هل فعلًا "وُجدَ" الفينيقيون؟ (1 من 3)
قد يبدو هذا السؤَالُ فجأَةً، صادمًا أَو غريبًا، على ما في كتُب التاريخ والآداب من تحاليلَ عنهم واستشهادات وإِفادات وإِثباتات ووثائق، حتى ليبدو السؤَالُ اليوم على كثير من الغرابة.
المجلة الأَميركية العلْمية "ناشيونال جيوغرافيك" (تأَسست في واشنطن قبل 138 سنة - صدَر عددها الأَول في أَيلول/سبتمبر 1888)، خصَّصت عدَدها المزدوج (تموز-آب/يوليو/أُغسطس 2025) لهذا الموضوع، وعَنْوَنَتْهُ على الغلاف: "الفينيقيون أَسياد المتوسط". كتبَه الاختصاصيُّ الإِسبانيُّ في علم الآثار ودراسات الشرق الأَدنى وجذور الفينيقيين: البروفسور جوردي ڤيدال (حاليًّا: أُستاذ التاريخ القديم لدى جامعة برشلونة المستقلَّة).
المقال دراسةٌ طويلةٌ جدًّا، سأُحاول اختصارها ما أَمكن، في ثلاث حلقات، مرَكِّزًا على أَبرز النقاط التاريخية فيها.
عند شاطئ لبنان
في التنقيبات الأَخيرة التي عمِلَ على دراستها علماءُ الآثار، حاولوا تفكيك الرموز والأَسرار الْكانت حتى اليوم على بعض الغموض حول أَصل الفينيقيين وتاريخهم.
على الرغم من شهرتهم "أَسيادَ التجارة" في التاريخ القديم، لم يكن أُولئك البحارة وحدَهم بتلك الشهرة في التاريخ القديم. فعصرئذٍ قام عناصر أُخرى من مجموعات كثيرة ببناء مُدُن قوية على المتوسط، دلَّت الأَبحاث الحديثة على أَنهم أَقدمُ زمنًا مما كان في التداوُل حتى اليوم.
من نتائج تلك الأَبحاث أَخيرًا، أَنَّ الفينيقيين لم "يُوجَدوا"، أَو على الأَقلّ لم "يُعرَفوا" بهذه التسمية، أَو، على الأَخص، لم يَستخدموها في عصرهم. وحين كانوا يعيشون في مدُن صُوْر وصيدا وجبيل ("بيبلوس" حسَب التسمية الإِغريقية) وبيروت (بيريت حسب التسمية الإِغريقية) وجزيرة أَرواد (155 كلام شماليّ صيدا... حاليًّا في سورية على كيلومترَين من ميناء طرطوس)، لم يكونوا يتَسَمَّوْن بـ"الفينيقيين" كمجموعة عامَّة موحَّدة. ذلك أَنَّ كلَّ مدينة من تلك المذكورة كانت مستقلَّةَ في ذاتها، بِلُغَتها المختلفة عن لُغات سواها، ولكلِّ مدينةٍ مؤسساتُها وهياكلُها ومعابدُها وطقوسُ عباداتها وسياستُها المحلية والدولية الخاصة المستقلة.
منذ هوميروس
تسمية "الفينيقيين" كلمة إِغريقية ظهرت أَولًا في النصوص الهوميرية (نحو القرنين الثامن فالسابع قبل الميلاد)، للإِشارة إِلى شعب ومنطقة على شاطئ لبنان الحاليّ. ليس واضحًا "أَصلُ" هذه التسمية، والسائد أَنها تعني مادَّةً أُرجوانيَّةً محمرَّةً كان شعوبُ تلك الفترة يَصبُغون بها أَقمشتَهم.
وفي السائد أَيضًا أَنَّ تسمية "الفينيقيين" كشعب مستقلّ تعود إِلى أَن مؤَسِّسي تلك المدن، المذكورة أَعلاه، نزحوا إِلى الشاطئ (اللبناني الحالي) من مدُن أُخرى متفرِّقة ومتباعدة. من هنا نظرياتُ باحثين ومؤَلِّفين إِغريق ورومان قدماء بنَوها حول أَصل الفينيقيين وجذورهم، استنادًا إِلى مصادر ومراجع قديمة مختلفة زمانًا ومكانًا.
صيدون في سفر التكوين
أَحد أَقدم تلك المراجع الواسعة الانتشار: سِفْر التكوين في العهد القديم من الكتاب المقدَّس، المرجَّحة كتابتُهُ نحو القرن السادس قبل الميلاد. ورَدَ فيه أَنَّ الفينيقيين تحدَّروا من "صيدون ابن كنعان وحفيد حام". ففي "سفر التكوين" ورَدَ: "كنعان ولَدَ صيدون" (الإِصحاح العاشر- الآية 15). وحام هو أَحد أَبناء نوح الثلاثة: سام، حام، يافث: "بارك الله نوحَ وبَنيه الثلاثة، وقال لهم: أَثمِروا وتكاثَروا واملَأُوا الأَرض" (الإِصحاح التاسع - الآية الأُولى). وبهذا التسَلْسُل السُلاليّ، يكون مُدَوِّنُو العهد القديم أَدخلوا الفينيقيين ضمن أَنساب البشرية. وجاء أَيضًا أَنَّ حامَ بن نوح هو الجَدُّ الأَعلى للشعوب الأَفريقية، وأَخاه سام الجدُّ الأَعلى للساميين، وأَخاه الآخر يافث الجدُّ الأَعلى لشعوب آسيا الوسطى (كازاخستان، كيرغيستان، طاجيكستان، التيبِت، تركمانستان، أُوزبكستان)، وشرق آسيا (الصين، هونغ كونغ وماكاو، اليابان، منغوليا، كوريا الشمالية والجنوبية، تايوان). والمفارقة أَنَّ مُدَوِّني الكتاب المقدس رأَوا أَنَّ الفينيقيين تكلَّموا مثلَهم لغة سامية، فاعتبروهم يتحدَّرون من حام بدلًا من سام.
من أَين جاؤُوا
المؤَرخون الأَغارقة والرومان بحثوا في أُصول الفينيقيين، وجاؤُوا بخلاصات مختلفة. فالمؤَرخ والجغرافي اليوناني هيرودوتُس (484-425 ق.م.) وجد أَنَّ الفينيقيين جاؤُوا من البحر الإِريتْريّ (بما فيه خليج عدَن وعُمَان والقرن الأَفريقي وشبه الجزيرة العربية). بينما الجغرافي الإِغريقي سْتْرابون (64-24 ق.م.) والعالِم الروماني پْلينيُوس الثاني (24-54 م.) وجَدَا أَنَّ الفينيقيين يتحدَّرون من منطقة الخليج الفارسي/العربي غربيَّ آسيا (بين إِيران وشمالي شبه الجزيرة العربية، يتَّصل بالمحيط الهندي عبر مضيق هُرمُز، وحوله إِيران والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين وقطر والإِمارات العربية المتحدة وعُمان). بينما المؤَرخ اللاتيني/الروماني يوستِنيانوس (القرن الثاني الميلادي) يجد أَنَّ الفينيقيين نزَحوا صوب المشرق على أَثر زلزال هائل في أَرض بلادهم الأَصلية. ولا يحدِّد يوستِنيانوس لذاك الزلزال مكانَه وزمانَه، ويرجِّح أَنه حصل في منطقة ما بين النهرين، أَو على شواطئ البحر الأَحمر.
ما خصائص الفينيقيين؟
هذا ما أُعالجه في الحلقة المقْبلة
الحلقة المقبلة: جزءٌ ثانٍ





