هرمز الرقمية: كيف انتقلت حرب 2026 إلى شرايين الاقتصاد الرقمي؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
منذ الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، حين بدأت الضربات الجوية الأميركية – الإسرائيلية الواسعة ضد إيران، بدا المشهد في بدايته امتداداً تقليدياً لحروب الشرق الأوسط: تفوق جوي، صواريخ دقيقة، دفاعات متعددة الطبقات، وحرب مسيّرات. غير أن ما لم يكن واضحاً في تلك اللحظة أن هذه الحرب ستتجاوز بسرعة حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتنتقل تدريجياً إلى مستوى أعمق يمس البنية التحتية للاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع الجغرافيا السياسية مع شرايين البيانات والكابلات البحرية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي الحديث.
في المرحلة الأولى، كان الرهان الأميركي – الإسرائيلي يقوم على فكرة التفوق الجوي الحاسم (Air Superiority)، أي أن السيطرة على السماء كفيلة بإنتاج انهيار سياسي سريع في إيران. لكن مع مرور الوقت، اصطدم هذا التصور بواقع أكثر تعقيداً، إذ تبين أن التفوق العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى حسم سياسي. ومع تعثر تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب، بدأت إيران بإعادة توجيه أدوات المواجهة نحو ساحات أقل تقليدية وأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي.
ومع انتقال الصراع إلى مرحلة الاستنزاف، برز مضيق هرمز كنقطة تحول مركزية، ليس فقط لأنه يمر عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية، بل أيضاً لأنه يقع بالقرب من مسارات عدد كبير من الكابلات البحرية التي تنقل أكثر من 95% من حركة البيانات بين القارات، ضمن اقتصاد رقمي تتجاوز قيمته 10 تريليونات دولار سنوياً. وهنا بدأ التحول من "حروب النفط” إلى "حروب البيانات”، حيث أصبحت القدرة على التأثير في تدفق المعلومات جزءاً من معادلة القوة الدولية (Geopolitical Risk).
العالم اليوم يعتمد على أكثر من 600 كابل بحري تمتد لأكثر من 1.4 مليون كيلومتر، بكلفة تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، بينما قد تصل كلفة الكابل الواحد إلى أكثر من مليار دولار. ورغم ضخامة هذه البنية، فإنها شديدة الحساسية، إذ إن أي اضطراب فيها قد يؤدي إلى ارتفاع كلفة نقل البيانات بنسبة تتراوح بين 20% و40% في بعض المناطق، وخلق ما يعرف اقتصادياً بـ”صدمة التأخير” في تدفق المعلومات (Latency Shock).
ومع تصاعد التوترات، ظهرت فكرة استخدام البنية التحتية الرقمية كورقة ضغط تفاوضية عبر فرض قيود أو رسوم تنظيمية أو ما يشبه "رسوم العبور الرقمي”. ولو افترضنا سيناريو نظرياً، فقد تتراوح الإيرادات المحتملة بين مئات الملايين وعدة مليارات سنوياً، لكن هذه الفكرة تبقى أقرب إلى أداة ضغط تفاوضي منها إلى نموذج اقتصادي قابل للتطبيق، بسبب القيود القانونية الدولية المرتبطة بالممرات البحرية، وبسبب طبيعة الاقتصاد الرقمي العالمي نفسه.
فالفرق بين مضيق هرمز وقناة السويس جوهري؛ فالأخيرة ممر صناعي يخضع لسيادة دولة تديره بنظام رسوم واضح، بينما هرمز مضيق دولي طبيعي يخضع لقواعد المرور العابر في القانون الدولي (Transit Passage Regime)، ما يجعل تحويله إلى "بوابة جباية رقمية” أمراً شديد التعقيد.
لكن الأهم أن ما يجري لم يعد يتعلق بالإمكانية القانونية فقط، بل بدلالة التحول السياسي ذاته، حيث انتقل الصراع بعد فشل الحسم العسكري إلى مرحلة تعظيم أوراق الضغط قبل التسوية، وتحويل كل عنصر استراتيجي إلى أداة تفاوض، بما في ذلك البنية الرقمية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم مستقبل التعامل مع هذه الضغوط عبر أربعة مسارات رئيسية متوازية: أولها احتواء الأزمة عبر إدارة التوتر دون انفجار شامل، وثانيها تنويع مسارات الكابلات لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق، وثالثها تعزيز الردع والحماية الدولية للبنية التحتية الرقمية (Deterrence Strategy)، ورابعها التوجه نحو تسويات تفاوضية غير مباشرة تضبط قواعد الاستخدام في الممرات الاستراتيجية. أما السيناريو الأبعد، فيتمثل في إعادة تشكيل النظام الرقمي العالمي نفسه نحو شبكات أكثر تشتتاً وأقل اعتماداً على المسارات الحساسة.
وقد بدأت بالفعل استجابة عالمية متعددة المستويات تشمل شركات التكنولوجيا الكبرى مثل Google وMicrosoft وAmazon وMeta، التي تتجه نحو بناء شبكات أكثر مرونة تعتمد على تنويع المسارات البحرية والبرية والفضائية، وتقليل الاعتماد على أي نقطة اختناق واحدة.
وفي المقابل، ينعكس هذا التحول بشكل مباشر على دول الخليج وآسيا وأوروبا والولايات المتحدة. ففي الخليج يرتبط الأمر باستدامة التحول الرقمي ومراكز البيانات، وفي آسيا بسلاسل الإمداد الرقمية والتجارة الإلكترونية، وفي أوروبا باستقرار الأسواق والاتصالات، بينما في الولايات المتحدة ينعكس على البنية التحتية السحابية التي تدير جزءاً كبيراً من الاقتصاد العالمي (Cloud Infrastructure).
لا شك أن أزمة هرمز الرقمية تكشف أن العالم دخل مرحلة جديدة لم يعد فيها الاقتصاد الرقمي افتراضياً بالكامل، بل اقتصاداً مادياً هشاً يعتمد على كابلات تمر في أكثر مناطق العالم حساسية. وهكذا لم تعد القوة تقاس فقط بقدرة الجيوش، بل أيضاً بقدرة الدول على التأثير في تدفق البيانات، في عصر يمكن وصفه بأنه بداية "الجغرافيا السياسية للإنترنت” (Geo-economics)، حيث تعاد صياغة مفهوم القوة نفسه بين السماء وقاع البحر.




