بشكل تدريجي، راحت الأجواء الإيجابية تتبدّد فوق أوكرانيا، بعدما وجدت البلاد نفسها أمام سلسلة من المشاكل المتلاحقة، منذ أواسط تموز/يوليو تقريباً.
المشكلة الأولى والأكثر تداولاً هي انخفاض مخزون دفاعاتها من "الباتريوت". تسببت الحرب على إيران في استهلاك المخزونات العالمية من هذه الصواريخ. لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يشير إلى أنّ أميركا لا تزال قادرة على تقديم المساعدة.
يقول زيلينسكي إن لدى بلاده نحو 1 في المئة فقط من مخزون الصواريخ الأميركية، وإنّ رفع هذه النسبة إلى 5 في المئة سيقدّم حماية كبيرة لأوكرانيا خلال الشتاء المقبل. بحسب تقرير أوكراني، أمضت منصّة إطلاق محلية قرب العاصمة من دون تشغيل طوال 6 أسابيع، بسبب توقف إمداد الذخائر. فجر الخميس، استهدف أكثر من 20 صاروخاً روسياً العاصمة الأوكرانية في دقائق.
أوكرانيا بمواجهة ترامب... وفانس وماسك
قبل نحو أسبوعين، تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن فكرة منح كييف ترخيص صناعة "الباتريوت" على أراضيها. وفي أواخر الشهر الماضي، طالب نائبه جي دي فانس زيلينسكي بالتوقف عن استهداف ناقلات نفط تابعة لكونسورتيوم ينقل الخام الكازاخي إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود، بسبب انخراط شركات أميركية في جزء من المشروع.
وفي شهر تموز/يوليو وحده، عطّلت أوكرانيا نحو خُمس إمدادات النفط إلى الميناء من خلال مسيّراتها. قبِلت أوكرانيا بوقف الاستهداف رغبة منها بالحصول على الترخيص الصناعي للصواريخ. يبدو أنّها تخسر على الضفتين.
في الوقت نفسه، تعجز أوكرانيا عن إقناع الملياردير إيلون ماسك بمنحها الاتّصال بشبكة "ستارلينك" للتمكن من ضرب الصواريخ في العمق الروسي. صحيحٌ أن صلتها الوحيدة مع ماسك أصبح خارج الحكومة الآن: وزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف. لكن حتى في عمله من خلف الكواليس، يبدو أنّ فيدوروف عاجز عن إقناع ماسك بمنح بلاده القدرة على استهداف الصواريخ الروسية، خشية من التصعيد، كما ذكرت مصادر "ذي أتلانتيك" الأميركية.
أوكرانيا... بين الحرب والانتخابات
بعد إقالة فيدوروف وقائد الجيش السابق أولكسندر سيرسكي، كان من المفترض أن يطوي زيلينسكي صفحة التوترات الداخلية. لكن الشارع لم يهدأ وطالب الرئيس بإعادة تعيين الشاب وزيراً للدفاع. رفض زيلينسكي. فجأة، حذّر فيدوروفعبر فيديو الثلاثاء من الفساد وطالب بإجراء انتخابات ولو في ظل الحرب للتخلص من "أزمة الحوكمة النظامية". وأضاف أن "الناس لا يمكنهم العيش إلى ما لا نهاية في دولة لا يفهمون فيها لماذا يتم اتخاذ قرارات معيّنة". كان ذلك تلميحاً إلى التشكيلات الحكومية الأخيرة التي راح ضحيّتها.
لكنّ كبير مراسلي "فايننشال تايمز" في كييف كريستوفر ميلر نقل أجواء سياسية وشعبية مستاءة من تصريح فيدوروف. ربما تتوقف أخيراً كرة الثلج السياسية هذه عن التدحرج، بسبب انشغال الأوكرانيين أولاً وآخراً بالحرب وتداعياتها. ويبدو أن تلك التداعيات لم تعد ميدانية وحسب.
حصار جديد
تمكّنت روسيا من تصعيد قصفها ضد سفن الشحن المدنية المتوجهة من وإلى ميناء أوديسا الحيوي. منذ 19 تموز/ يوليو، لم تعد غالبية سفن الشحن تجرؤ على مغادرة أو دخول الميناء بعد إغراق سفينة تركية ومقتل 10 أشخاص من طاقمها. ولا تزال أوكرانيا بحاجة إلى تصدير نحو 50 مليون طن من الحصاد بحسب "إيكونوميست"، مع إمكانية تكبد البلاد نحو 11 مليار دولار كخسائر زراعية، إذا استمر الحصار الروسي لفترة طويلة.

في وقت تتوجه أوكرانيا إلى فترة أصعب كان يُفترض أن تبدأ في الشتاء لا الصيف، تُظهر هذه المؤشرات أنّ الحربتأبى أن تستقر على مسار واحد. فتبادل الزخم والمبادرة بين الطرفين هو العنوان الأهم لهذه الحرب.




