... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
121024 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9604 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

حين يفقد التقييم معناه: لحظة القرار في لبنان في عصر الذكاء الاصطناعي

العالم
النهار العربي
2026/04/07 - 04:33 502 مشاهدة
د. انور كوثراني

في الصفوف الدراسية اللبنانية اليوم، يحدث تحول صامت بالفعل، لم يعد الطلاب يكتبون وحدهم.

ببضعة توجيهات فقط، بات بإمكان الذكاء الاصطناعي إنتاج مقالات، وحل مسائل معقدة، وبناء حججٍ مترابطة خلال ثوانٍ. ما كان يتطلب ساعاتٍ من الجهد، يمكن إنجازه اليوم في لحظات. ومع ذلك، لا تزال أساليب التقييم في العديد من المدارس والجامعات على حالها، قائمةً على امتحاناتٍ وواجبات كتابية صُممت لزمنٍ مختلف.

لم يعد الأمر مسألةً تكنولوجية فحسب، بل أصبح مسألةً تربوية بامتياز.
تشير البيانات العالمية إلى حجم هذا التحول، إذ يستخدم أكثر من 70% من طلاب الجامعات أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالهم الأكاديمية، فيما تسجل المؤسسات ارتفاعًا يصل إلى 40% في الأعمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. أما في لبنان، حيث يواجه الطلاب ضغوطاً اقتصادية، وموارد محدودة، وتفاوتاً في الوصول إلى الأدوات الرقمية، فإن الصورة أكثر تعقيداً. فبينما يمتلك بعض الطلاب وصولًا كاملاً إلى أحدث التقنيات، يعاني آخرون من ضعف الاتصال بالإنترنت. وفي المقابل، تجد الجامعات نفسها مطالبةً بمواكبة تحولٍ لم تكن مهيأةً له.

في ظل هذه المعطيات، يبرز سؤال جوهري:
 هل ما زلنا نقيس التعلم، أم نقيس القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا؟
ما أصبح واضحاً بشكلٍ متزايد هو أن التقييم التقليدي فقد يقينيته. فالمقال الجيّد لم يعد دليلاً كافياً على الفهم، والإجابة الصحيحة لم تعد تعني بالضرورة تفكيراً مستقلاً. المسألة لم تعد تتعلق بالنزاهة الأكاديمية فحسب، بل بصدقية نظام التقييم بأكمله.

على مستوى العالم، لم تتجه الجامعات الرائدة إلى مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل إلى إعادة تصميم التقييم على أساسه. التحول هنا عميق ومقصود. لم يعد التركيز على المنتج النهائي، بل على مسار التعلم نفسه، كيف يفكر الطالب، كيف يطرح الأسئلة، كيف يطوّر أفكاره ويعيد بناء معرفته؟ وأصبحت الامتحانات الشفهية، والمشاريع التطبيقية، والمهمات المرتبطة بالواقع، ليست بدائل، بل ضرورات.

في الوقت نفسه، لم يعد الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه كخطرٍ يجب استبعاده، بل كأداةٍ يجب توظيفها بوعي. لم يعد يُطلب من الطلاب استخدامه فحسب، بل تحليل مخرجاته، والتحقّق من دقته، ومساءلة افتراضاته، وإثبات ملكيتهم الحقيقية للتعلم.

ويقدّم نموذج مقياس تقييم الذكاء الاصطناعي (AIAS) إطاراً عملياً لهذا التحول، إذ يحدد مستوياتٍ واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، تبدأ من التقييمات الخاضعة للرقابة دون استخدامه، وصولًا إلى مهمات متقدمة تقوم على الابتكار والتركيب. وتشير نتائج المؤسسات التي اعتمدت هذا النموذج إلى تحسنٍ بنسبة 5.9% في أداء الطلاب، وارتفاعٍ بنسبة 33% في معدلات النجاح، إلى جانب تراجعٍ ملحوظ في حالات سوء السلوك الأكاديمي. هذه النتائج تعكس انتقالاً من ضبط السلوك إلى إعادة تصميم التعلم.

ورغم ذلك، لا يزال الجدل قائماً. فهناك من يرى أن حظر الذكاء الاصطناعي هو السبيل الوحيد للحفاظ على المعايير الأكاديمية. غير أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة التحول القائم. فالذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من بيئات العمل التي يستعد لها الطلاب. واستبعاده من التعليم لا يلغي تأثيره، بل يلغي فرصة توجيهه.

الحل الحقيقي لا يكمن في المنع، بل في إعادة التفكير في التقييم.
في لبنان، بدأت ملامح هذا التحول تظهر، بهدوء ولكن بوضوح. ففي كلية التربية في Lebanese International University، تُبذل محاولات أولية لمواءمة التقييم مع بيئات التعلم المدعومة بالذكاء الاصطناعي، من خلال التركيز على تقييم العمليات وليس فقط النتائج، وتعزيز التفكير النقدي في استخدام هذه الأدوات. ورغم أن هذه الجهود لا تزال في مراحلها الأولى، فإنها تعكس تحولًا لا مفرّ منه.

غير أن هذا التحول له تكلفة. فهو يتطلب تدريباً لأعضاء الهيئة التعليمية، وإعادة تصميمٍ للأنظمة، وتعزيزاً للبنية التحتية الرقمية. وتشير التقديرات الدولية إلى أن تكلفة بناء القدرات قد تراوح بين 150 و300 دولار سنوياً لكل مدرّس، إلى جانب أكلاف ٍتقنية قابلة للتوسع. وفي بلد يعاني من ضغوطٍ اقتصادية، تبدو هذه الأعباء مقلقة.

لكن تكلفة عدم التحرك أكبر بكثير. فمن دون هذا الإصلاح، تفقد العلامات معناها، ويصبح التعلم سطحياً، ويدخل الخريجون إلى سوق العمل وهم غير مستعدين له.

ما نحتاجه اليوم ليس تعديلات تدريجية، بل وضوح في الاتجاه. يجب إعادة تصميم التقييم ليُظهر التعلم الحقيقي، من خلال التفكير، والحوار، والتطبيق. يجب أن تحدد المؤسسات كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي، لا ما إذا كان سيُستخدم. ويجب تمكين المعلمين من تقييم التفكير، لا مجرد النتائج.
لطالما أظهر لبنان قدرةً استثنائية على الصمود في وجه الأزمات. لكن هذه اللحظة تتطلب أكثر من الصمود، تتطلب قيادة.

لقد غيّر الذكاء الاصطناعي بالفعل طريقة إنتاج المعرفة. والسؤال اليوم هو ما إذا كان نظامنا التعليمي سيغيّر طريقة قياس التعلم؟

لم يعد الخطر في التغيير، بل في التأخر عنه. والتأخر، في هذه اللحظة، تكلفة لا يستطيع لبنان تحمّلها.

*عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤