حسب رأي الخبراء والمتابعين للشأن العراقي، فإن نوعية الجهات المُستهدفة من هذه الهجمات، تكشف ما بقي مُستتراً ضمن الحياة السياسية والعامة العراقية طوال سنوات كثيرة ماضية. فمنذ هزيمة تنظيم "داعش" في العراق عام 2017، كان ثمة نوعان من القوى السياسية/الميدانية في الداخل العراقي، متباينة ومتزاحمة فيما بينها، وأثبتت كل الجهود والمحاولات استحالة توافقها أو التعايش فيما بينها.
فمن جهة كان ثمة النفوذ والفاعلية الإيرانية، التي كانت تعتمد سياسياً على مجموع الأحزاب الشيعية المنضوية تحت مظلة "الإطار التنسيقي"، وأمنياً وعسكرياً على فصائل "الحشد الشعبي"، وإلى جانبها ما تُسمى "فصائل المقاومة العراقية". سعى "النفوذ الإيراني" جاهداً خلال هذه السنوات لخلق استفراد وسيطرة تامة على العراق، لكنه كان يواجه "ممانعة" من ثلاث جهات منخرطة في الملف نفسه، هي الوجود العسكري والنفوذ السياسي للولايات المتحدة الأميركية من طرف، ومن طرف آخر إقليم كردستان وبعض مؤسسات الدولة العراقية، العسكرية منها بالذات، جهاز الاستخبارات تحديداً.

استخدمت القوى العراقية المقربة من إيران كل الأدوات لتصفية النفوذ الأميركي في العراق، إذ أصدرت في أوائل عام 2020 قانوناً برلمانياً يفرض على الحكومة العراقية إنهاء كل أشكال الوجود العسكري الأجنبي في العراق، رداً على اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بالقرب من مطار بغداد، وبعدها استمرت الضغوط الشعبية والإعلامية والسياسية على مختلف الحكومات التي تتالت، إلى أن أُقرت اتفاقية في أواخر شهر يوليو/تموز من عام 2021، بين رئيس الوزراء العراقي وقتئذ مصطفى الكاظمي والرئيس الأميركي جو بايدن، تقر بانسحاب تدريجي للقوات الأميركية من العراق. لكن الولايات المتحدة مارست بدورها ضغوطاً اقتصادية وسياسية هائلة على المؤسسات العراقية بغية إبعاد ذلك النفوذ، مهددة أكثر من مرة بقطع "أموال النفط" العراقية التي ترد عن طريق الولايات المتحدة. لكن التوازن بينهما بقي محافظاً على وتيرته خلال كل هذه السنوات، دون أن يتمكن أي طرف من حسم الصراع لصالحه.




