حول الخبر | الحكواتي محمد صالح الذي صنع الخيال وهندس المشاعر
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
“الله يسلمكم عيني”.. ثم أغمض العين! كانت الرسالة الأخيرة بيني وبين الراحل الحكواتي محمد صالح، لكن في مساحة كانت الكلمات فيها تُروى كما يُسكب الضوء على وجوه الأطفال. وجدته بوصفه أحد الأصوات التي أعادت للحكاية هيبتها الأولى، وجعلت السرد فعلًا حيًا نابضًا بالهوية والانتماء، متحديًا معاناته مع سرطان الدماغ.
ذات اللؤلؤ
لم يكن مشروعه الإبداعي مجرد ترفٍ ثقافي، بل رحلة إنسانية تمزج بين الحنين إلى الماضي وقيم الصبر والقوة والتأمل؛ ففي إحدى الحكايات التي قدمها بعنوان “ذات اللؤلؤ” تجلت رمزية البيئة البحرينية بوضوح؛ إذ تدور القصة حول نخلة واحدة ومزارع تعلق بها، حتى أثمرت تميزًا يشبه اللؤلؤ، في إشارة بليغة إلى العمق التراثي والارتباط بالأرض والهوية، ولم يكن، رحمه الله، مجرد راوٍ للحكايات، بل كان صانعًا للخيال ومهندسًا للمشاعر.
أوجعه وأتعبه
وعلى الرغم من شدة وألم المرض في بعض الأحيان إلا أنه المحارب المقدام الذي تحدى الوجع؛ ففي فعاليات تفاعلية للأطفال، مثل فعاليات “صيف البحرين” التي احتضنت سرد القصص في مكتبة متحف البحرين الوطني، استهدف فئة الأطفال من سن الخامسة فما فوق، في بيئة تعليمية ممتعة تجمع بين الترفيه والمعرفة، أصر على أن تسير الأمور على خير ما يرام ولم يوقفه ما أوجعه وأتعبه.
اكتشاف المواهب
امتد عطاؤه إلى الورش التدريبية؛ إذ قدم دورات متخصصة للأطفال من عمر 8 إلى 12 سنة، ركزت على تنمية مهارات الثقة بالنفس، وإيقاظ الخيال، وفهم بنية الحكاية، والوقوف أمام الجمهور، وصولًا إلى التمثيل الصوتي، وتقديم القصص الارتجالية، هذه البرامج لم تكن مجرد أنشطة، بل منصات لاكتشاف المواهب وصناعة جيل قادر على التعبير والإبداع.
حكاية لا تنتهي
وفي إحدى الصور التي توثق حضوره، يظهر محمد صالح وهو يروي الحكاية لطفل يقف بثقة أمام الجمهور، في مشهد يلخص فلسفته: أن الحكاية ليست مجرد كلمات تُقال، بل تجربة تُعاش، وجسر يمتد بين الأجيال. وكان يخاطب جمهوره في وسائل التواصل بعبارة “مرحبًا يا سادة”، إلا أنه غادر الدنيا دون أن يقول “وداعًا يا سادة”! لكن غياب الحكواتي محمد صالح لا يعني غياب صوته، بل يعني تحوّله إلى صدى مستمر في ذاكرة كل طفل استمع إليه وكل قصة أعاد بها تشكيل الخيال؛ فقد ترك خلفه إرثًا من الدفء الإنساني والإبداع الذي سيظل يُروى كحكاية لا تنتهي.




