... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
109776 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8898 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

حين تُستدعى مفردات الآخرة إلى السياسة: ماذا يكشف خطاب “الجحيم”؟ #عاجل

سياسة
jo24
2026/04/05 - 20:13 501 مشاهدة

كتب - زياد فرحان المجالي
 
في اللحظات التي يتصاعد فيها التوتر بين الدول، لا تكشف المواقف العسكرية وحدها عن طبيعة المرحلة، بل تكشفها أيضًا اللغة التي يختارها القادة في التعبير عن تهديداتهم وخياراتهم. فالكلمات، في زمن الأزمات، ليست مجرد أدوات بلاغية، بل إشارات إلى طريقة فهم القوة وحدودها، وإلى المسافة بين السياسة بوصفها إدارة للمصالح، والسياسة حين تتحول إلى خطاب متعالٍ يتجاوز حدوده الأخلاقية. ومن هنا تكتسب مفردة مثل "الجحيم” دلالة خاصة حين تدخل القاموس السياسي بوصفها وعيدًا يطلقه رئيس أو زعيم ضد خصم أو دولة أو شعب.

المشكلة هنا لا تتعلق بقسوة العبارة وحدها، بل بالحمولة الرمزية التي تحملها. فالجحيم، في الوعي الديني، ليس مجرد صورة لغوية للتخويف، بل مقام يرتبط بالحساب الإلهي والعدل المطلق. ولهذا فإن استدعاء هذه المفردة في خطاب سياسي يفتح بابًا أوسع من باب الردع التقليدي؛ إذ يوحي، ولو ضمنًا، بأن المتكلم يتحدث من موقع يتجاوز حدود القرار السياسي إلى ما يشبه الادعاء الأخلاقي المطلق. وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة: هل نحن أمام لغة ردع مألوفة في السياسة الدولية؟ أم أمام ميل متكرر لدى بعض القوى الكبرى إلى الكلام بنبرة تقترب رمزيًا من الاستعلاء الذي عرفه التاريخ في صور الطغيان المختلفة؟

في السياق الديني، تبدو الفكرة أكثر حساسية. فالقرآن لا يقدم النار والجحيم بوصفهما مفردتين سائبتين في الحياة العامة، بل بوصفهما جزءًا من عدل إلهي كامل لا يملكه إلا الله سبحانه. لهذا فإن الإشكال في هذا الخطاب لا يكمن فقط في نبرته، بل في معناه الضمني: كأن القوة العسكرية تمنح صاحبها حق التلويح بالمصير، أو حق التحدث بلغة توحي بامتلاك العقاب النهائي. وهذا بالضبط ما يجعل المسألة أعمق من كونها انفعالًا سياسيًا أو استعراضًا إعلاميًا.


وليس هذا النمط جديدًا في التاريخ. فالسلطة حين تتضخم لا تبدأ فقط بتوسيع نفوذها، بل بتوسيع لغتها أيضًا. ويكفي أن نستحضر النماذج التي يقدمها القرآن عن الطغيان حين يخرج عن حدّه. ففرعون لم يكن مجرد حاكم قوي، بل نموذجًا لسلطة بلغ بها الغرور أن قالت: "أنا ربكم الأعلى". وكذلك ذلك الذي حاجّ إبراهيم في ربّه، فقال في لحظة اختزال متعالية للقوة: "أنا أحيي وأميت". وليست الغاية هنا إجراء مقارنة حرفية أو إصدار حكم عقدي على أحد، بل الإشارة إلى قاعدة تاريخية متكررة: حين تفقد السلطة تواضعها، تميل إلى استعارة ما ليس لها، وتتكلم بلسان أكبر من مقامها البشري.

ومن هذه الزاوية، يصبح استخدام كلمة "الجحيم” في السياسة علامة على خلل في تصور القوة نفسها. فالقوة الرشيدة تضبط الصراع وتحمي المصالح وتمنع الانفلات، لكنها لا تؤلّه ذاتها، ولا تتحدث كما لو أنها صاحبة الحكم الأخير على البشر. أما حين تتحول القوة إلى لغة كونية للعقاب، فإنها تكشف عن ميل خطر إلى الخلط بين القدرة العسكرية والحق الأخلاقي، وبين الردع المشروع ووهم التفويض المطلق.

الأخطر من ذلك أن هذه اللغة لا تبقى حبيسة التصريحات. فعندما تصدر عن قادة يملكون أدوات الحرب والحصار والعقوبات، فإن أثرها ينتقل سريعًا إلى الميدان. وهكذا تتحول المفردة إلى مقدمة ذهنية لسياسات أكثر قسوة، وإلى تبرير مسبق لاستهداف أوسع، وإلى مناخ عام يجعل الخراب يبدو امتدادًا منطقيًا للخطاب. وهنا لا تعود المسألة مجرد كلمة قاسية، بل تصبح جزءًا من بنية سياسية ترى في الترويع أداة حكم، وفي الألم الجماعي وسيلة ضغط.

ومن الناحية الإنسانية، يحمل هذا الخطاب مشكلة إضافية. فهو لا يعامل الشعوب بوصفها مجتمعات بشرية لها حق الحياة والأمن، بل بوصفها ساحات عقاب أو مسارح تأديب. ومع تكرار هذا المنطق، يضعف الحس الإنساني في السياسة، ويصبح سهلاً تبرير ما لا ينبغي تبريره، من حصار وتجويع وقصف واستهداف للبنية المدنية، لأن اللغة سبقت الفعل ومهّدت له.

ولهذا فإن أخطر ما في خطاب "الجحيم” ليس أنه يهدد الخصم فقط، بل أنه يكشف وهمًا قديمًا يتكرر عبر التاريخ: وهم الإنسان حين يظن أن القوة تمنحه حق الحكم على المصير، بينما يؤكد القرآن أن الحساب والجزاء من اختصاص الله وحده، وأن البشر، مهما بلغوا، لا يملكون إلا فعلهم لا نهايته. وفي هذه النقطة تحديدًا، يصبح التواضع الأخلاقي شرطًا من شروط السياسة الرشيدة، لا فضيلة إضافية يمكن الاستغناء عنها.

في المحصلة، لا تكمن خطورة هذه اللغة في شدتها اللفظية وحدها، بل في العالم الذي تحمله خلفها: عالم يرى أن امتلاك السلاح يجيز امتلاك المعنى، وأن القدرة على التدمير تمنح حق الحديث باسم العدالة أو العقاب. وبينما يبقى الجحيم، في العقيدة، من أمر الله وحده، يبقى على السياسي أن يتذكر حدوده، لأن أول السقوط يبدأ حين يتكلم الإنسان كما لو أنه أكبر من مقامه، وأقرب إلى تقرير مصائر الناس مما يتيحه له كونه بشرًا محدودًا مهما بلغ من نفوذ وقوة.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤