حدث ذلك حينما فككت "الثورة الدستورية" في إيران بداية القرن المنصرم أركان الدولة القاجارية، حيث حاول الأكراد وقتها استعادة سلطاتهم "الأميرية" التقليدية، لكن التحديث البريطاني أعاد تشييد مؤسسات الدولة الحديثة مع تشكيل الدولة البهلوية في عشرينات القرن المنصرم، ما منع الكرد من الاحتفاظ بمساحة الحكم الذاتي التي حصلوها بفعل التفكك القاجاري. وحين تمكن الكرد مع إعلان دولتهم المستقلة عام 1946، بُعيد الحرب العالمية الثانية، كنتيجة لاهتراء الداخل الإيراني أثناء سنوات الحرب، أعاد المنتصرون الدوليون في تلك الحرب فرض هيمنة الدولة الإيرانية على كامل أجزائها المتمردة، الكردية والأذرية والعربية على حد سواء. وتكرر الأمر أوائل الثمانينات من القرن المنصرم. فعلى الرغم من التناقضات التي أظهرتها القوى العالمية مع نظام الخميني الصاعد حديثاً وقتئذ، فإن قمعه الوحشي للانتفاضة الكردية وقتها صُنف كملف داخلي فحسب، وتم السكوت عنه.
الشرط الإيراني كان ينطبق على تركيا أيضاً بشكل مستدام، ومن هنا بالضبط كان ينبع تماسك العلاقات التاريخية بين البلدين اللذين كان يجمعهما ذاك التآلف التوافقي مع قوى المركز العالمية.
حرب إيران حطمت بمعنى ما تلك التوافقية التقليدية، وفتحت الباب أمام إمكانية صِدام واحدة من هاتين الدولتين مع المراكز العالمية، وتالياً إمكانية سعي الأخيرة لتفكيك عُرى الوحدة الكيانية لهاتين الدولتين شديدتي المركزية في سلطة الحُكم.
حدوث ذلك سيعني تمكن الأكراد من إزاحة حجر عثرة بالغ الصلابة أمام طموحاتهم. فالاتصال الذي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع القادة الأكراد الإيرانيين ربما هو الأول في تاريخ الحركة القومية الكردية الإيرانية، التي يقارب عمرها قرناً كاملاً، الأمر نفسه ينطبق تماماً على أكراد تركيا، التي لا يبدو أنّ تزاحم قوى الدولة العميقة فيها لإحداث سلام مُستدام مع الأكراد بعيد عن الوعي بهذا التحول الجذري الذي يطرأ على لوحة المنطقة.
فإيران وإن خرجت من هذه الحرب ببقايا نظامها السياسي الحالي، فإنها ستكون لأول مرة دولة تحت شرط خوض حربٍ مباشرة مع دولة المركز العالمي، وتالياً خارج مظلة الحماية لكيانها كدولة ذات سلطة شرعية سيادية مطلقة، وهو ما سيفتح شهية مكوناتها الأهلية وجماعاتها السياسية لطرح طموحاتها بكل شفافية ووضوح، دون أن تخشى من إمكانية تعرضها لقمع الدولة المرعية والمدعومة من المركز العالمي. وغالباً قد يحدث العكس تماماً، كما جرى في العراق عقب عام 1991.
حرب إيران وجذر المسألة الكردية
أياً تكن النتائج الختامية للحرب التي وقعت ضد إيران، فإنها ستُحدث تحولاً جذرياً في المسألة الكردية، داخل إيران وفي عموم المنطقة. فالاستعصاء التاريخي للأكراد ومسألتهم طوال أكثر من قرنٍ كاملٍ، لم يكن يتأتى فحسب من نوعية الهوية القومية المطلقة للدول والأنظمة التي تقاسمت الجغرافيا والديموغرافيا الكردية فيما بينها، بل أيضاً من نمط العلاقة وآلية ارتباط هذه الدول مع قوى "المركز العالمي"، فهذه الأخيرة منحت تلك الدول كامل الشرعية والسيادة، وفي مرات لا تُعد منحت هذه الدول الكثير من الرعاية والحماية من إمكانية التفكك الذاتي بعد فترات الاهتراء الممتدة، وتالياً كبحت تطلعات جماعاتها الأهلية من العودة إلى مسرح التاريخ السياسي، وعلى رأسهم الكتلة القومية الكردية.
لكن حرب إيران أحدثت ثقباً كبيراً في جدار ذاك الاصطفاف الذي كان.
طوال هذا القرن الأليم بالنسبة للأكراد، كانت القوى العالمية، بالتحديد تلك المهيمنة على منطقتنا، تفرز الدول التي تقاسمت الجماعة العرقية الكردية إلى مجموعتين مختلفتين: فالعراق وسوريا بالنسبة لها كانا كيانين قائمين على شرعية سيادية تامة، أياً كانت أنماط سلطاتهما وسلوكياتهما مع مجتمعاتهما الداخلية. وفيما كانت دولتا تركيا وإيران في وعي ذلك "المركز العالمي" وريثتين لإمبراطوريتين تاريخيتين، وتالياً شريكتين سياسيتين استراتيجيتين في حدودهما المناطقية، تُشاد العلاقة معهما على أساس حفظ استقرارهما الكياني وسلامتهما الدولتية، كشرط تلتزم به هذه القوى العالمية، حفاظاً على ترسانة ضخمة من العلاقات والتفاهمات التاريخية والمصالح بعيدة المدى معهما.
لأجل ذلك، يُمكن ملاحظة سلسلة طويلة من الأزمات الجذرية التي وقعت فيها دولتا سوريا والعراق منذ تأسيسهما، كانتا خلالهما معرضتين للانحلال والتقسيم وإعادة الرسم والتشكيل. لكن إيران وتركيا لم تدخلا ذلك المسار قط. كذلك دخلت دولتا سوريا والعراق في نزاعات وصراعات واضحة مع قوى المجتمع الدولي، لكن لم يجرِ أن وقع أي صِدام عسكري بين تركيا وإيران وأي من قوى المجتمع الدولي، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وقد شكّل هذا الأمر تحدياً جذرياً للمسألة الكردية في عموم المنطقة. لأن المسألة الكردية كانت بمعنى ما، تعني معاندة ومناطحة كيانين يحظيان بشراكة وحماية ووصال مستدام مع القوى المركزية في العالم.
ذاق الأكراد الإيرانيون أكثر من نظرائهم الآخرين نتائج هذه العلاقة التداخلية بين دولتهم والمجتمع الدولي. ففي تاريخهم الحديث تجارب لا تحصى في ذلك السياق، كانوا خلال كل واحدة منها يحاولون الصعود إلى منصة التاريخ حينما كانت تتضعضع أركان الدولة الإيرانية بسبب الصراعات السياسية الداخلية على السلطة، لكنهم كانوا يصطدمون دوماً بالتدخلات الجريئة من قِبل "قوى السيطرة الدولية"، التي كانت تُلملم شتات الكيان الإيراني، وتعيد توحيده وتأكيد سيادته المطلقة، ودوماً على حساب التطلعات الكردية.
على الرغم من التناقضات التي أظهرتها القوى العالمية مع نظام الخميني، فإن قمعه الوحشي للانتفاضة الكردية صُنف كملف داخلي فحسب، وتم السكوت عنه



