هل تعرف الطائر الذي كان يخبر العُمانيين قديمًا بأن «القيظ» قد بدأ؟
حصريٌّ لـ«الصحوة» – في كل عام، ومع انقضاء أيام أبريل ودخول مايو، تبدأ ذاكرة العُمانيين – خصوصًا في القرى الزراعية – في التقاط إشاراتها القديمة التي لطالما ارتبطت بتحول الطقس ودخول فصل جديد من السنة، ليس عبر التقاويم الحديثة فحسب، بل من خلال علامات الطبيعة التي حفظها الأجداد جيلاً بعد جيل. ومن بين أبرز تلك العلامات ظهور طائر «العقعق» الذي ما إن يلوح في السماء أو يحط على الأشجار والأسلاك حتى يتردد على الألسنة: «دخل القيظ».
هذا الطائر الذي يعرفه العُمانيون محليًا باسم «العقعق»، ليس في الحقيقة العقعق الغرابي المعروف في التصنيف العربي الشائع، بل هو طائر «الشقراق الأوروبي»، وهو طائر مهاجر عابر يمر بسلطنة عُمان سنويًا خلال رحلته الطويلة بين مناطق تكاثره في أوروبا وآسيا ومناطق الشتاء في أفريقيا، وتحديدًا خلال الفترة الممتدة من أبريل إلى مايو، وهي ذات الفترة التي تبدأ فيها سلطنة عُمان استقبال موسم القيظ وحرارة الصيف الأولى.
ويتميز «العقعق» بريشه الأزرق الفيروزي اللافت مع ظهر بني كستنائي، ما يجعله من أجمل الطيور التي تعبر الأجواء العُمانية في هذا التوقيت، كما أنه يظهر غالبًا في البيئات المفتوحة والمزارع وأطراف الواحات وعلى الأشجار اليابسة والأسلاك الكهربائية، وهي مشاهد جعلته حاضرًا بقوة في الذاكرة الشعبية العُمانية بوصفه رسولًا موسميًا يعرف الناس من خلاله أن القيظ قد أقبل.
وبحسب ما توارثه كبار السن في مختلف الولايات، فإن رؤية هذا الطائر في أواخر أبريل وبداية مايو لم تكن تمر بوصفها مجرد مشاهدة لطائر مهاجر، بل كانت تقترن مباشرة بحديث الناس عن بداية الحر، ونضج الثمار المبكرة، واستعداد النخيل لموسم الرطب، حتى أصبح ظهوره علامة طبيعية غير مكتوبة على دخول «القيظ»؛ ذلك الموسم الذي يمتد عادة من مايو حتى أغسطس، ويُعد من أهم المواسم الزراعية في عُمان، إذ يشهد حصاد باكورة الرطب والمانجو وعدد من الثمار الصيفية.
ولم يكن هذا الربط الشعبي بعيدًا عن الواقع الزمني؛ فالدراسات المتخصصة في رصد هذا النوع تؤكد أن ذروة عبوره الربيعي في سلطنة عُمان تسجل فعلًا خلال شهري أبريل ومايو، وهي الفترة ذاتها التي تتقاطع مع تباشير القيظ في كثير من الولايات الزراعية، ما يجعل العلاقة بين الطائر والموسم علاقة زمنية راسخة كرّستها الملاحظة الشعبية الدقيقة للطبيعة عبر عقود طويلة.
وفي الولايات المعروفة ببدء القيظ المبكر، تتقدم ولاية دماء والطائيين المشهد كل عام، إذ تبدأ فيها أصناف النخيل المبكرة بإنتاج الرطب قبل غيرها من ولايات سلطنة عُمان، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقربها من مدار السرطان وارتفاع درجات الحرارة فيها مبكرًا. ومن أشهر هذه الأصناف: النغال، والبهلاني، والقدمي، وقش القنطرة، والمنومة، والمزناج، ونشو حاجر عندام، وغيرها من الأصناف التي تشكل باكورة القيظ العُماني. ولهذا لم يكن غريبًا أن يربط المزارعون قديمًا بين أول ظهور للعقعق وبين الاستعداد النفسي والزراعي لموسم الرطب والفاكهة.
ولا يقتصر حضور هذا الطائر على اسمه المحلي في سلطنة عُمان فقط، فهو معروف في مناطق عربية أخرى بعدة أسماء مثل «الخاضور» و«الأخيل» و«الغراب الزيتوني»، إلا أن تسمية «العقعق» بقيت الأكثر شيوعًا في اللسان العُماني، وربما الأكثر التصاقًا بالوجدان الموسمي المرتبط بالقيظ.
وفي مقابل هذا الطائر المهاجر، توجد في بعض مناطق سلطنة عُمان طيور مشابهة له قد يخلط بينها البعض، أبرزها طائر «الضاضوء» المعروف علميًا بالشقراق الهندي، وهو طائر مستوطن في بعض البيئات العُمانية ويختلف عن العقعق في لون الصدر البني، بينما يتميز العقعق بصدره الأزرق الواضح، وهو فارق يعرفه المهتمون برصد الطيور جيدًا، لكن العامة غالبًا ما يحتفون بالمشهد الموسمي للطائرين معًا بوصفهما جزءًا من جمال الطبيعة في هذه الفترة.
علميًا، لا يعد العقعق من الطيور المستقرة في سلطنة عُمان طوال الصيف، بل هو طائر عابر مهاجر يمر في نافذة زمنية قصيرة ثم يواصل رحلته، غير أن هذه النافذة كانت كافية لتصنع منه رمزًا شعبيًا موسميًا ارتبط في المخيال المحلي بالتحول من اعتدال الربيع إلى حرارة القيظ، ومن خضرة الشتاء إلى موسم الرطب والثمر.
وهكذا، وبينما ينشغل الناس اليوم بمتابعة درجات الحرارة عبر التطبيقات والخرائط الرقمية، لا تزال الطبيعة تحتفظ بلغتها القديمة؛ لغة تعرفها العيون قبل الشاشات. فحين يظهر «العقعق» محلّقًا بألوانه الزرقاء فوق المزارع والسهول، يدرك العُمانيون – كما أدرك أجدادهم – أن القيظ قد طرق الأبواب، وأن موسمًا جديدًا من مواسم الأرض قد بدأ.





