حتى نتبيّن الخيط الأبيض في اختبار علوم الطبيعة والحياة!

في نهاية كل موسم دراسي، وبمجرد أن ينزل اختبار مادة علوم الطبيعة والحياة في امتحان شهادة التعليم المتوسط بين أيدي المتعلمين الممتحَنين (بفتح حرف الحاء)، يثور الصخب حوله، وترتفع الأصوات التي تلاحقه بالنقد والتجريح. وفي هذه المرة، زاد اللغط اشتدادا، والضوضاء حدة.
لم يكشف اختبار هذه السنة بعض النقائص المتعلقة بمستوى تكوين المتعلمين في مادة علوم الطبيعة والحياة، وإنما عرّى عيوبا ظلت خفية ومتوارية عن الأنظار مرتبطة بأعمال الأساتذة في الفصول الدراسية.
إن النقد الدّقيق لموضوع هذا الاختبار لا يتوقف عند حدود النقطتين البارزتين اللتين اشتكى منها المتعلمون، وهما: مطلب التمرين الثاني الوارد في سؤاله الأول المتمثل في اقتراح فرضية تفسيرية. ومطلب السؤال الثاني الذي يتبع الوضعية الإدماجية الذي يدور حول كتابة نص علمي.
وعندما ينكر الأساتذة أنفسهم أن اقتراح الفرضيات لم يقف على عتباتها المتعلمون، فلنا أن نسأل: ألا يقتضي طرح وضعية إشكالية في بداية كل درس اقتراح عدة فرضيات من قبل المتعلمين توضع في عداد الحلول المؤقتة؟ ريثما يجري البحث في الموارد المتوفرة ومكتسبات المتعلمين الجاهزة عن الحل الأنسب والأسلم. ولا يفسر هذا الاحتجاج إلا وفق منظور واحد، وهو أن الأساتذة يعيشون داخل الأقسام في معزل تام عن المقاربة التدريسية بالكفاءات. وأن التلقين السلبي والشحن الغبي والرزم المغشوش للمعارف بكل رذائلها ومساوئها ومفاسدها ما يزال معشش وسائد في أقسامنا؟ ومما زاد الطين بلة هو فكرة “الرأس المملوء” السائدة في مستودعات الدروس اللصوصية التي تُنحر فيها البيداغوجيا، وفي كل حصة وفي جنون، من الوريد إلى الوريد.
وتؤكد شكوى المتعلمين من مطالبتهم بكتابة نص علمي، وإظهار عجزهم عن تحرير فقرة علمية موجزة وزاخرة بالمصطلحات التي اكتسبوها وبأسلوب علمي الملاحظة السابقة ذاتها؛ أي أن تعليمنا هو من نمط “التعليم البنكي”، وهو التعليمُ المنبوذ الذي يُنظر فيه إلى المتعلم كوعاء فارغ لا يصلح إلا لإيداع معارف متفرقة فيه، ويقتصر دوره على التخزين والاسترجاع عند الحاجة رغم أنه يمثل محور العملية التعليمية، التعلُّمية. وفي المقاربة التدريسية بالكفاءات، يطالب المتعلمون الذي يشتغلون في مجموعات مصغَّرة، وفي نهاية كل درس، بجمع حصائل محاولاتهم في إنتاج كتابي، أي بناء نص علمي.
لقد فقد تعلّم مادة علوم الطبيعة والحياة في مدارسنا معناه ومبناه ومغزاه لمّا انصرف المدرّسون عن تدريب المتعلمين في الأقسام انصرافا كليا، وغرقوا في نومهم وجمودهم متدثرين بأساليب التعليم التقليدية المملّة التي قتلت قدرات المتعلمين، ولم تعمل على تطويرها وتنميتها.
لما يخفق متعلمونا في أيام الامتحانات الرسمية خاصة في الإجابة عن أسئلة في منتهى السهولة، فإن من يحمل أوزار هذه الإخفاقات المتكررة هم مفتشو المواد أولا، ويليهم الأساتذة ثانيا، في حين، تكتب طُرُوسُ البراءة التامة للمتعلمين.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post حتى نتبيّن الخيط الأبيض في اختبار علوم الطبيعة والحياة! appeared first on الشروق أونلاين.





