حتى لا نصب الزيت على النار
بعيدا عن تجييش العواطف ومحاولات صب الزيت على النار، وقبل المحاكمة غير الموضوعية للحاضر، يجب علينا أن نعود بالذاكرة قليلا إلى الوراء لنستحضر الماضي البعيد والقريب للعلاقات الأخوية التاريخية بين موريتانيا ومالي وما نسجته خيوط الجغرافيا المتشابكة وسطرته صفحات التاريخ المضيئة من صور التعاون المثمر والتعايش المشترك.
فقد كانت مالي على مر العصور قبلة للمنتجعين الموريتانيين في فصل الصيف، كما كانت موريتانيا ولا تزال حضنا دافئا للمنتجعين الماليين في فصل الخريف، وملاذا آمنا للهاربين من لظى النزاعات المسلحة على الأراضي المالية، وحصنا منيعا للدولة المالية وسندا قويا لحكوماتها المتعاقبة حين تدلهم عليها الخطوب ويتجهم في وجهها القريب قبل البعيد وتتكالب عليها الأطماع الخارجية والنزاعات الداخلية.
ولا أدل على هذا التداخل الجغرافي والترابط السكاني مما نعيشه اليوم من شد وجذب على الضفة الأخرى من الحدود وما شهدناه خلال السنوات الأخيرة من أحداث مؤلمة ومستفزة وتجرعنا كؤوس سمها الزعاف؛ وليس من يده في النار كمن يده في الماء.
لقد كان الموقف الموريتاني من الأزمة المالية دائما يتسم بقدر كبير من النضج والتضحية والتغاضي عن زلات الإخوة والجيران، وقد مدت الدولة الموريتانية يد العون للإخوة الماليين حكومة وشعبا أكثر من مرة في أحلك ظروف دولتهم الحديثة، حيث فتحت أبوابها مشرعة أمام اللاجئين الماليين وقدمت لهم العون والأمان الذي عز عليهم في بلدهم للأسف الشديد، كما كانت عونا وظهيرا لدولتهم الحبيسة وسندا لها في أزماتها الاقتصادية المتتالية والتي لاتقل ضراوة عن أزمتها الأمنية المستعصية حين سمحت حتى بتصدير المواد الغذائية المدعومة لها وفتحت لها طرقها وموانئها لاستيراد حاجياتها وتصدير قطنها إلى الأسواق العالمية.
لقد نجحت موريتانيا في إبعاد ألسنة اللهب عن حدودها وقدمت دروسا بليغة في حسن الجوار والصفح الجميل، ولاتزال تنأى بنفسها عن المستنقع المالي رغم الاستفزازات المتكررة من قبل بعض الأطراف التي تسعى جاهدة لإقحام موريتانيا في الأزمة المالية لتحقيق مكاسب سياسية وربما لكسر حالة الاستثناء “الاستقرار” في محيط مضطرب.
صحيح.. كثر هم من يستشعرون المسؤولية ويدركون حساسية الوضع في مالي، لكن هناك قلة تستهويهم دغدغة المشاعر وقرع طبول الحرب، وربما التبست عليهم معارك الفضاء الأزرق بمعارك الحديد والنار.
لا شكّ أن الماليين يعرفون جيدا أن موريتانيا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسمح بالمساس بحوزتها الترابية أو تهديد أمنها الاستراتيجي وقد كان الماليون شهودا على ما قدمه الجيش الموريتاني من تضحيات وأبان عنه من شجاعة واستبسال في الدفاع عن حوزته الترابية ومطاردة فلول التنظيمات الإرهابية في العمق المالي وما معارك حاسي سيدي ووقادو إلا نماذج محدودة جدا مما يمكن القيام به في سبيل الذود عن حياض الوطن، ولا تزال أيادي أبطال هذه المعارك وغيرها على الزناد.
إن المطلوب منا اليوم جميعا وأكثر من أي وقت مضى هو تغليب لغة العقل، وتعزيز اليقظة وتفعيل قنوات التواصل والتنسيق الأمني والعسكري المباشر، بعيدا عن التشويش والمهاترات التي لا تخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين.
The post حتى لا نصب الزيت على النار first appeared on مدار.





