لم تعد قضية اتحاد يعقوب المنصور مجرد ملف رياضي يتعلق بفريق أخفق في ضمان بقائه ضمن أندية القسم الأول، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص ونزاهة المنافسة في البطولة الاحترافية المغربية.
فالفريق حسم مصيره فوق أرضية الملعب، وأنهى موسم 2025-2026 في المركز الخامس عشر برصيد 30 نقطة، بعدما حقق سبعة انتصارات وتسعة تعادلات وتلقى 14 هزيمة، ليهبط رسميا إلى القسم الوطني الثاني رفقة أولمبيك آسفي.
غير أن نهاية الموسم لم تضع حدا للقضية. فقد برزت مقترحات لرفع عدد أندية القسم الأول، وصلت في بعض الطروحات إلى 18 ثم إلى 20 فريقا، بما كان سيتيح عمليا إنقاذ أندية غادرت القسم الأول بنتائجها، وفي مقدمتها اتحاد يعقوب المنصور. وقد أفادت تقارير صحافية بأن عددا من أندية البطولة تقدم بملتمس لإلغاء النزول ورفع عدد أندية القسم الأول.
المشكلة هنا ليست في مبدأ توسيع البطولة في حد ذاته. فرفع عدد الأندية يمكن أن يكون موضوعا رياضيا وتنظيميا مشروعا إذا تم اتخاذه مسبقا، وبقواعد واضحة، وبعيدا عن نتائج موسم انتهى بالفعل. أما أن يطرح التغيير مباشرة بعد اتضاح هوية النازلين، ثم يصبح أثره العملي هو إنقاذ فريق حسمت المنافسة الرياضية مصيره، فذلك يضع نزاهة البطولة أمام علامة استفهام كبيرة.
وتزداد حساسية القضية لأن رئيس اتحاد يعقوب المنصور هو محمد المهدي بنسعيد، وهو في الوقت نفسه شخصية سياسية ووزير، كما يؤكد الموقع الرسمي للنادي أن بنسعيد يترأس المكتب المديري منذ سنة 2017.
وهنا لا يتعلق الأمر باتهام شخص بعينه بالتدخل أو باستعمال النفوذ، وإنما بالمظهر العام للمسألة. ففي الرياضة الاحترافية لا تكفي سلامة القرار من الناحية الشكلية؛ بل يجب أن تكون القرارات قابلة للدفاع عنها أمام الجمهور والأندية واللاعبين والرأي العام، من دون أن تترك انطباعا بأن القواعد يمكن أن تتغير عندما تقترب من مصالح أصحاب النفوذ.
التاريخ الرياضي المغربي يقدم بدوره سابقة تستحق التأمل. ففي موسم 1985-1986، عرف نظام البطولة قرارا استثنائيا يتعلق بعدم إنزال بعض الأندية، في سياق كان مرتبطا باعتبارات تتجاوز الحساب الرياضي الصرف. ومهما اختلفت الظروف التاريخية والسياسية بين تلك المرحلة واليوم، فإن الدرس الأساسي يبقى واضحا: الحلول الاستثنائية قد تعالج وضعا ظرفيا، لكنها تترك أثرا عميقا على مفهوم المنافسة إذا لم تكن مؤطرة بقواعد عامة ومعلنة تنطبق على الجميع.
فالكرة لا تحتاج إلى حماية الفرق من نتائجها بقدر ما تحتاج إلى حماية المنافسة من الاستثناءات.
اتحاد يعقوب المنصور لم يُقصَ بقرار إداري مفاجئ، ولم يُعاقب خارج أرضية الملعب، بل خاض 30 جولة كاملة، وكانت كل نقطة وكل مباراة وكل نتيجة جزءا من حساب البقاء. وعندما انتهت البطولة، احتل الفريق المركز الخامس عشر وغادر القسم الأول.
إذا جرى بعد ذلك تعديل شكل البطولة بهدف إبقائه ضمن الكبار، فإن الرسالة التي تصل إلى بقية الأندية ستكون خطيرة: يمكن أن تخسر فوق الميدان، ثم تعود إلى القسم الأول بقرار خارج الملعب.
وهذا ينسف جوهر المنافسة.
ماذا سيكون موقف الفريق الذي بذل موسما كاملا من أجل تفادي النزول إذا وجد أن منافسه استفاد في النهاية من تغيير في قواعد اللعبة؟ وماذا سيكون موقف أندية القسم الثاني التي تتنافس من أجل الصعود إذا أصبح بإمكان أندية نازلة أن تحتفظ بمكانها بقرار تنظيمي يأتي بعد نهاية البطولة؟
الأخطر من ذلك أن مثل هذه القرارات تقتل قيمة النقاط والمباريات نفسها. فما معنى أن يدخل فريق مباراة الجولة الأخيرة وهو يعرف أن مركزه قد يقرر مصيره، إذا كان من الممكن لاحقا إعادة صياغة قواعد البطولة بما يغير مآلات الترتيب؟
الاحتراف لا يعني فقط ملاعب أفضل، وبنيات تحتية حديثة، وعقودا للاعبين، ونقلا تلفزيونيا متطورا. الاحتراف يعني قبل كل شيء أن القاعدة معلنة قبل انطلاق المنافسة، وأن الجميع يعرفون شروط الصعود والنزول، وأن النتائج الرياضية لا تصبح قابلة للمراجعة بسبب ضغوط أو توازنات أو اعتبارات لا علاقة لها بما يحدث داخل المستطيل الأخضر.
كما أن المسألة تمس صورة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم نفسها. فالجامعة التي نجحت الكرة المغربية تحت إشرافها في تحقيق حضور قاري ودولي قوي، وتستعد البلاد في ظل منظومة كروية متطورة لاستحقاقات كبرى، تحتاج إلى أن تكون مصداقيتها الداخلية في مستوى صورتها الخارجية.
ولهذا فإن أي قرار يبدو وكأنه صُمم لإنقاذ فريق بعينه لن يضر بصورة اتحاد يعقوب المنصور فقط، بل قد ينعكس على صورة المؤسسة المشرفة على اللعبة برمتها.
وقد حسمت المعطيات الرسمية اللاحقة هذا الجدل عمليا، إذ أعلنت الجامعة أن الموسم الجديد 2026-2027 سيعرف مشاركة 16 فريقا في القسم الأول، ما يعني أن مقترح رفع العدد إلى 20 فريقا لم يُعتمد للموسم الجديد.
لكن انتهاء المقترح لا يعني انتهاء النقاش.
بل إن الدرس الحقيقي يجب أن يكون هو عدم العودة إلى مثل هذه السيناريوهات مستقبلا.
فإذا كان توسيع البطولة ضروريا، فليكن قرارا استراتيجيا يُتخذ قبل انطلاق الموسم، وتُحدد أهدافه الرياضية والمالية والتقنية بوضوح، ويُطبق على الجميع. وإذا كانت هناك رغبة في تغيير نظام الصعود والنزول، فليُعلن ذلك مسبقا حتى تدخل الأندية المنافسة وهي تعرف القواعد التي ستحتكم إليها.
أما تغيير قواعد اللعبة بعد ظهور النتائج، خصوصا عندما يستفيد من التغيير فريق يرأسه مسؤول سياسي بارز، فهو مسار شديد الخطورة على الثقة في المنافسة، حتى لو جرى تقديمه في قالب تنظيمي محض.
الكرة المغربية لا تحتاج إلى «دوباج» إداري لإنقاذ الأندية. فالدعم الاستثنائي قد يمنح فريقا فرصة إضافية لموسم أو موسمين، لكنه لا يستطيع أن يلغي منطق كرة القدم إلى الأبد. الفريق الذي يريد البقاء بين الكبار عليه أن يثبت أحقيته في الملعب، لا أن ينتظر تغييرا في عدد الأندية بعد انتهاء البطولة.
ومن هنا تصبح قضية يعقوب المنصور أكبر من فريق ووزير وجامعة وعصبة. إنها قضية مبدأ.
إما أن تكون البطولة الاحترافية منافسة تحكمها النتائج والقواعد نفسها بالنسبة إلى الجميع، وإما أن تتحول تدريجيا إلى بطولة قابلة لإعادة هندسة نتائجها كلما اصطدمت مصالح الرياضة بمصالح النفوذ.
وفي الحالة الثانية، لن يكون الخاسر فريقا بعينه أو فريقا آخر، بل ستكون الخسارة الحقيقية في ثقة الجمهور.
فالمدرجات تستطيع أن تتقبل الهبوط، واللاعب يستطيع أن يتقبل الخسارة، والنادي يستطيع أن يعيد البناء في القسم الثاني. لكن ما يصعب على الجميع تقبله هو الإحساس بأن ما حُسم فوق أرضية الملعب يمكن أن يُعاد فتحه خارجها.
وهنا بالضبط تكمن خطورة أي محاولة لإنقاذ يعقوب المنصور من هبوط حسمته المنافسة: إنها لا تنقذ فريقا، بقدر ما تهدد مبدأ المنافسة نفسه.
والكرة المغربية، وهي تطرق أبواب مرحلة تاريخية جديدة، أحوج ما تكون إلى قواعد أقوى من الأشخاص، ومؤسسات أقوى من الضغوط، وبطولة لا يحتاج فيها أي فريق إلى النفوذ كي يحافظ على مكانه بين الكبار.




