ماهر الطويل
لسنا ضد المقاهي أو المطاعم، بل على العكس، فهي جزء من الحياة الاجتماعية والترفيهية، وتسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وتوفير فرص العمل. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل أصبح هذا القطاع يستحوذ على جزء كبير من الاستثمارات الجديدة على حساب القطاعات الإنتاجية التي يحتاجها الاقتصاد الأردني؟
يكفي أن نتجول في أي شارع رئيسي أو مركز تجاري حتى نلاحظ أن افتتاح مقهى أو مطعم أصبح الخيار الاستثماري الأكثر شيوعًا. وفي المقابل، تتراجع الاستثمارات في الصناعة، والزراعة، والتكنولوجيا، والمشاريع الإنتاجية، وهي القطاعات التي تبني الاقتصادات القوية وتحقق التنمية المستدامة.
المشكلة ليست في نجاح المقاهي، وإنما في تشبع السوق واختلال بوصلة الاستثمار. فعندما تتدفق رؤوس الأموال إلى النشاط نفسه، تصبح المنافسة شرسة، وتنخفض العوائد، وتزداد حالات التعثر والإغلاق، ويخسر المستثمرون جزءًا كبيرًا من رؤوس أموالهم، بينما لا يحقق الاقتصاد الوطني المكاسب التي كان يمكن تحقيقها لو وُجهت هذه الاستثمارات إلى قطاعات إنتاجية.
وتؤكد المؤشرات الاقتصادية الرسمية أهمية هذا التوجه؛ فقد بلغ إسهام القطاع الصناعي نحو 24% من الناتج المحلي الإجمالي، ويرتفع أثره إلى نحو 42% عند احتساب الآثار المباشرة وغير المباشرة، كما يشكل ما يزيد على 92% من إجمالي الصادرات الوطنية، ويضم أكثر من 18 ألف منشأة صناعية توفر فرص عمل مباشرة لما يقارب 271 ألف عامل.
كما أظهرت بيانات النمو الاقتصادي أن القطاع الصناعي كان المساهم الأكبر في نمو الاقتصاد الأردني خلال عام 2025، إذ أسهم بما يقارب 40% من النمو الاقتصادي، وهو ما يؤكد أن الاستثمار في القطاعات الإنتاجية لا يحقق أرباحًا للمستثمر فحسب، بل يقود الاقتصاد الوطني بأكمله نحو النمو.
وفي المقابل، فإن المقاهي والمطاعم، رغم أهميتها الاقتصادية والاجتماعية، تعتمد في معظم نشاطها على الإنفاق المحلي، ولا تسهم في زيادة الصادرات أو إدخال العملات الأجنبية بالقدر الذي تحققه الصناعة أو الزراعة أو التكنولوجيا. لذلك فإن التوسع غير المدروس في هذا القطاع قد يؤدي إلى دوران السيولة داخل النشاط نفسه دون خلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد.
إن الاقتصاد الأردني لا يحتاج إلى عشرات المقاهي المتجاورة التي تتنافس على الزبون نفسه، بقدر ما يحتاج إلى مصانع جديدة، ومشاريع زراعية حديثة، وشركات تقنية، وصناعات غذائية، ومشاريع تصديرية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
ولا تقع المسؤولية على المستثمر وحده فالمستثمر يبحث بطبيعة الحال عن الفرصة الأسهل والأقل مخاطرة. لكن المسؤولية الأكبر تقع على الجهات المعنية بوضع السياسات الاقتصادية، من خلال تقديم حوافز حقيقية للاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتسهيل إجراءاتها، وتوفير التمويل المناسب لها، حتى يصبح الاستثمار في الإنتاج أكثر جاذبية من الاستثمار في الأنشطة الاستهلاكية المتكررة.
إن قوة الاقتصاد لا تُقاس بعدد المقاهي التي تفتح أبوابها كل يوم، بل بعدد المصانع التي تبدأ الإنتاج، وحجم الصادرات التي تغادر الموانئ، وعدد الشركات التي تبتكر وتنافس في الأسواق العالمية.
لقد آن الأوان لإعادة رسم خريطة الاستثمار في الأردن، بحيث تقوم على التوازن والتنوع، لا على التكدس في قطاع واحد. فالمستقبل الاقتصادي لا تصنعه المشاريع المتشابهة، بل تصنعه الاستثمارات التي تنتج، وتصدر، وتبتكر، وتخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني
The post هل أصبح الاستثمار في المقاهي الخيار الأسهل.. والأكثر خطورة على الاقتصاد؟ appeared first on السبيل.
