أعادت قضية وفاة الشاب محمد غميرة، بعد أيام من توقيفه في قسم شرطة الحفة بمحافظة اللاذقية، فتح النقاش حول آليات المحاسبة داخل المؤسسات الأمنية، وحدود كفاية الإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية للتعامل مع القضية.
وجاء ذلك عقب إعلان اللجنة التي شكلتها وزارة الداخلية نتائج تحقيقها، والتي خلصت إلى ثبوت قيام أحد المحققين بصفع غميرة على منطقة الرقبة.
كما تضمنت الإجراءات إحالة المحقق إلى النيابة العامة، والتوسع في التحقيقات المسلكية مع مسؤولين آخرين، وأن جميع المقصرين سيحالون إلى القضاء.
ورغم الترحيب بإعلان نتائج التحقيق خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، برزت تساؤلات قانونية وحقوقية حول ما إذا كانت هذه الخطوات تمثل استجابة كافية لمقتضيات المساءلة، أم أنها تشكل بداية لمسار يتطلب إجراءات أوسع، تشمل كشف جميع المسؤوليات، وضمان استقلال التحقيق، وشفافية نتائجه، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، سواء بالفعل المباشر أو بالتقصير في أداء الواجبات.
ويأتي هذا النقاش وسط مطالب حقوقية متزايدة بأن تتحول القضية إلى اختبار لقدرة المؤسسات السورية على التعامل مع ادعاءات الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب، ويعزز ثقة الرأي العام بأن المحاسبة لا تقتصر على إجراءات إدارية، وإنما تمتد إلى مساءلة قضائية تستند إلى معايير العدالة وسيادة القانون.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات حول مدى انسجام الإجراءات المعلنة مع المعايير القانونية، وما إذا كانت تشكل نموذجًا يمكن البناء عليه في التعامل مع قضايا مشابهة مستقبلًا، أم أن هناك خطوات إضافية لا تزال مطلوبة لضمان تحقيق العدالة بصورة كاملة.
إشكالية تولي جهة التحقيق
يرى المدير التنفيذي لـمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بسام الأحمد، أن الإجراءات المتخذة في قضية محمد غميرة لا تزال “منقوصة”، معتبرًا أن الإشكالية الأساسية تكمن في الجهة التي تولت التحقيق.
وقال الأحمد، في حديثه إلى عنب بلدي، إن التحقيق كان يفترض أن يجري بإشراف جهة قضائية مستقلة، لا من خلال لجنة شكلتها وزارة الداخلية، باعتبار أن الوزارة نفسها هي الجهة التنفيذية التي يتبع لها العناصر محل التحقيق.
تكليف جهة مستقلة كان سيعزز مصداقية التحقيق، سواء أكانت جهة قضائية مستقلة، أو بمشاركة منظمات المجتمع المدني أو جهات دولية مختصة، بما يمنح الرأي العام ثقة أكبر بنتائج التحقيق وإجراءات المحاسبة.
وأشار إلى أن من الخطوات الأساسية المطلوبة نشر التقرير النهائي كاملًا، وليس الاكتفاء بملخص لنتائجه.
رواية زوجة محمد غميرة تضمنت معطيات تختلف عما ورد في ملخص التحقيق الرسمي، إذ تحدثت عن تعرضه لسوء معاملة قد يرقى إلى التعذيب، وهو ما يستدعي، بحسب رأيه، عرض تفاصيل التحقيق كاملة، بما يشمل كيفية جمع الأدلة والأشخاص الذين استمعت إليهم اللجنة، بما يتيح تقييم النتائج بصورة شفافة.
ويرى الأحمد أن القضية تتضمن جانبين، الأول إيجابي يتمثل في اعتراف السلطات بوقوع خطأ وفتح تحقيق في الحادثة، معتبرًا أن هذا النهج لم يكن قائمًا خلال فترة حكم النظام السابق، وهو ما يحسب للسلطات الحالية.
في المقابل، اعتبر أن الجانب الأهم يتمثل في آلية التحقيق نفسها، مؤكدًا أن الالتزام بالمعايير القانونية والحقوقية في التحقيقات هو ما يمنحها المصداقية، ويعكس استعداد الدولة لإجراء مساءلة حقيقية.
إرث قضائي ثقيل
وفيما يتعلق بضمانات المحاكمة، شدد الأحمد على ضرورة إحالة القضية إلى محكمة مستقلة ومحايدة تلتزم بمعايير المحاكمة العادلة، بعيدًا عن أي تدخل من السلطة التنفيذية.
وأضاف أنه لا يرى أن القضاء السوري يتمتع حاليًا بالاستقلال الكافي، في ظل الإرث الذي خلفه النظام القضائي السابق، والحاجة إلى إصلاحات قانونية ومؤسساتية واسعة تعزز استقلال السلطة القضائية.
ولفت إلى أن الصلاحيات الواسعة الممنوحة للسلطة التنفيذية بموجب الإعلان الدستوري تثير، من وجهة نظره، تساؤلات بشأن التوازن بين السلطات واستقلال القضاء.
إشكالية في التحقيق
من جانبه، اعتبر مدير مبادرة “تعافي” وخبير العدالة الانتقالية، أحمد حلمي، أن أولى الإشكاليات في القضية بدأت مع تشكيل لجنة التحقيق نفسها.
وزارة الداخلية تولت تشكيل لجنة داخلية من كوادرها، وهو ما يتعارض، برأيه، مع مبادئ الرقابة المستقلة، لأن الجهة التنفيذية لا ينبغي أن تحقق في الانتهاكات المنسوبة إلى عناصر تتبع لها.
وقال حلمي، في حديثه إلى عنب بلدي، إن التحقيق كان من المفترض أن يجرى من قبل جهة خارجية ومستقلة لضمان الحياد وتعزيز الثقة بنتائجه.
وأضاف أن الإشكالية لا تقتصر على هوية الجهة المحققة، بل تمتد إلى نطاق التحقيق نفسه، إذ ركز، بحسب رأيه، على ما تعرض له محمد غميرة بوصفه حالة فردية، دون البحث في الأسباب البنيوية التي سمحت بوقوع الانتهاك.
وأوضح أن ما حدث لا يمكن عزله عن عشرات الحالات التي سجلت منذ سقوط النظام.
تكرار هذه الوقائع يعكس وجود نمط وممارسات متجذرة داخل مؤسسات إنفاذ القانون، الأمر الذي يستوجب دراسة المنظومة التي سمحت بوقوعها، وليس الاكتفاء بتوثيق الواقعة منفردة.
وأعرب حلمي عن أمله في أن يشكل التحقيق نقطة انطلاق لإصلاح مؤسساتي أوسع، يتناول واقع التعذيب في سوريا، ويقود إلى مراجعة الأنظمة والإجراءات والثقافة المؤسسية التي تتيح استمرار مثل هذه الانتهاكات.
قضية غير مرتبطة بقواعد السلوك
وأشار حلمي إلى أنه، ومن باب الإنصاف، فإن وزارة الخارجية شاركت خلال الفترة الماضية، إلى جانب جهات حكومية أخرى، في جهود مرتبطة بتنفيذ التزامات سوريا أمام محكمة العدل الدولية، إلا أنه رأى أن المرحلة الحالية تتطلب خطوات أكثر سرعة ووضوحًا على مستوى التنفيذ.
وانتقد حلمي ما أعلن خلال المؤتمر الصحفي بشأن إحالة المتورطين إلى المحكمة المسلكية، معتبرًا أن التعامل مع القضية باعتبارها مخالفة لقواعد السلوك لا يعكس طبيعتها القانونية.
وأضاف أن أي اعتداء يقع في أثناء الاحتجاز، سواء كان بالضرب أو بوسائل تعذيب أخرى، يجب النظر إليه بوصفه جريمة، وليس مجرد مخالفة مسلكية، خاصة إذا أفضى إلى الوفاة.
هذه الممارسات، بحسب حلمي، تمثل انتهاكات يرفضها السوريون بعد القطيعة مع الأساليب التي ارتبطت بمرحلة حكم النظام السابق.
وفيما يتعلق بضمانات المحاسبة، شدد حلمي على أن المسار القضائي العلني والمستقل هو الضمان الأساسي للوصول إلى العدالة.
ضغط إعلامي
وأوضح حلمي أن ذوي الضحية قد لا يمتلكون دائمًا القدرة على متابعة الإجراءات القانونية، ما يجعل الشفافية وعلنية المحاكمات عنصرًا أساسيًا لمنع طي القضية أو إضعافها.
كما لفت إلى أن قضايا سابقة لم تكن لتستمر لولا الضغط الإعلامي والحقوقي.
ويرى أن طريقة إدارة القضية الحالية لا تمثل نموذجًا يحتذى به، لكنها قد تشكل فرصة لاستخلاص الدروس وتطوير آليات التعامل مع مثل هذه القضايا مستقبلًا.
الإصلاح الحقيقي، وفقًا لحلمي، يقتضي إعداد تقرير شامل يدرس الأنظمة والقوانين والممارسات والثقافة السائدة داخل مؤسسات إنفاذ القانون، بما يفسر أسباب لجوء بعض العناصر إلى استخدام العنف ضد المحتجزين، على أن يتضمن التقرير توصيات واضحة تعلن للرأي العام، وتتابع عملية تنفيذها بصورة جدية.
ماذا خلصت التحقيقات؟
وكان رئيس اللجنة المكلفة بالتحقيق في ملابسات وفاة الشاب محمد غميرة، اللواء أحمد لطوف، أعلن الخميس 20 من آب، أن نتائج الخبرة الطبية أظهرت أن سبب الوفاة يعود إلى مضاعفات نزف دماغي لدى غميرة المصاب بالناعور، مشيرًا إلى عدم وجود علامات ظاهرة على تعرضه للعنف أو الشدة خلال الفحص الطبي الشرعي.
وقال لطوف، وهو معاون وزير الداخلية للشؤون الشرطية، خلال مؤتمر صحفي، إن اللجنة عقدت اجتماعًا مع محافظ اللاذقية، ثم اطلعت على التحقيقات التي أجراها الأمن الداخلي وتولت استكمال التحقيق في القضية.
وأوضح أن الإصابات التي ظهرت في الكشف الأولي على جثة غميرة لا تشير إلى تعرضه للعنف، مبينًا أن الجرح الموجود في الجهة اليمنى من أعلى الجبهة والجرح الثقب المجاور له كانا ناتجين عن إجراء علاجي أُجري في مستشفى “اللاذقية” الجامعي.
وأضاف أن التشققات الجلدية الموجودة على البطن جاءت في سياق علاج طويل الأمد بالكورتيزون، بينما تبيّن أن الكدمة الصغيرة على الجبهة اليمنى والقدم اليسرى عبارة عن كدمات نزفية مرضية مرتبطة بحالته الصحية.
لا كسور أو جروح رضية
بحسب لطوف، أكد الخبراء عدم وجود علامات ظاهرة لعنف أو شدة خلال الفحص الذي أجراه الطبيب الشرعي، كما لم تظهر كسور في الجمجمة أو جروح رضية.
وقال إن الخبراء، عند سؤالهم عن النزيف الذي أدى إلى الوفاة، أكدوا أن سبب الوفاة هو مضاعفات النزف الدماغي لدى محمد المصاب بالناعور.
وفي السياق نفسه، قال لطوف إن اللجنة توسعت في التحقيقات مع قسم شرطة الحفة، وراجعت الإجراءات التي اتُبعت مع غميرة خلال فترة احتجازه.
وأظهرت التحقيقات، بحسب رئيس اللجنة، أن غميرة أبلغ عناصر الأمن الداخلي بإصابته بمرض الناعور.




