هل يتحوّل المثقّف إلى قاتل؟ ومتى تصبح الفكرة أخطر من الرصاصة؟
بغداد/المدى
أبرمت دار المدى اتفاقا للحصول على حقوق ترجمة ونشر رواية تيريز للكاتب السويدي Steve Sem-Sandberg، ضمن مشروعها للترجمة لعام 2026، في خطوة ثقافية لافتة تعيد طرح أحد أكثر الأسئلة إرباكا في تاريخ الفكر السياسي الأوروبي المعاصر: كيف تتحوّل الفكرة إلى فعل عنيف؟ وكيف يتحوّل المثقف إلى فاعل في آلة التاريخ الدموية بدل أن يكون شاهدًا عليها؟
ليست «تيريز» رواية عن تنظيم مسلّح فحسب، ولا عن سيرة شخصية مثل أولريكه ماينهوف، أحد أبرز وجوه فصيل الجيش الأحمر في ألمانيا الغربية، بل هي رواية عن العقل الذي برّر العنف قبل أن يمارسه، وعن اللغة التي مهّدت الطريق للرصاصة، وعن لحظة تاريخية فقد فيها المثقف يقينه القديم بوظيفته النقدية، فدخل التاريخ من بوابة التفجير.
يكتب ستيف سيم-ساندبيرغ نصّه كما لو أنه يحفر في طبقات الوعي الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ظلّ الماضي النازي حاضرا داخل المؤسسات، وحيث بدا لكثير من أبناء جيل الستينيات أن العدالة لم تتحقق، وأن الدولة التي أعلنت القطيعة مع الفاشية لم تتحرّر منها تماما. في هذا المناخ المشحون لم يعد العنف انحرافا، بل بدا — في نظر بعضهم — امتدادا للفكر نفسه، محاولة لإجبار التاريخ على الاعتراف بما لم يُحل بعد.
تكشف الرواية كيف تحوّلت المدن الألمانية إلى فضاء رمادي ثقيل: محاكمات، مطاردات، بيانات، تفجيرات، أجهزة أمن تتضخم، وصحافة تصنع من الخوف نظاما يوميا للحياة. وفي قلب هذا المشهد تظهر الحقيقة الأكثر قسوة: أن العنف لا يولد فجأة، بل ينمو داخل اللغة أولا، داخل المفاهيم، داخل الإيمان بأن الغاية تبرر الوسيلة. هنا يصبح القتل فكرة قبل أن يكون فعلا.
«تيريز» لا تكتب تاريخ الإرهاب، بل تكتب تاريخ التحوّل الداخلي الذي يسبق الإرهاب. إنها تضع القارئ داخل التجربة نفسها، داخل التوتر بين الحلم بالعدالة والرغبة في فرضها بالقوة، بين الاحتجاج والقطيعة، بين النقد والمواجهة. وهي بذلك تكشف هشاشة الخط الفاصل بين المثقف والمناضل، بين الكاتب والمقاتل، بين الفكرة والرصاصة.
الأخطر في هذه الرواية أنها لا تتعامل مع العنف بوصفه شذوذا سياسيا، بل بوصفه احتمالا كامناً في كل يقين غير مُساءل، وفي كل فكرة تُمنح حصانة أخلاقية مطلقة. ولهذا تبدو «تيريز» رواية عن حاضرنا بقدر ما هي عن سبعينيات ألمانيا، لأن السؤال الذي تطرحه لا يزال مفتوحا: ماذا يحدث حين يقتنع الإنسان أن التاريخ يقف إلى جانبه؟
إنها رواية لا تروي ما حدث فقط، بل تكشف كيف يمكن أن يحدث مرة أخرى. رواية تضع القارئ أمام مرآة صعبة، وتسأله بلا مواربة: هل يمكن أن نكون نحن أيضا — في لحظة ما — داخل القصة نفسها؟
The post هل يتحوّل المثقّف إلى قاتل؟ ومتى تصبح الفكرة أخطر من الرصاصة؟ appeared first on جريدة المدى.





