هل تقلب الحكومة الطاولة على الحزب؟
قبل حرب السابع من أوكتوبر، كانت الخشية كبيرة لدى القوى السياسية من الاصطدام بـ "فائض القوة" لدى حزب الله، نتيجة عوامل راكمها الحزب لسنوات جعلت منه قوة كبيرة تتجاوز الحدود اللبنانية وتتشعب نحو الاقليم. أما اليوم فرُسمت خطوط حمراء داخلية ودولية لم يعد بإمكان الحزب تجاوزها. هذه التحولات تأتي في وقت لم تعد فيه "البيئة الحاضنة" مجرد درع بشري صامت، بل تحولت في تحركاتها الأخيرة إلى مرآة كشفت انكشاف الحزب إعلامياً وسياسياً، بعدما تحولت تظاهراته من "مقاومة إسرائيل" إلى "هجوم مباشر على الدولة" ورئيس حكومتها نواف سلام.
التظاهرات الأخيرة التي جاءت بتوقيع مخفي من قبل الحزب ضد الحكومة اظهرت انكشافه على أكثر من صعيد. فالحزب الذي كان يضبط شارعه بدقة وحرص، ظهر هذه المرة في حالة من الفلتان الكلامي والسياسي، حيث غابت الشعارات المناهضة لإسرائيل وحلت مكانها حملات تخوين ضد الدولة اللبنانية ومؤسساتها. وتشير مصادر نيابية إلى أن الحزب حاول من خلال هذا التحشيد إيصال رسالة مفادها بأنه سيصرف "فائض قوته" في الداخل اللبناني لتعويض خسائره الميدانية والاستراتيجية. إلا أن هذا الرهان سقط أمام واقع جديد. فالحزب الذي حاول القنص على الحكومة من بوابة "التفاوض"، هو نفسه الذي لام الرئيس نواف سلام لعدم تفويضه الجانب الإيراني في مفاوضات "إسلام آباد"، ضارباً بعرض الحائط سيادة البلاد ومحاولاً تشريع سلطة الوصاية الإيرانية على القرار اللبناني.
جاء خطاب رئيس الحكومة نواف سلام ليضع النقاط على الحروف، موجهاً رسائل صريحة لم توفر أحداً. فبقوله إن "بعضنا أخطأ حين اعتقد أنه يمكن تحويل ضعف لبنان إلى قوة"، حطم سلام الركيزة الأساسية التي اعتمد عليها الحزب لسنوات. رئيس الحكومة أكد أن حماية لبنان، وتحديداً الجنوب، لا تكون إلا بـ "دولة واحدة قوية وعادلة"، معتبراً أن تعدد مراكز القرار وغياب الدولة كانا السبب الرئيس في المآسي التي دفع ثمنها الجنوبيون. هذا الموقف المتقدم هو تعبير واضح عن توجه الدولة نحو استعادة سيادتها الكاملة، مدعومة بمبادرة رئاسية للتفاوض تهدف إلى وقف الحرب وتأمين الانسحاب الإسرائيلي المشروط ببسط سلطة الشرعية وحدها.
الا أن هذه المفاوضات لا تبدو مجرد إجراء تقني لترسيم حدود أو وقف إطلاق نار، بل هي عملية جراحية لاستئصال نفوذ الحزب من "الدولة العميقة". وتؤكد أوساط مطلعة أن الدولة اللبنانية ملتزمة أمام الراعي الأميركي بتقويض سلطة الحزب الداخلية كشرط أساسي لأي تسوية. وتتضمن الرؤية المطروحة اليوم خطوات عملية أبرزها استبدال العناصر المشتبه بتعاونها مع الحزب داخل الاجهزة الامنية والعسكرية، اضافة الى ملاحقة البنى الاقتصادية والمالية والخدماتية التابعة للحزب وتقديم بدائل حكومية لها، وإحكام السيطرة على المعابر مع سوريا لمنع تهريب السلاح، تحت إشراف دولي صارم. هذه البنود التي تحدث عنها الاعلام الاسرائيلي هي في الواقع اشارات تسبق اجتماع الثلاثاء في واشنطن وما بعده. حيث تتقاطع المعطيات حول إمكانية طلب الدولة اللبنانية "مساعدة عسكرية وتقنية" لإنهاء الحالة المسلحة لحزب الله. فإسرائيل، ومن خلال جولات نتنياهو وكاتس في الجنوب، أرسلت إشارات واضحة بأن أي انسحاب مشروط بضمانات أمنية "عملية لا ورقية"، وهو ما يضع الحكومة اللبنانية أمام مسؤولية تنفيذ تعهداتها الدولية لضمان استعادة الأرض. هنا، يجد حزب الله نفسه اليوم محاصراً بين دولة تستعيد زمام المبادرة بدعم دولي، وشارع بدأ يئن تحت وطأة الخيارات الخاطئة، وعدو يرفض التفاوض إلا "تحت النار" وبشرط نزع السلاح، فيما الخلاصة واحدة وهي أن زمن "القرار المستقل" للحزب داخل الدولة قد ولى، وما رسمه الرئيس نواف سلام من خطوط حمراء ليس إلا بداية لمسار طويل يهدف إلى جعل "كلنا للوطن" حقيقة واقعة، لا مجرد شعار في النشيد الوطني.
The post هل تقلب الحكومة الطاولة على الحزب؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.


