه يتلاشى.
وهنا لا يُصادر الشيء لذاته، بل لما يحمله من حياة، التلفاز ليس شاشة.. بل نافذة، والمذياع ليس صوتا.. بل خيط يصل الداخل بالخارج، والساعة ليست عقارب.. بل إيقاع يوم يحفظ توازن الروح.

وحسب معتقد السجان كان لا بد أن تختفي كلها، أن يُعاد تشكيل الزمن داخل الزنزانة ككتلة صمّاء، بلا بداية ولا نهاية، ثم امتدّت اليد إلى ما هو أعمق، إلى القلم.. لأن الكتابة ذاكرة، وإلى الدفتر..لأن الورق وطنٌ صغير، وإلى الكتاب.. لأن المعرفة بابٌ لا يُغلق.

حتى أوراق مواقيت الصلاة لم تنجُ، وكأن المطلوب أن يتيه الأسير عن الوقت، وعن القبلة، وعن نفسه، وفي ذروة هذا العبث المنظّم، أصبحت الملعقة تُخفى كما تُخفى الخناجر، قطعة معدن صغيرة، لكنها في عين السجّان مشروع حياة، وكل ما يُشبه الحياة يجب أن يُراقب، يُقيّد، أو يُصادر.

ثم جاءت “السبحة”
تلك الحبات الصغيرة التي تتسلل بين الأصابع كالماء، وتعيد ترتيب الفوضى في القلب، فجأة، تحولت إلى تهمة، إلى خطر أمني، إلى سببٍ لاقتحام غرفة كاملة، بقنابل صوت وصراخ وخوذ ودروع وضؤب واعتداء، كل هذا بحثل عن خيط من ذكر.

المشهد عبثيٌ حدّ الفضيحة: جنودٌ مدججون بالخوف، يفتشون عن طمأنينة، لكن السجّان، وهو يطارد الأشياء، كان يغفل عن الفكرة، والفكرة، بطبيعتها، لا تُصادر، حين اختفت السبح، عاد الأسرى إلى ما يشبه الحيلة الأولى للإنسان: صنعوا الضوء من أبسط ما تبقّى، من عجم الزيتون.

حبّاتٌ تُنزع من قسوتها، تُحفّ، تُثقب، وتُرتّب كأنها كواكب صغيرة في فلك كفٍّ متعبة، في قلب الزنزانة، وُلدت سبحاتٌ تحمل أسماء الأمهات، وحنين الزوجات، وضحكات الأطفال، كأن كل حبّةٍ تختصر عالما.

لكن حتى هذه الكواكب الصغيرة أُعلنت خارجةً على القانون، أصبحت جريمة تُداهم بسببها الغرف، ويُعاقَب بسببها الجميع.

دورياتٌ تمر كل ربع ساعة، كأنها عقارب ساعة مشوهة، لا تقيس الزمن بل تقيس القلق، عيونٌ تتلصص من خلف النوافذ، تبحث عن أسيرٍ يهمس بذكرٍ خافت، لتصادره.

حتى الزيتون نفسه حُوصر…
كأن الشجرة التي علّمت الناس الصبر، أصبحت خطرا، لكن من يعرف الأسرى، يعرف أن الحكاية لا تنتهي عند المنع، بل تبدأ منه.
حين مُنع الزيتون، صار الخبز سبحة، نعم.. شرائح الخبز المعدودة والتي تؤكل على قِلّتها، تحوّلت إلى وسيلة ذكر، تُعجن، تشكّل، تجفّف… لتصبح خيطا من صبرٍ يُعدّ عليه الأسير أسماء الله، وكأنه يقول: الجوع لا يمنع الذكر..بل يصفّيه.

ومن المشاهد التي لن أنساها أبداً، تلك اللحظة التي وقف فيها السجّان حائراً، يائساً، مهزوماً أمامنا؛ حين صنعنا من حبالٍ بالية سبحةً نصوغ بها صبرنا، ونوقد بها إيماننا، ونشدّ بها عزيمةً لا تلين.
حملناها معنا في “العدد”، فوقف الضابط ومن معه من فريق الذلّ مذهولين: ماذا يفعلون؟ أَيُصادرون هذه الحبال البالية؟ لحظة صمتٍ قصيرة كانت كافية… ثم جرّوا أذيال الخيبة، وأكملوا عدّهم يجرون خيبتهم معهم.

وحين ضاق الخبز، اتسعت الحيلة، معجون الأسنان صار مادة خلق، الكرتون صار حياةً أخرى، الخيوط الصغيرة التي تنسل من ابسط الأشياء تحولت إلى أدوات بقاء.

كل شيء يُسلب، يُعاد اختراعه، كل بابٍ يُغلق، يُفتح منه اثنان.
حتى الشطرنج، تلك اللعبة التي تُعلّم الصبر والمناورة، لم تسلم، لكنها عادت إلى الحياة بين أيديهم، بقطعٍ مصنوعةٍ يدويا، فيها من الجمال ما يجعلها تستحق أن تُعرض في الضوء.. لا أن تُخفى في العتمة.

تُصادر… فيصنعون غيرها، تُكسر… فيعيدون تشكيلها، الأكياس مُنعت…فصار الكرتون حبلا، ورسالة، وورق لعب، وسبحة جديدة، كل شيء يتحول… لأنهم قرروا ألّا يتحولوا.

وفي لحظةٍ انكشاف نادرة، حكّ أحد الضباط رأسه، وقال بغيظٍ لا يخلو من دهشة: “شو انتو عاملين؟ مصنع؟ ما بتزهقوا؟”
السؤال كان بسيطا… لكنه ساذج، لأن من يصنع الحياة من العدم… لا يمل، الجواب لم يُقل بصوتٍ عالٍ، لكنه كان مكتوبا في كل سبحةٍ خُبّئت، في كل قطعة شطرنجٍ صُنعت، في كل فكرةٍ وُلدت تحت الحصار: لن نمل… حتى تملّوا.

في مدرسة يوسف، لا تكون المعركة بين سجّانٍ وأسير،
بل بين إرادةٍ تحاول الإطفاء… وروحٍ تُتقن الاشتعال.
والنتيجة، مهما طال الزمن، معروفة: الضوء، حتى لو صُنع من فتات، يبقى أقوى من عتمةٍ كاملة.

The post حين يحارب السجّان الضوء… ويصنعه الأسرى من الفتات appeared first on السبيل.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤