حياد "منتهي الصلاحية" في العراق.. دخول الحرب ينتظر الإعلان الرسمي
شفق نيوز- بغداد/ لندن/ سيدني
تؤكد الحكومة العراقية، أن قرار الحرب والسلم بيد الدولة فقط وفق الدستور والقانون، وأن أي انفراد من قبل الفصائل المسلحة أو الأطراف الخارجية باتخاذ إجراءات عسكرية يمثل خرقاً صارخاً للسيادة ويهدد الاستقرار، في موقف صارم تكرره السلطات منذ نحو شهر، بالتزامن مع تصاعد الاستهدافات الداخلية من قبل الفصائل المسلحة ومهاجمتها بعض دول الجوار، إلى جانب الاستهدافات الخارجية من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
ويؤكد خبراء ومحللون سياسيون أن العراق لم يعد مجرد طرف مراقب في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، منذ 28 شباط/فبراير 2026، بل أصبح ساحة للمتحاربين، فيما تظهر المواقف السياسية والدبلوماسية العراقية قدرة على احتواء هذا التوتر الإقليمي، بحسب تقديراتهم.
ويرى الخبراء أن الزعامات العراقية القريبة من إيران مضطرة للمشاركة جزئياً في الصراع خشية تهديد وجودها السياسي، رغم حرصها على عدم الانزلاق الكامل في مواجهة شاملة، بل في تصعيد منخفض الحدة وصراعات غير مباشرة، قد تتخذ أشكالاً أمنية أو إعلامية أو اقتصادية.
استقرار هش
وفي هذا السياق، يرى الباحث والأكاديمي الدكتور حيدر شلال، أن العراق لا يزال "يسير على حبل رفيع بين التصعيد والاحتواء"، معتمداً على توازن دقيق في سياسته الخارجية لتجنب الانزلاق لمواجهة مفتوحة، وذلك بسبب "حساسية موقع العراق الجيوسياسي وتداعيات أي تصعيد شامل على استقرار المنطقة بأسرها، لا سيما أمن الطاقة العالمي".
ويعتقد شلال، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "الإرادة السياسية، محلياً وإقليمياً ودولياً، لا تزال تتجه نحو احتواء التوتر"، وتأتي هذه الرؤية بالتزامن مع تحركات دبلوماسية إقليمية، من بينها مبادرات تقودها تركيا، تهدف إلى احتواء الصراع وإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار.
أما الباحث والأكاديمي الدكتور علاء نجاح فيذهب إلى أبعد مما طرحه حيدر شلال، معتبراً أن "خطر الانخراط في الصراعات لا يقاس بوجود التوترات فقط، بل بطبيعة إدارتها"، مقيّماً النمط السائد حالياً بأنه "ضبط التصعيد وليس تفجيره"، وهو ما يضع العراق ضمن "هامش قابل للحماية".
ويضيف نجاح، لوكالة شفق نيوز، أن "تعدد الشركاء الدوليين والإقليميين يخلق نوعاً من الردع غير المباشر، حيث تتلاقى مصالح قوى مختلفة على منع انهيار الاستقرار"، ومع ذلك، يحذر من أن التحدي الحقيقي ليس في "حرب تقليدية"، بل في "التصعيد منخفض الحدة" أو الصراعات غير المباشرة التي قد تتخذ أشكالاً أمنية أو اقتصادية.
"تجاوز الحياد"
من جهته، يفكك رئيس المركز العربي الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، أحمد الياسري، التباس الموقف العراقي، قائلاً إن العراق تجاوز فعلياً مرحلة الحياد، لكنه لم يدخل الحرب بوصفه طرفاً مقاتلاً، بل كـ"مسرح" للصراع، وهذا النوع من الانخراط يعد "الأخطر"، لأنه يجمع بين الاستهداف الخارجي والانقسام الداخلي.
ويوضح هذا التمييز، وفق الياسري، لماذا تُنتهك السيادة العراقية من كل الاتجاهات؛ فإيران وإسرائيل وأميركا تستهدف الأراضي العراقية خارجياً، بينما تنتهكها الفصائل داخلياً، وهو ما دفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ قرار استثنائي، الثلاثاء الماضي، بمنح القوات الأمنية "حق الرد والدفاع عن النفس"، ما يعكس تحولاً في قواعد الاشتباك.
ويشير الياسري، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "الحل يكمن في تقليص فرص تحول العراق لمسرح عبر إنتاج نخبة سياسية تنتمي لتيار عراقي خالص، وليس لتيارات تؤمن بالأفكار الخارجية، لكن أغلب من في السلطة والبرلمان هم أصحاب مشاريع خارجية، بينما القوى التي قد تمثل تياراً عراقياً مثل (جماعة تشرين والصدريين والمستقلين) تقع حالياً خارج نطاق إطار الحكومة".
البقاء السياسي
ومن لندن، يقدم أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية، هيثم الهيتي، قراءة مختلفة تركز على البعد السياسي الداخلي، قائلاً إن "الزعامات السياسية العراقية، وخاصة الشيعية منها، رغم أنها قد لا ترغب في الذهاب بعيداً مع إيران، إلا أنها مضطرة لتكون جزءاً من المعركة".
ويعزو الهيتي، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، هذا الاندفاع إلى أن "نهاية إيران تمثل تهديداً وجودياً لمستقبلهم السياسي، خاصة في ظل الفساد السياسي والتفتت بين قيادات السلطة"، وبالتالي تجد هذه القوى نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مر؛ فالولايات المتحدة، وفقاً للهيتي، "غير راغبة في وجود قوى موالية لإيران أو بقاء قوات الحشد الشعبي بعد الآن"، مما يدفع هذه القوى نحو "صراع محدود" لحماية بقائها.
وبحسب مراقبين، فإن قرارات الحكومة العراقية الأخيرة تعكس هذه المفارقة بوضوح، ففي الوقت الذي منحت فيه القوات الأمنية، بما فيها الحشد الشعبي، حق الرد، شددت في المقابل على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وملاحقة أي اعتداءات على البعثات الدبلوماسية، ورفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار، في محاولة تفسر على أنها لاحتواء ضغط الفصائل، وفي الوقت نفسه تجنب مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.
خطر الحرب
وفي هذا الجانب، يحذر رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، القاضي فائق زيدان، من خطورة الانزلاق غير المنضبط نحو الحرب، قائلاً إن "إعلان الحرب من أخطر القرارات السيادية، لما يترتب عليه من آثار سياسية وعسكرية وقانونية كبيرة"، مؤكداً أن الانفراد بهذا القرار يضعف هيبة الدولة ويقوض مبدأ سيادة القانون.
وفي خضم هذا المشهد، يضع الدكتور علاء نجاح ثلاثة مسارات للنجاة تبدأ بـ"تعزيز الحياد الإيجابي في السياسة الخارجية، وتقوية الجبهة الداخلية مؤسسياً وأمنياً، وتوسيع الانخراط الدبلوماسي متعدد الأطراف".
أما أحمد الياسري، فيرى أن الدبلوماسية يجب أن تكون "رصينة ومحترفة"، تعمل لا لتجنب الحرب فحسب، بل للتقليل من تأثيراتها عبر استيعاب العلاقة المعقدة بين طهران وواشنطن، واستخدام "ضواغط داخلية" مثل المرجعية الدينية لكبح جماح الفصائل.
كما أن التحدي لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى السياسة والاقتصاد، فالعراق الذي يعتمد بنسبة 90% من إيراداته على النفط، يجد نفسه اليوم مخنوقاً بسبب إغلاق مضيق هرمز واستهداف الحقول الحيوية مثل (مجنون والرميلة وكركوك)، مما زاد من تعقيد الوضع الاقتصادي.
ويتزامن هذا التأثير الاقتصادي مع تحرك دبلوماسي عربي "سداسي"؛ حيث طالبت (السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين والأردن)، أول أمس الأربعاء، بغداد باتخاذ إجراءات فورية لوقف هجمات الفصائل المسلحة ضد دول الجوار، معتبرة أن استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداءات يمثل خرقاً صريحاً لقرار مجلس الأمن رقم 2817.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز إقليم كوردستان كعامل مهم في موازين القوى، نظراً لوجود قواعد عسكرية دولية وفصائل معارضة لإيران، ويشهد على نحو شبه يومي استهدافات مباشرة، ما يعكس حساسية موقعه في أوضاع المنطقة، ورغم ذلك، يحاول الإقليم الحفاظ على استقرار علاقاته، رافضاً الانخراط في أي تصعيد مباشر.
ومنذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التي دخلت يومها الـ28، تتعرض مناطق في العراق وإقليم كوردستان لسلسلة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، نُسبت إلى فصائل مسلحة موالية لإيران في العراق، في إطار التصعيد الإقليمي الذي أعقب الضربات على الأراضي الإيرانية.



