
في صالة ثالثة نجد أعمالا عربية أخرى من سوريا ولبنان، أبرزها للفنانة السورية عزة أبو ربيعة التي كانت إحدى ناشطات الثورة السورية وتعرضت للاعتقال في دمشق عام 2015، وبسبب وجود علاقة ما لها مع "الخيط" القطني، كما قالت، وجدناه من مكونات لوحاتها المعروضة إلى جانب الألوان والخطوط، إذ تعتبره "عنصرا مقاوما".

وهناك أعمال أخرى من لبنان لنبيل نحاس وهالة عز الدين، ومن سوريا علاء شرابي. وفي صالة أخرى تعرض المصممة والمهندسة اللبنانية ديانا غندور مجموعة من تصميماتها بين النحت والتركيب في انسياب أنثوي متناغم.

وخصص صالة أخرى معظم عرضها للفنان المغربي عبد الملك بريس الذي تميز بلوحاته ذات الطابع الشرقي الزاهي بألوانه ونقاطه المتشابكة مع الخطوط المشكلة لعوالمه من القصص والأحلام.
في إطار اللوحة
ما يلاحظه زائر المعرض الباريسي الشهير، هو أنه لا يزال يحافظ على تقاليد الفن الحديثة التي تحرص على بناء الأشكال المؤطرة في الألواح أو في المساحات المخصصة للمنحوتات، وهي بذلك لا تخرج إلى فضاء ما بعد الحداثة الخارج عن إطار اللوحة ومساحات وتقاليد العرض.
لذا، بدت معظم الأعمال التجريبية المعاصرة تعمل ضمن هذه الأطر التقليدية المؤسسة للحداثة، حتى ونحن نرى تكوينات مختلفة للفضاء التشكيلي كالرسم على الزجاج ومع المرايا، والنحت في الأحجار والأخشاب والرسم عليهما، وتشكيل الخزفيات والسيراميك والنسيج، وجمع مواد "كولاج" متعددة من البقايا الكرتونية والزجاجية والأشياء اليومية المستخدمة. وهناك صالات مخصصة للقصص المصورة وللتصميمات المعمارية والطاولات والكراسي المنزلية. وهنا سنلاحظ إدماج الكثير من الفنون التشكيلية بعضها ببعض كالرسم والنحت والنقش والزخرفة والنسيج.
ويبدو لمتابع حركة الفن التشكيلي، أن بعض التجارب التي كانت تصنف ما بعد حداثية، صارت مكرسة كتقاليد فنية تعمل ضمن أطر محددة، تحظى بتقدير إدارات المعارض. فيما تظل بعض التجارب الجريئة خارج المعارض الفنية التقليدية، وإن تبنتها بعض الصالات الفنية، خاصة تلك التي تستخدم مؤثرات صوتية وحركية.
في هذا المستوى من العرض، سيلاحظ المشاهد أن الأعمال المعروضة لا تزال تقدم له حوارا بصريا بين التشخيصي بمحددات معالمه والتجريدي، سواء في تقليدية مدارسه الفنية أو في منحاه التجريبي المعاصر.
بابل والذاكرة
تتنوع أعمال المعرض، الذي أقيم من 9 إلى 12 أبريل/ نيسان الحالي، بشكل لا يمكن المشاهد أن يحدد مساراتها في إطار محدد. مع هذا، حددت إدارة المعرض من بين 165 عارضا فرنسيا وعالميا من نحو عشرين دولة، مسارين لمجموعة من الأعمال تعرض ضمن صالات العرض، الأول بعنوان "بابل- الفن واللغة في فرنسا" وفيه أعمال 20 فنانا يستكشفون في تجاربهم الإمكانات الحروفية للغات بتشكلاتها المشخصة والمجردة. فبدت بعض الأعمال الحروفية للمشاهد أنها من مكونات لغة ما، فيما التعريق يقول إنها من لغة أخرى، وذلك بعدما أصبحت الحروف تأخذ شكلا فنيا ظهرت فيه متشابهة في معظم اللغات.
المسار الثاني الذي حددته إدارة المعرض حمل عنوان "الإصلاح"، واستعيد فيه إرث ذاكرة الاستعمار في القرن العشرين، حيث احتوى مجموعة أعمال لفنانين من أفريقيا ومنطقة الكاريبي وأميركا الجنوبية، مثل الجزائري محمد اسياخم، إلى جانب ويلسون تيبيريو وجيرمين كاس وإيبا نداي وفيكتوار وافيلونانوسي.

ما يمكن التنويه إليه هنا، أن الأعمال التي حملت طابعا محليا، بدا أنها تحاول أن تقدم جمالية فنية خاصة مرتبطة بالهوية الفنية للبيئة مثل أعمال الغينية سارفو ايمانويل أنور والإيراني المغربي عبد الملك بريس واليمني ناصر الأسودي والإيرانية شادي غديريان.
بعض أعمال هؤلاء قدمت حكايات بصرية من أمكنة مختلفة، وبعضها كان بمثابة مفاتيح أولى لذاكرة المشاهد، تنقله إلى أزمنة وحكايات عاشها هو، ووجد خلاصتها في لوحة ما أو في حركة لون وخط. ومن ذلك ما وجدناه في الاشتغال على الجسد بلحظاته المختلفة كما في لوحات السورية ليلى مريود، حيث الجسد يتكوم على بعضه في لحظة ألم، أو كبت، وربما صراخ داخلي يحمل وجع دهر.
إلى ذلك، فإن الفن المعاصر وقد صار يمضي في علاقة حوارية مع المشاهد، فإن معظم الأعمال ستبدو كتغذية بصرية جمالية، فقط. وتكمن فلسفتها الجمالية في هذه المساحات الحرة التي تتكون فيها الأشكال بذاتها.
ويمكن القول إن في هذه التغذية البصرية تكمن "المقاومة" التي كانت من مسارات المعرض المرتبطة بالاستعمار. وهي مقاومة جمالية أمام خراب يتسع كل يوم، في عالم تتفكك أوصاله وحكاياته وتبهت ألوانه، ولم يعد أمامه سوى أصابع فنان تعيد تشكيل ما تبقى في لوحة أو مساحة حرة حفاظا على الحياة.








