حرفة الزجاج في دمشق: بين التراث والفن الحديث
تعتبر صناعة الزجاج الدمشقي واحدة من أقدم الحرف اليدوية في العالم، التي أبدع فيها حرفيون دمشقيون عبر الأجيال. هذه الحرفة التي توارثتها الأجيال من أسلافهم، بدأت مع الفينيقيين الذين اكتشفوا الزجاج على سواحل البحر الأبيض المتوسط. ومنذ ذلك الحين، أصبحت دمشق مركزاً لصناعة الزجاج الفاخر والمميز، وهو ما جعل هذه الحرفة جزءاً لا يتجزأ من هوية المدينة الثقافية. ورغم التحديات التي مرت بها سوريا، كانت صناعة الزجاج وما يرتبط بها من فنون زخرفية حية تستمر في التطور، مدمجةً بين التراث والفن المعاصر.
صناعة الزجاج الدمشقي: تاريخ طويل وحرفية فريدة
“أنا أعمل في هذه المهنة منذ سنوات طويلة، وهي حرفة ورثناها عن الأجداد، عن جدي ومن بعده والدي، وأنا بدوري تعلّمتها منذ الصغر. اليوم عمري 63 عاماً، وأمارس هذه المهنة منذ أكثر من 40 سنة بشكل احترافي داخل المعمل”، هكذا يروي أبو نعيم، ابن شيخ كار صناعة الزجاج في سوريا تفاصيل مهنته لـ”963+”.
وتعد ورشة الزجاج التي يديرها اليوم واحدة من أقدم ورشات صناعة الزجاج في دمشق، عمرها يزيد عن 200 عام.
في ورشة أبو نعيم، تبدأ عملية تصنيع الزجاج باستخدام الزجاج المكسّر. يتم فرز الأنواع المختلفة مثل الزجاج القاسي والطري، إضافة إلى الزجاج الملون الذي يتم تحضيره وتلوينه باستخدام مواد خاصة داخل الفرن.
ويقول أبو نعيم: “اللون ما بيجي صدفة، هو نتيجة خلط دقيق ومدروس. منستخدم الزجاج المكسّر، مثل الأخضر، ومن خلال إضافة مواد معينة داخل الفرن، نحصل على ألوان مختلفة مثل الفيروزي أو الأزرق الكحلي”.
وتتميز صناعة الزجاج الدمشقي بأنها حرفة يدوية بامتياز، حيث يقوم الحرفيون باستخدام أنبوبين، أحدهما للنفخ والآخر للتشكيل. هذه العملية تتطلب مهارة كبيرة وتركيزاً عالياً، إذ يقوم الحرفي بسحب الزجاج المنصهر من الفرن ودمجه ليأخذ شكله النهائي، وهو ما يجعل كل قطعة زجاج يدوية فريدة من نوعها.
ويضيف أبو نعيم: “هذه الحرفة تحتاج إلى تركيز كبير وخبرة طويلة. تعلمها ليس بالأمر السهل، يتطلب سنوات من التدريب”.
التحديات التي تواجه صناعة الزجاج الدمشقي
من أكبر التحديات التي واجهتها صناعة الزجاج الدمشقي كانت الحرب في سوريا. فالحصار الاقتصادي وصعوبة الحصول على المواد الأولية أثرت بشكل كبير على الإنتاج.
ويتابع أبو نعيم: “في الحرب، تأثرت صناعتنا كثيراً، لأننا كنا نواجه مشاكل في تأمين المواد المستوردة بسبب الحصار. ولكن بالرغم من هذه الصعوبات، استمرينا في العمل لأن هذه الحرفة ليست مجرد مصدر رزق، بل هي جزء من تراثنا وهويتنا الثقافية”.
إلى جانب صناعة الزجاج التقليدية، هناك حرفة أخرى ذات صلة وثيقة بالزجاج الدمشقي، وهي الرسم والزخرفة على الزجاج. هذه الحرفة تمتد جذورها إلى عصر الفينيقيين، الذين ابتكروا العديد من تقنيات زخرفة الزجاج باستخدام أكاسيد المعادن لإضفاء ألوان مميزة على القطع الزجاجية. اليوم، لا يزال هذا الفن مزدهراً في دمشق بفضل الحرفي محمد بسام ريحان، الذي بدأ تعلم هذه الحرفة منذ عام 1975 على يد شيخ الكار أدب الجبان.
وتعتبر عملية الرسم على الزجاج فناً متكاملاً، يبدأ من تلوين القطعة الزجاجية باستخدام أكاسيد نباتية وأدوات الرسم الخاصة. بعد ذلك، يتم إدخال القطعة إلى فرن حراري لتثبيت الألوان بشكل دائم.
ويقول بسام: “الزخرفة على الزجاج تحتاج إلى دقة كبيرة، كل رسم أو نقش يتطلب خبرة طويلة في التعامل مع الزجاج والمواد الملونة”.
أدوات الرسم والزخرفة تشمل “فراش الرسم” وأكاسيد نباتية لتلوين الزجاج، بالإضافة إلى شاشات حريرية تُستخدم لطباعة التصاميم على القطع الزجاجية، وهو ما يعكس تمازجاً بين الفن التقليدي والابتكار المعاصر.
ويضيف بسام: “لقد تطورت هذه الحرفة بمرور الزمن، ونجحت في الحفاظ على جزء من تراثنا السوري”.
التحديات التي تواجه الرسم على الزجاج
على الرغم من أن هذه الحرفة تحظى بشعبية في الأسواق المحلية، إلا أنها تواجه العديد من التحديات. من أبرزها قلة المواد الأولية مثل أكاسيد التلوين الخاصة بالحرارة العالية، بالإضافة إلى قلة الكهرباء التي تؤثر على الإنتاج. كما يواجه الحرفيون صعوبة في تلبية الطلب بسبب الأسعار المرتفعة للمواد الخام.
رغم تراجع الإنتاج بسبب الظروف الاقتصادية، لا يزال الزجاج الدمشقي يحظى بشعبية كبيرة داخل سوريا وخارجها. فالعالم اليوم يبحث عن الأصالة والتميز في المنتجات اليدوية، والزجاج الدمشقي يقدم ذلك.
ويؤكد أبو نعيم الحلاق: “الزجاج الدمشقي كان دائماً معروفاً بجودته العالية وألوانه الرائعة. واليوم، رغم الظروف، نرى عودة للطلب على هذه القطع الفريدة، سواء كانت مزهريات، أو كاسات، أو قطع فنية مميزة”.
من جهة أخرى، بدأ العديد من الحرفيين الشباب في استخدام التقنيات الحديثة لتطوير أشكال وتصاميم جديدة، مما يساعد على جذب أذواق الشباب والمستهلكين العالميين.
ولتطوير هذه الحرف والحفاظ عليها، شارك محمد بسام ريحان في العديد من المعارض المحلية والدولية في تركيا والسعودية والأردن. ويأمل ريحان أن تساهم هذه المعارض في نشر حرفة الرسم على الزجاج في الأسواق العالمية، خاصةً في ظل الطلب الكبير من السياح الأجانب على هذه الحرف التراثية.
وهكذا نجد أن حرفة الزجاج الدمشقي، بكل أشكالها سواء في الصناعة أو الرسم والزخرفة، كانت وستبقى جزءاً من هوية دمشق الثقافية والفنية. رغم التحديات التي مرّت بها سوريا، ويبقى الحرفيون ثابتين في الحفاظ على هذه الحرفة وتطويرها.
الزجاج الدمشقي، سواء كان مزخرفاً أو مصنّعاً يدوياً، ليس مجرد منتج، بل هو رمز للأصالة والإبداع الذي يستمر رغم كل الظروف.
The post حرفة الزجاج في دمشق: بين التراث والفن الحديث appeared first on 963+.



