في لحظة ثقافية امتزج فيها النقاش الأكاديمي بالتجربة الفنية، احتضنت قاعة ابن بطوطة ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب لقاءً مفتوحاً مع حسن الفد، شكّل مناسبة لإعادة قراءة مسار أحد أبرز الأسماء في الكوميديا المغربية من زاوية نقدية تتجاوز الصورة النمطية المرتبطة بالفكاهة.
اللقاء، الذي تخلله توقيع كتاب جماعي بعنوان “الذاكرة والمجتمع والمقدس في المشروع الكوميدي لحسن الفد”، لم يكن مجرد احتفاء رمزي، بل تحول إلى فضاء للتفكير في طبيعة العمل الكوميدي وحدوده الجمالية، حيث تداخلت مداخلات الباحثين مع تأملات الفنان نفسه في تجربته ومساره.
في مداخلته، توقف الفد عند سؤال ظل يتردد منذ صدور الكتاب: “من هو حسن الفد لننجز حوله كتاباً؟”، معتبراً أن هذا التساؤل لا يتعلق بشخصه بقدر ما يعكس نظرة مجتمعية أوسع إلى الفن الكوميدي، غالباً ما تختزل الفكاهة في بعدها الترفيهي، وتغفل أبعادها الجمالية والفكرية.
وانتقد الفد ما وصفه بـ“الخلط بين الفكاهة والهزل”، مشيراً إلى أن الضحك، رغم كونه قاسماً مشتركاً، لا يعني تطابق المعنيين، إذ تقوم الفكاهة، في نظره، على اشتغال فني معقد يهدف إلى الارتقاء بالتعبير، وليس مجرد إنتاج رد فعل عابر لدى الجمهور.
ومن هذا المنطلق، شدد على أنه لا يرى نفسه “فكاهياً” بالمعنى التقليدي، بل مسرحياً يوظف الفكاهة كأداة تعبير، وهو ما يفسر، حسب قوله، علاقته الخاصة ببناء الشخصية وتقمصها، وصعوبة انتقاله في بداياته إلى نمط “الستاند آب”، الذي يقوم على خطاب مباشر أكثر من اعتماده على التمثيل المركب.
هذا الاشتغال على الشخصية، كما أوضح، يرتكز على مفهوم الواقعية، التي تظل هدفاً مركزياً في مختلف الفنون، حيث يتطلب تحقيقها بناء دقيق للأبعاد الاجتماعية والنفسية واللغوية، بما يمنح الشخصيات مصداقية تجعلها قريبة من المتلقي، وقابلة لأن تُرى كامتداد للواقع اليومي.
وفي هذا السياق، أرجع الفد نجاح عدد من أعماله إلى هذا العمق في البناء، حيث يتم منح كل شخصية قاموسها الخاص وطريقتها في التعبير، وهو ما يجعلها تنفلت من القوالب الجاهزة وتتحول إلى كيان حي داخل المخيال الجماعي. واستحضر، في هذا الإطار، تجربة سلسلة “الكوبل”، التي قال إن الجمهور كان يخلط فيها بين الواقع والخيال، نتيجة قوة الاشتغال على الصدق الفني.
كما لم يخف الفنان التحديات المرتبطة بالأعمال ذات البعد التاريخي، حيث يفرض التوازن بين المعطى التاريخي ومتطلبات الفرجة تعقيدات إضافية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإدماج الفكاهة دون الإخلال بالمصداقية.
وفي خلاصة مداخلته، أكد الفد أن العمل الكوميدي ليس توثيقاً تاريخياً ولا خطاباً مباشراً، بل فن قائم على صناعة الفرجة، يتطلب الجمع بين الإبداع والواقعية والقدرة على إثارة الضحك دون السقوط في التبسيط أو فقدان العمق.
بهذا المعنى، بدا اللقاء أكثر من مجرد توقيع كتاب؛ كان لحظة مراجعة جماعية لفهمنا للفكاهة، ودعوة ضمنية لإعادة الاعتبار للكوميديا كفن قائم بذاته، يحمل من التعقيد والأسئلة بقدر ما يحمل من الضحك.