... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
254378 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5422 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

حكامة الماء قبل إنتاج الأرض : نحو بلورة استراتيجية فلاحية مغربية وفق المحدد المائي.

أخبار محلية
أشطاري 24
2026/04/24 - 15:45 503 مشاهدة

– بقلم فؤاد بوجبير، باحث في علوم التدبير (متخصص في التدبير العمومي والسياسات العمومية)

 

 

 

*المقدمة / وهم الوفرة وبروز تحلية مياه البحر*

 

قد يحدث أحيانًا أن تُخفي انتعاشة ظرفية هشاشةً بنيوية. فالتاريخ الاقتصادي حافل بلحظات أدى فيها تحسن مؤقت في مؤشر ما إلى تأجيل إصلاح كان لا مفر منه. والوضعية المائية الحالية في المغرب تندرج تحديدًا ضمن هذه المنطقة الرمادية : لا هي كارثة وشيكة، ولا هي عودة إلى الوضع الطبيعي.

 

فمع ارتفاع نسبة ملء السدود إلى حوالي 75%، وتساقطات مطرية شتوية وُصفت مؤخرًا بأنها أنهت فترة جفاف قاسية دامت سبع سنوات، يتنفس البلد الصعداء. لكنه لا يتعافى. لأن وراء هذه الأرقام تختبئ حقيقة أعمق: المغرب ما يزال يعاني بشكل هيكلي من إجهاد مائي، مع تراجع مستمر في نصيب الفرد من الموارد المائية على مدى عقود.

 

ما غيّر معادلة الماء في المغرب بشكل عميق، وأصبح اليوم معطى استراتيجيًا لا يمكن تجاهله، ليس فقط دورات الأمطار، بل الطفرة اللافتة في الموارد المائية غير التقليدية : تحلية مياه البحر. فالمملكة تتوفر اليوم على 17 محطة لتحلية المياه بطاقة تقارب 350 مليون متر مكعب سنويًا. وهناك أربع محطات أخرى قيد الإنجاز ستضيف حوالي 540 مليون متر مكعب في أفق 2027، إلى جانب مشاريع أخرى مبرمجة بهدف بلوغ طاقة إجمالية تصل إلى 1.7 مليار متر مكعب سنويًا بحلول 2030.

 

في هذا السياق المتجدد، قد يبدو الاحتفال مغريًا. لكنه سيكون خطأً استراتيجيًا. فكما كتب فرناند بروديل : “الأحداث هي زبد التاريخ، أما البنيات فهي عمقه”. والبنية المائية للمغرب لم تتغير، بل تحولت. فتحلية المياه لا تعوض المطر، بل تعيد تعريف الولوج إلى الماء، من خلال إدخال مورد جديد، مكلف، وذو أبعاد جيوسياسية.

 

إنها اللحظة التي ينبغي اغتنامها لإعادة التفكير جذريًا في الاستراتيجية الفلاحية الوطنية، ليس انطلاقًا من أهداف الإنتاج فقط، بل من منطلق الإكراه المائي والقدرات الجديدة التي توفرها تحلية المياه. فهذا القيد أصبح محوريًا في الاقتصاد الوطني، يؤثر في الفلاحة والطاقة والتعمير وحتى الجغرافيا السياسية.

 

وهذا التوجه ليس غريبًا عن الرؤية الاستراتيجية التي ما فتئ يؤكد عليها جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في خطاباته، حيث شدد على الأمن المائي كركيزة للسيادة الوطنية، داعيًا إلى تدبير عقلاني وتضامني واستشرافي للماء، خاصة في العالم القروي. ولا يمكن للإصلاح الفلاحي المرتقب إلا أن يكون امتدادًا منسجمًا مع هذه الرؤية التي تدمج اليوم مياه البحر كمورد استراتيجي، لا كحل تقني ظرفي.

 

 

1/ *استراتيجية فلاحية تاريخيًا منفصلة عن الماء*

 

على مدى قرابة عقدين، ارتكزت السياسة الفلاحية المغربية على برنامجين رئيسيين : مخطط المغرب الأخضر ثم استراتيجية الجيل الأخضر. وقد حققت هذه السياسات مكاسب مهمة، من بينها تحديث السلاسل الإنتاجية، وزيادة الصادرات، وتحسين جودة بعض المنتجات، وهيكلة الفلاحة التجارية.

 

غير أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات أبرز خللًا جوهريًا : ضعف ربط الاختيارات الفلاحية بالموارد المائية المتاحة فعليًا، سواء التقليدية أو غير التقليدية. فقد شهدت الأحواض المائية التي تعاني من عجز توسعًا في الزراعات المستهلكة للماء، مثل الحوامض والبطيخ والأعلاف المكثفة، دون مراعاة القيود الطبيعية، مما أدى إلى استنزاف الفرشات المائية.

 

هذا التناقض، الإنتاج المكثف حيث الماء نادر، يعكس تصورًا إنتاجويًا للفلاحة، يعتبر الماء مجرد مدخل تقني يمكن تعبئته بلا حدود، بدل كونه قيدًا استراتيجيًا. وتحلية المياه، رغم أهميتها، لا يمكن أن تمحو هذا الخلل البنيوي.

 

 

2 */ وهم النجاعة : حين تستهلك الحداثة أكثر مما توفّر*

 

من أبرز ما كشفه تقرير المجلس الأعلى للحسابات تفكيك خطاب “النجاعة المائية”. فقد تم الترويج لنظام السقي بالتنقيط كحل ثوري، غير أن مكاسب الاقتصاد في الماء غالبًا ما أُبطلت بفعل توسيع المساحات المسقية.

 

أما تحلية المياه، فهي توفر موردًا إضافيًا مهمًا، لكن بتكلفة طاقية ومالية مرتفعة. وبالتالي، فإن حكامة هذه المياه لا تعني فقط إنتاجها، بل توجيهها بشكل أمثل، بين الاستعمالات الحضرية والفلاحية. فبدون تنظيم، قد تتحول النجاعة التقنية إلى عامل تفاقم للاختلالات.

 

 

3 */ حكامة مجزأة وقصر نظر ترابي*

 

تعاني إدارة المياه الفلاحية في المغرب من تشتت مؤسساتي، حيث تعمل سياسات الماء والفلاحة والطاقة والتخطيط الترابي بشكل منفصل.

 

ويزيد تطوير تحلية المياه من تعقيد هذا الوضع، إذ يتطلب تنسيقًا دقيقًا في اختيار مواقع المحطات، ومصادر طاقتها، وتوزيع استعمالاتها. وكما بينت إلينور أوستروم، الحائزة على جائزة نوبل، فإن الموارد المشتركة لا تُدار بفعالية دون مؤسسات ملائمة لخصوصياتها. فالحوض المائي ليس مجرد تقسيم إداري، بل منظومة متكاملة. وتحلية المياه تضيف بعدًا ساحليًا جديدًا للحكامة.

 

 

4 */ لماذا اللحظة الحالية حاسمة*

 

الإصلاح في زمن الندرة الحادة يؤدي إلى قرارات قاسية، وفي زمن الوفرة الوهمية يؤدي إلى الجمود. أما الإصلاح في مرحلة انتقالية، كالتي يعيشها المغرب اليوم، فيتيح اتخاذ قرارات متوازنة.

 

إن رفع القدرة الإنتاجية لتحلية المياه إلى 1.7 مليار متر مكعب سنويًا بحلول 2030 يتطلب رؤية واضحة: كيف سيتم توزيع هذه المياه؟ كيف سيتم التوفيق بين الحاجيات المختلفة؟ وكيف ستُدمج هذه القرارات ضمن حكامة شاملة للأحواض المائية؟

 

 

5 */ تغيير السؤال : من “ماذا ننتج؟” إلى “أين وبأي ماء؟”*

 

جوهر الإصلاح ليس تقنيًا، بل مفاهيمي. المطلوب هو الانتقال من فلاحة موحدة إلى فلاحة ترابية، تراعي التوازنات المائية لكل حوض، وتدمج تحلية المياه خاصة في المناطق الساحلية.

 

في الأحواض المتوازنة، يجب التركيز على القيمة المضافة بدل الكميات. وفي الأحواض المتوترة، ينبغي تثبيت المساحات الزراعية وإعادة توجيه الزراعات. أما في الأحواض التي تعاني عجزًا هيكليًا، فيجب تبني فلاحة مقاومة، قائمة على محاصيل أقل استهلاكًا للماء، مع دعم محدود من المياه المحلاة.

 

 

6 */ إصلاح أدوات السياسات العمومية*

 

لن يكون أي تحول ذا مصداقية دون مراجعة أدوات السياسات العمومية. يجب إعادة توجيه الدعم الفلاحي ليراعي تكلفة المياه المحلاة، ويرتبط بمدى ملاءمة الزراعات مع الموارد المائية.

 

كما ينبغي إحداث مجالس فلاحية على مستوى الأحواض والسواحل، تضم مختلف الفاعلين. وتبقى الشفافية عنصرًا أساسيًا، من خلال نشر معطيات سنوية حول استعمال المياه حسب الأحواض والقطاعات.

 

 

*الخاتمة / الماء كحد مؤسس، بما في ذلك التحلية*

 

لم يعد الماء مجرد عامل من بين عوامل الإنتاج، بل أصبح الحد الاستراتيجي الذي ينبغي أن تُبنى عليه الفلاحة المغربية. وتحلية المياه ليست موردًا إضافيًا فحسب، بل عنصرًا بنيويًا في هذه المعادلة الجديدة.

 

لقد قدم تقرير المجلس الأعلى للحسابات تشخيصًا واضحًا، والوضع الحالي يوفر فرصة ثمينة للإصلاح. كما أن الرؤية الملكية ترسم الطريق نحو الأمن المائي والاستدامة.

 

ويبقى التحدي اليوم سياسيًا بالأساس : تحويل هذه الفرصة إلى إصلاح، وهذا الإصلاح إلى إرث دائم.

 

فالسؤال الحقيقي لم يعد : كم ننتج؟ بل : أين ننتج، وبأي ماء، ومن أجل أي مستقبل جماعي؟

The post حكامة الماء قبل إنتاج الأرض : نحو بلورة استراتيجية فلاحية مغربية وفق المحدد المائي. appeared first on أشطاري 24 | Achtari 24 - جريدة الكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤