حدادين تكتب: مدوّنة الحجر والخيط.. مادبا وجاراتها بروح ابنة الأرض ـ بقلم: الدكتورة هبه حدادين
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
حدادين تكتب: مدوّنة الحجر والخيط.. مادبا وجاراتها بروح ابنة الأرض الدكتورة هبه حدادين حدادين تكتب: مدوّنة الحجر والخيط.. مادبا وجاراتها بروح ابنة الأرض الدكتورة هبه حدادين مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/20 الساعة 15:15 أن تكتب عن مادبا وأنت تقف في باحاتها الأثرية، يختلف تماماً عن أن تكتب عنها وأنت تولد من رحم جبالها، وتشتمّ رائحة صوف العواسي المغزول في قراها، وتوقظك في الصباحات نبرة "المقصلة" وهي تُهذب حجر الجبل الكلسي. مادبا بالنسبة لنا، نحن أبناء وبنات هذه الأرض، ليست محطة في دليل سياحي، بل هي "الأم" التي علّمتنا الصبر، و"المعلمة" التي لقنتنا كيف يُستنطق الطين، وكيف يُحوّل الحجر الصامت إلى لغة عالمية تقرأها كل شعوب الأرض.دعوني آخذكم في جولة مغموسة بوجدان "بنت البلد" وخبرتها التوثيقية، لنرى كيف تتنفس الحرف اليدوية في مادبا، وكيف تفيض قراها -من ماعين الحارة بعيونها الشافية إلى أعالي جبل بني حميدة المطل على البحر الميت ووادي الموجب- بإرثٍ يأبى النسيان.في مادبا، لا نمشي فوق إسفلت أو أرصفة عادية، بل نطأ كلمات وتاريخاً مرتباً بعناية. لقب "مدينة الفسيفساء" ليس مجرد شعار براق، بل هو هوية وُلدت مع أجدادنا كابراً عن كابر. هنا، في كنيسة القديس جورج، ترقد "خريطة الأرض المقدسة" منذ القرن السادس الميلادي؛ أقدم خريطة جغرافية فسيفسائية في العالم، لم تكن يوماً مجرد لوحة يتأملها الزوار، بل هي بوصلتنا الحضارية، وشهادة ميلادنا على هذه الأرض.اليوم، ما زال صوت "المقصلة" -تلك الأداة الحديدية الدارجة في الورش- يتردد كسمفونية يومية. يذهب جيراني وأبناء عمومتي إلى جبالنا الشامخة، ينتقون الحجارة الكلسية (Limestone) بألوانها الطبيعية، ويطعمونها أحياناً بالبازلت الأسود القادم من الشمال لإبراز التباين اللوني، ثم يقطعونها بصبر أيوب إلى مكعبات دقيقة تُعرف علمياً بـ "التسرّات" (Tesserae)، بقطع وميلان هندسي مدروس يعكس الضوء ويمنح اللوحة بريقاً حياً.ولأننا ندرك قيمة هذا الإرث، تكاتفت الجهود الأكاديمية عبر "معهد مادبا لفن الفسيفساء والترميم" (MIMAR) بالتعاون مع جامعة اليرموك، ليكون المنارة التي تضمن بقاء هذه الحرفة كعلم وفن محمي بأعلى معايير الصيانة العالمية.إذا غادرنا قلب المدينة صعوداً نحو جبال بني حميدة الشاهقة، والمطلة على قريتي "ماعين"، ستستقبلنا رائحة صوف الأغنام المقترن بعزة الصحراء والقرية. هنا...





