حين تصبح المشاهدة جريمة.. كيف يقود الاستهلاك الرقمي إلى الاعتقال في الضفة الغربية؟
في مساء الأربعاء 5 مارس/آذار 2025، تلقت سامية “اسم مستعار” اتصالًا يُفيد بوجوب مثولها أمام جهات التحقيق في الثامنة من صباح اليوم التالي، لم تكن مستعدة لهذا الاستدعاء ولم تعرف سببه، وظنّت في البداية أن هناك خطأ في الاسم؛ فهي لم تشارك في أية مظاهرات، ولم تنخرط في أي نشاط سياسي يستلزم التحقيق معها، لتكتشف لاحقًا أن سبب استدعائها يعود إلى منشور واحد على منصة فيسبوك، احتوى على جملة قصيرة: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون»، نشرته بعد استشهاد أحد أقاربها، رغم ذلك، وُجّهت إليها تهم تتعلق بـ«التحريض على العنف»، و«التحريض الرقمي ضد جيش الاحتلال»، و«دعم الإرهاب».
عاشت سامية ساعات صعبة خلال رحلة الاستجواب في أحد مراكز شرطة مستوطنة «أريئيل» بالضفة الغربية المحتلة، لكنها كانت على أمل أن يكون هناك خطأ في الاسم وأن يتم الإفراج عنها، حتى تم نقلها إلى سجن الدامون، وهو أحد السجون التابعة لجيش الاحتلال في حيفا بجبال الكرمل، وهناك تأكدت أنها المطلوبة بالفعل وأن الاسم لم يكن خطأ.
سامية واحدة من بين العشرات في الضفة الغربية المحتلة الذين يتم احتجازهم بتهمة “التحريض الرقمي”، على خلفية المنشورات واستهلاك المحتوى الرقمي عبر الإنترنت.
التحريض الرقمي
تشهد الضفة الغربية المحتلة في الشهور الأخيرة وضعًا أمنيًا وإنسانيًا متدهورًا مع ارتفاع كبير في الإصابات بين المدنيين، والهجمات والهدم والاستيطان والاعتقالات؛ ما يُبقي الوضع الأمني هناك مثيرًا للقلق، بحسب تحذيرات وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة.
كما تشهد الساحة الرقمية الفلسطينية منذ أعوام تصاعدًا ملحوظًا في عمليات الملاحقة والاعتقال من قبل الاحتلال الإسرائيلي، على خلفية ما يُنشر أو يُشارك على منصات التواصل الاجتماعي؛ لا سيما خلال فترات التصعيد العسكري أو السياسي، وتشير المعطيات الحقوقية إلى اتجاه تصاعدي في الاعتقالات المرتبطة بالنشاط الرقمي قبل عام 2023، إلا أن هذا المنحنى شهد ارتفاعًا حادًا خلال وبعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ خصوصًا في الضفة الغربية المحتلة، التي تشهد منذ ذلك الحين موجة واسعة من الاعتقالات.
ويُستخدم مصطلح التحريض الرقمي لوصف منشورات أو تفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي تُفسَّر أمنيًا باعتبارها تشجيعًا أو تبريرًا للعنف، دون اشتراط وجود دعوة مباشرة أو صريحة، وهو ما يجعل التعبير الشخصي والرأي العام، وحتى التفاعل الرمزي عرضة للملاحقة الجنائية.
في السنوات الماضية، تغيّر الإطار القانوني في إسرائيل بشكل واضح ليشمل أدواتٍ أكثرَ صرامة ضد المحتوى الرقمي الفلسطيني، ليس فقط في حال النشر الصريح؛ بل حتى في سياق الاستهلاك أو المتابعة
يقول رئيس “مركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان”، المحامي فؤاد الخُفش لـ”مواطن”: “بعد حرب 7 أكتوبر صار هناك جنون عند الاحتلال؛ حيث بات يلاحق الفلسطيني لأي سبب، وضمن الأسباب الشائعة مؤخرًا، النشاط على مواقع التواصل الاجتماعي دون التفرقة بين رجل أو امرأة أو طفل”.
ويضيف: “بمعنى أدق؛ أي شخص يقوم بنشر أي شيء على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، يعتبره الاحتلال منشورًا تحريضيًا؛ سواء أكان تمجيدًا للمقاومة، أو نعى شهيد، أو وصفًا للأحداث، حتى إذا علّق على أي منشور أو عمل لايك”.
اتساع دائرة الملاحقة الرقمية
في عدد متزايد من القضايا، لم تعد الملاحقة الأمنية مرتبطة بنشر المحتوى فحسب؛ بل بات استهلاك المحتوى وحده؛ من متابعة أو مشاهدة أو تفاعل محدود، سببًا كافيًا للاستدعاء أو الاعتقال؛ ما ينقل الملاحقة من الفعل العلني إلى المجال الشخصي والذهني.
في السنوات الماضية، تغيّر الإطار القانوني في إسرائيل بشكل واضح ليشمل أدواتٍ أكثرَ صرامة ضد المحتوى الرقمي الفلسطيني، ليس فقط في حال النشر الصريح؛ بل حتى في سياق الاستهلاك أو المتابعة؛ حيث صادق الكنيست الإسرائيلي في 8 من نوفمبر/تشرين الثاني 2023 على تعديل رقم (9) لقانون مكافحة الإرهاب؛ فأضاف إلى نصوصه بندًا جديدًا يُجرّم “استهلاك منشورات تنظيمات إرهابية” بشكل منهجي ومتواصل، ويعاقب عليه بالسجن لمدة قد تصل إلى سنة، لا يطلب هذا التعديل من الشخص أن ينشر أو يعيد نشر المحتوى؛ بل يكفي أن يشاهده أو يتابعه بشكل متكرر ليُعدّ ذلك جريمةً في نظر القانون.
تُعد هذه الخطوة توسّعًا غير مسبوق في نطاق التجريم الرقمي، لأنها تضع المشاهد أو المستهلك للمحتوى في مواجهة مسؤولية جنائية، وليس فقط من ينشئ أو يشارك المنشورات.
وبحسب مركز حملة/ المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي؛ فإن هذا النص يُستخدم كأداة لمراقبة النشاط الرقمي العام، ويؤدي إلى تقويض حرية التعبير والخصوصية؛ إذ يمكن تطبيقه على من يشاهد الأخبار أو المحتوى لأغراض معلوماتية أو بحثية دون أية نية واضحة للتحريض أو دعم أعمال عنف.
مواضيع ذات صلة
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور صلاح عبد العاطي، الباحث والناشط الحقوقي وأستاذ العلوم السياسية، لـ”مواطن”، أن السلطات الإسرائيلية لم تعد تكتفي بتجريم النشر؛ بل وسعت دائرة الملاحقة لتشمل استهلاك المحتوى؛ أي القبض على أفراد لم يشاركوا أي منشور على حساباتهم الشخصية، وإنما اكتفوا بمشاهدة مقاطع فيديو أو الانضمام إلى مجموعات تتناول الانتهاكات أو توثقها، مؤكدًا أن هذا التحول من تجريم الفعل الرقمي إلى تجريم الاستهلاك الرقمي، يشكّل خطوة خطيرة نحو رقابة مسبقة شاملة، ويكشف عن نية لإخضاع كل الفضاء الرقمي الفلسطيني تحت مراقبة صارمة، لتقييد أي خطاب نقدي أو حقوقي، بغض النظر عن مدى سلميته أو التزامه بالمعايير الدولية لحرية التعبير.
وأكد أنّ التوثيق الحقوقي يثبت أن هذه الملاحقات تُطبَّق بشكل انتقائي واستهدافي؛ خصوصًا ضد الفلسطينيين أو أي محتوى ينقل رواية حقوقية عن الانتهاكات الإسرائيلية. في المقابل، لا تُطبّق نفس الإجراءات غالبًا على حسابات أو جماعات تنشر خطابًا تحريضيًا أو عنفًا من طرف إسرائيلي؛ ما يعكس ازدواجية معايير صارخة تؤدي إلى تهميش السرديات الفلسطينية وتهديد حرية التعبير بشكل بنيوي.
اعتقال إداري
في فجر الخميس 9 من أبريل/نيسان 2025، اقتحمت قوات جيش الاحتلال منزل الصحفي “سامر خويرة” في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، ضمن حملة اعتقالات واسعة شهدتها المنطقة، وتم احتجازه بموجب أمر اعتقال إداري، دون توجيه اتهامات واضحة أو إحالته إلى محاكمة.
يقول خويرة في حديثه لـ”مواطن”: “تم القبض عليّ ولم أعرف التهمة أو السبب، لم يخبرني أحد بسبب القبض عليّ، ولم يكن هناك تحقيق بالمعنى الحرفي لأنه لا توجد قضية، ولكن خضعت لما يسمى بالاستجواب”.
ويوضح خويرة أن تجربة الاعتقال الإداري تظل غامضة بالكامل؛ إذ لا يعرف المعتقل مدة احتجازه أو التهمة الموجهة إليه، أو موعد الإفراج عنه، مشيرًا إلى أن ما يتم إبلاغ المعتقل به في المحكمة يقتصر على تمديد فترة الاعتقال فقط، مشيرًا إلى أنّ أصعب ما في تجربة الاعتقال الإداري هو عدم إبلاغ المعتقل بالتهمة الموجهة له.
والاعتقال الإداري، بحسب المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين، هو احتجاز دون تهمة أو محاكمة، ويستند إلى ملف وأدلة سرية لا يطّلع عليها المعتقل أو محاميه. ووفق الأوامر العسكرية الإسرائيلية، يمكن تجديد هذا الاعتقال مرات غير محدودة، عبر أوامر لا تتجاوز مدتها ستة أشهر قابلة للتجديد.
وعن طبيعة الاستجواب، يقول خويرة : “دخل الشرطي على صفحتي على فيسبوك وسألني: ليش بتكتب هالأخبار؟ ليش أكتب أن قوات الاحتلال تغتال فلان الفلاني، قلت له: لأني صحفي، قال لي: هذا تحريض ضد دولة إسرائيل. قلت له: أنا ما بحرّض، ولا أقول لأحد يقتل أو يدمر، أنا بكتب أخبار، أنا صحفي بغطي أخبار الضفة الغربية، ما بغطي أخبار السنغال وماليزيا، معجبوش الكلام”.
ويضيف: “طيلة فترة اعتقالي لمدة 9 شهور، كل اللي يدور في بالي: ليش اعتقلوني؟ شو هو سبب الاعتقال؟ ما حدا يجاوبك”.
لا يحتاج الاحتلال إلى نصوص قانونية واضحة لاعتقال الفلسطينيين؛ إذ قد تكفي «لقطة شاشة» كدليل إدانة
وتكشف المعطيات تصاعدًا غير مسبوق في وتيرة الاعتقالات التي تقوم بها قوات الاحتلال منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ فوفقًا لبيانات صادرة عن “نادي الأسير الفلسطيني” وهيئة شؤون الأسرى والمحررين، تجاوزت حصيلة الاعتقالات في الضفة الغربية والقدس الـ 21 ألف حالة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى فبراير/شباط 2026؛ في واحدة من أعلى المعدلات المسجّلة خلال السنوات الأخيرة، وشهدت الضفة الغربية والقدس المحتلة ارتفاعًا حادًا في عدد المعتقلين الإداريين؛ حيث بلغ عددهم أكثر من 3400 معتقل، أي ما يعادل نحو 35% من إجمالي المعتقلين في السجون الإسرائيلية، والبالغ عددهم نحو 9500 معتقل، ويمثل ذلك زيادة كبيرة مقارنة بما كان عليه العدد قبل الحرب؛ إذ لم يتجاوز الاعتقال آنذاك 1300 معتقل إداري، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف العدد السابق.
وفي السياق ذاته، أفاد مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي واصلت تصعيد استخدام الاعتقال الإداري طوال عام 2025؛ حيث أصدرت أكثر من 7715 أمر اعتقال إداري، شملت قراراتٍ جديدة وأوامرَ تمديد، جميعها دون توجيه تهم أو الخضوع لمحاكمات؛ فيما وصفه المركز باستخدام ممنهج للاعتقال الإداري كإحدى أدوات العقاب الجماعي بحق الفلسطينيين.
وفي تعليقه على عمليات الاعتقال التي تشهدها الضفة الغربية على خلفية الاستهلاك الرقمي، قال المحامي فؤاد الخفش: “إن الاحتلال لا يحتاج إلى نصوص قانونية واضحة لاعتقال الفلسطينيين؛ إذ قد تكفي «لقطة شاشة» كدليل إدانة”. وأضاف أنّ غياب تعريف قانوني محدد لما يُسمّى بـ«التحريض» يجعل قرارات الاعتقال خاضعة لتقدير جهاز الشاباك.
وضرب الخُفش مثالًا بآخر حالات الاعتقال، وهي هيام عياش “أم البراء” زوجة الشهيد الفلسطيني يحيى عياش، والتى جرى اعتقالها في فجر الجمعة 9 من يناير/ كانون الثاني 2026 على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة، بتهمة التحريض وتمجيد شخص تعتبره سلطات الاحتلال «قاتلًا»، على خلفية منشور كتبت فيه عن زوجها بعد 30 عامًا من استشهاده، ذكرت فيه محاسنه.
ظروف اعتقال قاسية
استمر استجواب “سامية” صاحبة الـ 39 عامًا لمدة أربع ساعات كاملة في غرفة مغلقة شديدة السوء، بعد أن أجبروها على التفتيش عارية أمام شرطيين وعدد من المجندين، واستمروا خلالها بسبّها والصراخ في وجهها وضربها.
تروي سامية لـ”مواطن” تجربتها قائلة: “قاموا بربط يديّ ورجليّ بسلاسل حديدية، ونقلوني إلى زنزانة مليئة بالحشرات وقذرة الرائحة، وكانت المعاملة سيئة جدًا، كلها صراخ وضرب وسبّ، والزنزانة لا يوجد بها تهوية ولا يدخلها الضوء؛ فما كنت أعرف الليل من النهار، وكل ما أحاول النوم يوقظونني.. قضيت ليلة من أسوأ الليالي”.
وتتابع: “ظللت يومين بلا أكل أو حمام، لأن الحمام عربي مكشوف للجنود، وفيه كاميرات في كل مكان، وبعدها ربطوني وحطّوني في صندوق ميني باص مع أدوات يتم نقلها بين السجون، وأنا ما أقدر أتحرك بسبب الكلبشات والربطة اللي كانت صعبة كتير”.
وعن تجربة الاعتقال في “الدامون”، تقول: “كنا 12 بنتًا في غرفة واحدة، بها 8 أسرّة، وكانوا يفتحون لنا الباب ساعة باليوم، وما فيه أكل؛ فقط وجبات بسيطة لا تكفي، لدرجة أننا كنا نصوم كل يوم لنوفّر كل الأكل لوجبة واحدة، كان ممكن نضل 3 شهور صايمين. للأسف كان الأكل فيه حشرات وريحتها عفنة، وما كان بالإمكان الاعتراض، لأنه لو اعترضنا تأتي اليوم التاني وجبات أسوأ.. أنا دخلت السجن 92 كيلو وخرجت منه 65 كيلو”.
وتضيف: “في منتصف الليل كانوا يخرجوننا مربوطين ومن غير حجاب، لنقف في الساحات تحت المطر، وعيوننا معصوبة. يمشّوكِ وتقعي وما ينبهوكي لوجود سلالم ويضحكوا علينا بعدها. كنا نخاف لدرجة ننام بملابس الصلاة، لأنه في أي وقت يخرجونا للساحات وما يعطونا فرصة نلبس شيء”.
ظنت سامية أن تلك الظروف هي الأسوأ؛ ففي إحدى الليالي الممطرة من شهر يناير/ كانون الثاني 2026، هدأ سجن الدامون بشكل مخيف بعد منتصف الليل، لكنه كان هدوء ما قبل العاصفة؛ حيث فوجئت الأسيرات باقتحام فرقة مكونة من 25 مجندًا ومجندة مسلحين، يرتدون بدلاً زرقاء ومعهم كلاب بوليسية، يسمونها “وحدات القمع”، قاموا بربط الأسيرات وتفتيشهن عاريات بشكل كامل.
تقول سامية عن تلك الليلة: “كانت أسوأ شيء بالنسبة لي، أجبروني على التعري بشكل كامل، حاولت كثيرًا الاحتفاظ بملابسي الداخلية، لكنهم رفضوا خلعت كل شيء وحاولت تغطية صدري بيدي، لكنهم منعوني.. انتهكوا حرمة جسدي لأنني حاولت كتير إن المجندين الرجال ما يشوفوني، لكن كل محاولاتي فشلت، وضلوا يتفرجوا علينا ونحن عاريات نبكي؛ فكان الموضوع كتير صعب عليّ، ضليت 3 أيام بعدها أبكي وفي حالة اكتئاب”.
وتضيف: “قاموا برش الغاز في الغرفة رغم وجود نساء مصابات بالربو، ونساء حوامل ومرضى قلب، وأخذوا كل أدوات النظافة والملابس وزجاجات المياه، ومنعونا بعدها 8 أيام من الخروج من الزنزانة، لدرجة أن بعض البنات أصبن بحساسية من قلة النظافة والتهوية، وبعدها قللوا حصة الأكل، لدرجة أن بعض البنات لم يعد تأتيهن الدورة الشهرية بسبب الجوع والخوف”.
يمثل الاعتقال الإداري أداة "تعذيب نفسي" ممنهجة تتجاوز الأذى الجسدي، لأنها تضرب استقرار الفرد النفسي من خلال سلاح عدم اليقين، كما أن الآثارالنفسية لا تنتهي بمجرد خروج المعتقل؛ بل تمتد لتشكل صدماتٍ عابرةً للأجيال داخل المجتمع الفلسطيني
على الجانب الآخر، عاش الأسير المحرر “سامر خويرة” أيامًا شديدة السوء في سجون الاحتلال، يقول لـ”مواطن”: “بالرغم من أنني صحفي وسمعت كثيرًا عن حالات الاعتقالات والسجن الإداري، إلا أن الواقع أسوأ بكثير. كنا نعيش في عالم منفصل عن الكوكب، وكان الاحتلال ينفذ علينا العقاب الجماعي: لو تكلم واحد منا، يتعرص كل الموجودين للضرب والتعذيب والإهانة. كنا نعاني من قهر الرجال، تخيل تسمع الشتيمة بأذنك وتسكت لتجنب التعذيب؛ خاصة أنه كان معنا كبار في السن”.
ويستكمل: “كان الطعام قليلًا جدًا، خسرت 22 كيلو من وزني، ولا توجد نظافة ولا حمامات أغلب الوقت، كان البرد شديدًا ولا يوجد أغطية، والشبابيك مفتوحة طوال الوقت، والرطوبة عالية، لدرجة أنني أُصبت بمرض جلدي اسمه اسكابيوس، وضليت مريضًا 90 يومًا حتى عرضوني على الطبيب، وبعدها كان العلاج بطيئًا وغير كاف، علبة دواء واحدة”.
ويشير خويرة إلى أن أي معتقل مريض لا يحصل على العلاج إلا من خلال محاكمة، وهو أمر نادر الحدوث في حالات الاعتقال الإداري، لافتًا إلى أن المعتقلين يعيشون، بعد 7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ في السجون أوضاعًا استثنائية من الناحية الصحية والنفسية.
السجن لا ينتهي عند الخروج
لا تتوقف الملاحقة الرقمية ولا تجربة الاعتقال الصعبة عند حدود السجن؛ بل تمتد لتُنتج واقعًا من الخوف الدائم وسجنًا مفتوحًا يرافق الناجين في الضفة الغربية المحتلة بعد الإفراج عنهم.
سامية التي ما زالت خاضعة للمراقبة منذ الإفراج عنها، تعيش في حالة مستمرة من القلق والترقّب؛ توقفت عن النشر، وتجنبت متابعة الأخبار أو التفاعل الرقمي خوفًا من الاستدعاء أو إعادة الاعتقال، ورغم خروجها من السجن، تؤكد أنها ما زالت تعاني من كوابيس متكررة وآثار نفسية وصحية حالت دون قدرتها على العودة إلى حياتها الطبيعية.
هذا الهاجس لا يلاحق سامية وحدها؛ بل يرافق أيضًا الصحفي المحرر سامر خويرة، الذي يرى أن الخوف من إعادة الاعتقال يظل حاضرًا ما دام الاحتلال قائمًا، وأن تجربة السجن لا تنتهي بالخروج منه؛ بل تستمر في الجسد والنفس معًا؛ في ظل آثار صحية ونفسية طويلة الأمد خلّفتها ظروف الاحتجاز القاسية.
وتشير تقارير حقوقية صادرة عن مؤسسات متخصصة، من بينها “مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان”، إلى أن أنماط الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والإهمال الطبي داخل أماكن الاحتجاز، تخلّف آثارًا نفسية وجسدية ممتدة لدى المعتقلين حتى بعد الإفراج عنهم، وتشمل القلق المزمن، واضطرابات النوم، ونوبات الهلع، وصعوبة الاندماج مجددًا في الحياة اليومية.
وقد خلصت دراسة بعنوان الآثار النفسية للاعتقال الإداري على الفلسطينيين إلى أن الاعتقال الإداري يمثل أداة “تعذيب نفسي” ممنهجة تتجاوز الأذى الجسدي، لأنها تضرب استقرار الفرد النفسي من خلال سلاح عدم اليقين، كما أن الآثارالنفسية لا تنتهي بمجرد خروج المعتقل؛ بل تمتد لتشكل صدماتٍ عابرةً للأجيال داخل المجتمع الفلسطيني.
ومن منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان، يؤكد الدكتور صلاح عبد العاطي، أن هذا الواقع يشكل انتهاكًا مزدوجًا: لحرية التعبير الرقمية، وحق الوصول إلى المعلومات، وللخصوصية الفردية، وحق الأفراد في استهلاك المحتوى دون خوف من الملاحقة أو العقاب، كما أن تحوّل السياسات الإسرائيلية من تجريم النشر إلى تجريم الاستهلاك، إلى جانب التطبيق الانتقائي للقوانين، يرسّخ ذلك حصارًا رقميًا ممنهجًا، ويضع المجتمع الدولي وشركات التكنولوجيا أمام مسؤولية مساءلة متزايدة إزاء دورها في إسكات السردية الفلسطينية.
في الضفة الغربية المحتلة، لم يعد الصمت ضمانًا للنجاة؛ فحتى أفكارك ومشاهدتك وكل لمسة شاشة، باتت كافية لفتح أبواب السجن على مصاريعها، وبين من خرجوا من السجن وهم يحملون آثار التجربة في أجسادهم ونفوسهم، ومن ما زالوا محتجزين دون تهمة أو موعد إفراج، تظل تجربة السجن بشكل عام؛ سواء أكان اعتقالًا إداريًا أو على خلفية تهم متعلقة بالتحريض الرقمي، تجربة مؤلمة تحمل آثارًا طويلة الأمد على المعتقلين جسديًا ونفسيًا، سياسة تُنتج معاناة ممتدة لا تتوقف عند القضبان.
The post حين تصبح المشاهدة جريمة.. كيف يقود الاستهلاك الرقمي إلى الاعتقال في الضفة الغربية؟ appeared first on مواطن.



