🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
1,069,701 مقال 401 مصدر نشط 228 قناة مباشرة 3,438 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

جي دي فانس: من البروتستانتية للكاثوليكية ومن المحافظة لما بعد الليبرالية

تعليم
حبر
2026/08/02 - 13:43 502 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis

جي دي فانس يستعرض في كتابيه رحلته من الفقر إلى النخبوية، ومن الإيمان البروتستانتي إلى الكاثوليكية.

الكتاب الثاني يأتي في وقت حساس مع استعداداته للترشح للرئاسة عام 2028، مما يجعل البعض يعتبره دعاية سياسية.

يتناول فانس في كتابه الثاني تأثير الإيمان على نظرته للأحداث السياسية والشخصية، مستعرضًا فلسفته حول الدين والمعاناة.

خلال عشر سنوات، قدم نائب الرئيس الأميركي كتابين عن حياته يمثلان نافذتين مهمتين للإطلال على ملامح شخصية ثاني أهم مسؤول في النظام السياسي الأميركي، ومَن يبدو أنه سيغدو أهم مرشح لانتخابات الرئاسة الأميركية في 2028. 

خصص فانس كتابه الأول «مرثية القروي» الصادر في 2016 للحديث عن رحلته الطبقية من كونه ابنًا لعائلة فقيرة مفككة، في كنف جدة تعتاش على المساعدات الحكومية في قلب جبال الأبالاش في ولاية أوهايو، إلى مصافّ النخبة في جامعة ييل، ثم إلى سيليكون فالي وصولًا للاستثمار في قطاع التكنولوجيا. 

أما في الكتاب الثاني الصادر مؤخرًا، «القداس: العثور على طريقي إلى الإيمان»، فيعرض فانس لمسيرته الروحية من الإيمان البروتستانتي إلى الإلحاد ثم الإيمان من جديد، ولكن الكاثوليكي هذه المرة. يقدم الكتاب فانس كرجل يحركه القدر، أو يسعى هو لفهم القدر، علّه يفسر ما جرى ويجري حوله من أحداث، مذ كان طفلًا فقيرًا بلا أم وأب في أوهايو حتى وصوله البيت الأبيض. يقدم الكتاب وثيقة مهمة تعكس طريقة التفكير المشحون دينيًا لفانس في النظر إلى الأحداث التي عايشها سواء منها الشخصية أو المحلية والدولية. كما يستعرض فلسفته اللاهوتية بما يتصل بالإيمان والإلحاد، والإرادة والرحمة الإلهيتين مقابل المعاناة، والفروق بين البروتستانتية والكاثوليكية، وتأثير كل ذلك الدفق الديني على نظرته للسياستين الداخلية والخارجية.

إعلان موقف أم دعاية سياسية؟

في حين جاء نشر الكتاب الأول لفانس قبل توليه أي منصب سياسي، وقبل حتى انتخاب دونالد ترامب وظهور ما بات يعرف بأقصى اليمين الأميركي ولاحقا حركة «ماغا»، يأتي الكتاب الثاني في ظل تبوئه أحد أكثر المراكز حساسية في البلاد مع رئيس هو الأكثر خلافية، وفي ظل ظرف محلي ودولي هو الأعقد منذ هجمات نيويورك 2001، وتوقعات باعتزامه الترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة بعد عامين. لعل ذلك ما دفع كثيرين لاعتبار المؤلَف محض دعاية سياسية. 

«كل بضع سنوات، يمر المرشحون الرئاسيون بطقوس معينة: زيادة في جمع التبرعات، وزيارة الولايات في الانتخابات التمهيدية، حصر وتحضير قائمة سياساتهم الناجحة، وبالطبع نشر كتاب في السيرة الذاتية»، يعلق أحد كتاب موقع فايس الليبرالي على نشر الكتاب، بنبرة تهكمية واضحة. لكن هذا الاستقبال الفاتر، والتهكمي بعض الشيء، لم ينحصر في الصحافة الليبرالية، فحتى وول ستريت جورنال اليمينية والأقرب لإدارة ترامب هذه الأيام، وصفته بـ«كتاب حملات انتخابية متخف بهيئة سيرة ذاتية». 

طبعًا، ليس فانس استثناء بين الساسة الأميركيين في استعراضه تدينه وتأثيره على حياته كمواطن ومسؤول. قبله بعقود، أصدر الرئيس السابق جيمي كارتر مذكراته «حياة كاملة: تأملات في التسعين»، وأسهب فيها بالحديث عن إيمانه الإنجيلي البروتستانتيّ والتزامه الذهاب للكنيسة وتأثيرهما على شخصيته في الحياتين المدنية والسياسية. مستشارة الأمن القومي السابقة كوندوليزا رايس هي الأخرى عرضت بالتفصيل إيمانها وتعلقها بالكنيسة طفلة وشابة، وانعكاس ذلك على فهمها للعالم من حولها في مذكراتها «أشخاص عاديون استثنائيون».

الحديث عن رحلة فانس الدينية قد يكسبه شعبية كبيرة في أوساط المتدينين على اختلاف مشاربهم. «قصتي في استعادة إيماني، بالطبع، حدثت لأنني خسرته ابتداءً»، يقول في مقدمة الكتاب. «السؤال الذي يدور في ذهني ويحاول هذا الكتاب مداورته هو: لماذا ضللت عن الصراط أصلًا؟!». يقدم فانس تحوله العقائدي باعتباره استكمالًا لتدينه البروتستانتي وليس انقلابًا عليه. «لست شخصًا مذهبيًا»، يقول في مؤلفه الواقع في 288 صفحة، «وهذا الكتاب ليس كتابًا مذهبيًا (…) لكنني أشك أنه كان يمكن لي العودة لله لولا الأرضية الروحية التي طورتها في عدد من الكنائس البروتستانتية التي نشأت أتردد عليها». تبدو الإشارة ملحة في إطار الانتخابات، فترك مرشح لمذهب الأغلبية سيجعله موضع تشكك قد يكلفه السباق. 

بالعموم، تعد البروتستانتية الطائفة الأوسع تمثيلًا في قواعد الحزب الجمهوري ما يجعل فانس محتاجًا لأصواتها للفوز في انتخابات 2028، بالتالي مدينًا لها بتوضيح أسباب عزوفه عنها. مهمة ليست سهلة تماما، فالأميركيون درجوا على معاداة الكاثوليكية؛ من سن القوانين التي تجرمها في القرن الثامن عشر في فيرجينيا أو ماساشوستس، إلى نشوء الأحزاب المخصصة لمكافحة وجود أتباعها لدى وصولهم بعشرات الملايين من إيطاليا وإيرلندا نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. وحتى يومنا الحاضر، حين يستخدم الأميركيون مفردة «المسيحية» في لغتهم الدارجة، فهم لا يعتبرون الكاثوليكية مشمولة في الوصف. لذا، قد يوظف الشخص المفردتين في جملة واحدة كأنهما شيئان مختلفان تمامًا، «المسيحية والكاثوليكية». ربما ليس أدل على التهميش الذي تعرضت له الكاثوليكية من أن تاريخ الولايات المتحدة الممتد على ثلاثة قرون تقريبًا منذ الاستقلال، لم يعرف سوى رئيسين كاثوليكيين من بين 45 سكنوا البيت الأبيض، هما الديمقراطيان جون إف كينيدي، وجوزيف بايدن، وهو ما يعني أن الحزب الجمهوري لم يسبق له انتخاب رئيس من هذه الطائفة على الإطلاق؛ حقيقة تجعل من فانس الكاثوليكي، إن أصبح رئيسًا كما يبدو أنه يطمح، استثناءً لم يحدث في تاريخ البلاد.

على أن من المهم التنبه إلى أن تحول فانس المذهبي لم يحدث في الفراغ تمامًا، وقد لا يكون مغامرة سياسية أو قفزة في المجهول من الناحية الانتخابية كما قد يبدو. فالانقسام البروتستانتي الكاثوليكي آخذ بالتراجع بالفعل منذ بضعة عقود. والتحولات الثقافية الكبرى منذ السبعينيات، مثل إجازة الإجهاض أو ما سمي بالثورة الجنسية في الستينيات، أشعرت الكاثوليك والبروتستانت بضرورة التحالف لتصليب القيم المحافظة في المجال الاجتماعي، مع تجنب نقاش اختلافاتهم في المجال العقدي. 

من التشظي الاجتماعي إلى السلطة المركزية

يأتي تحول فانس للكاثوليكية في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة عمومًا ما يشبه الموجة من التحول نحوها. تخبرنا أرقام مراكز الأبحاث الأميركية أن جيل زد من المولودين نهاية التسعينيات، تغيرت نظرتهم للكاثوليكية مقارنة بآبائهم. أما تطبيق الصلاة الأول في الولايات المتحدة «Hallow» فيقول إن أعداد الداخلين للكنيسة الكاثوليكية زادت بنسبة 38% بين العام الحالي والماضي. 

في مؤلفه، يمر فانس على بعض الأسباب التي تدفع هؤلاء للكنيسة الكاثوليكية. ورغم أنه مر عليها بوصفها أسبابه الشخصية، إلا أن التقارير الصحفية والاستطلاعات تشير إليها أيضًا لتفسير الظاهرة. تشمل هذه الأسباب البحث عن الروتين، عن الصلوات المنتظمة في دين مؤسسي بتقاليد وتاريخ عريق يقدم لهؤلاء الشبان بعض السكينة في بحثهم عن معنى ما لوجودهم، والأهم، يمنحهم مجتمعًا يخفف من وطأة عزلتهم في عصر الإعلام الاجتماعي والمواعدة الرقمية. 

عنوان كتاب فانس، «Communion»، يختصر كل ذلك بالفعل. في الكاثوليكية، قد تعني المفردة القدّاس، لكن فانس أراد غالبًا توظيفها لتحمل معنى إضافيًا له علاقة بالتواصل أو التلاقي، في عصر طغت عليه الفردانية.

قد يكون فانس مدركًا لأهمية كل تلك التحولات في الأصوات الشابة، ولعله يحاول بوضعه كتابًا عن رحلته الإيمانية الاقتراب أكثر من تلك الفئات، إذ تنبع أهمية هؤلاء من كونهم بيضة القبان في الانتخابات الأميركية، يعول عليها الديمقراطيون في التغلب على شعبية خصومهم في أوساط كبار السن والفلاحين، فيما ينظر لها المحافظون بوصفها الوسيلة الأكثر فعالية لهزيمة الديمقراطيين أن نجحوا في استمالتها. بالفعل، حدث ما يشبه ذلك في 2024، حين صوت صغار السن لترامب كما لم يصوتوا من قبل لمرشح جمهوري منذ 2008، وقد خلق تصويتهم فرقًا ساهم يإيصاله للمكتب البيضاوي.

بكل الأحوال، يبدو أن هذا التحول العقدي لنائب الرئيس يلقي بظلاله على منصبه ومسؤولياته في إدارة ترامب أيضا؛ كما في ملف الهجرة، مثلًا، وهو واحد من العناوين العريضة لبرنامج البيت الأبيض السياسي وأكثرها إثارة للجدل القيمي. كيف لا، وبابا الفاتيكان كان هاجم سياسات ترحيل المهاجرين التي ينتهجها البيت الأبيض. «إذا كان ثمة أناس يعيشون في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، فهناك طرق للتعامل مع ذلك. هنالك محاكم؛ هنالك نظام للعدالة،» يعلق البابا ليو على قرارات ترامب بالترحيل الجماعي بعد أن وصفها بـ«اللاإنسانية».

على خلفية ذلك، أو بسببه، نجد نائب الرئيس حريصًا في كتابه على وضع مسافة بين إيمانه ككاثوليكي من جهة، واتفاقه أو عدم اتفاقه مع الفاتيكان، من جهة أخرى، خصوصًا حين يقرر الأخير معارضة ما يهم المصوتين الأميركيين المحافظين. «بالطبع لن أتفق مع الفاتيكان دائمًا، وإن تعارضت مصالح بلادي مع آرائهم بالتأكيد سأنحاز للأولى»، يقول فانس، ثم يذهب أبعد من ذلك حين يصف لقائه بدبلوماسيي الفاتيكان بـ«غير المريح» والملتبس لاعتماده على «العظات الأخلاقية المبتذلة والكليشيهات»، فيما يخص سياسات الهجرة. 

التقاطعات بين فانس المؤمن والسياسي لا تتوقف في مجال السياسة الداخلية ولكنها تشمل العلاقات الدولية عبر الأطلسي مع الحلفاء الأوروبيين. حيث ينظر لنشوء وتطور التحالف الغربي عبر عدسة دينية صرفة ويقسمه إلى مرحلتين: الأولى لدى تدشين ما يسمى النظام الدولي القائم على القواعد، في مؤتمر ميونخ 1963، والثانية منذ نهاية التسعينيات وحتى اليوم. ويرصد كيف تلاشت، مع مطلع الألفية، ما يقول إنها هوية مسيحية صبغت العالم الغربي ما بعد الحرب العالمية الثانية بصبغتها، مفسحة المجال لعلاقات دولية أضعفت الغرب والولايات المتحدة معًا عبر إعطاء الأولوية لمتطلبات العولمة واتفاقات التجارة الحرة والهجرة، على حساب الاقتصادات المحلية والهوية الثقافية للغرب. يعتقد فانس أن الأباء المؤسسين لهذه البنية الدولية «كانوا مدركين لما كانوا يدافعون عنه حينها. لم يكونوا يدافعون عن الليبرالية، ولا الديمقراطية ولا الحرية، بل عن الحضارة الغربية المسيحية والقيم الخاصة بها». لكنه ينبه إلى أن تلك القيم تلاشت في أوروبا وأميركا الشمالية، بعد أن فقد الغرب «الإيمان» من الحياة العامة.

«هل كانوا أشرارًا بتسببهم بكل ذلك لبلادنا؟»، يتساءل فانس عن نوايا ساسة الغرب في العقود الماضية، من يصفهم اليمين اليوم، من باب الهجوم، بالنخبة العولمية. «لا أظن ذلك»، يجيب مجادلًا أن هؤلاء حاولوا جهدهم فعل ما هو صائب، لكن ما حدث باختصار من وجهة نظره هو أن إرادة الله حالت دون أن تؤدي تلك السياسات للنتائج المرجوة في الداخل الأميركي بعد أن أزاح الساسة الغربيون المعاصرون الدين من حساباتهم.

يفرد فانس مساحة واسعة في الكتاب للزواج وعزوف الأجيال الجديدة عنه مع تعمق ثقافة المواعدة الرقمية وسهولة بناء وهدم العلاقات. يمر على الإنجاب وانخفاض خصوبة الأميركيين ويربط ذلك بتردي الأوضاع الاقتصادية والتشجيع على الإجهاض. ويفرغ مساحة خاصة لأطفاله ولمعاناته الشخصية مع تروما تجارب طفولته وتجليها على هيئة ما يشبه الخوف المرضي من أن يلاقي أبناؤه لسبب ما مصيرًا مشابهًا لما لقيه في طفولته من تفكك أسري. 

ورغم أن تلك النقاشات تبدو شخصية إلى حد بعيد، ومحزنة في مواضع عدة، إلا إنها هي الأخرى ليست بعيدة عن أجواء الانتخابات وطموحات فانس المرجحة بخوض سباق الرئاسة، إذ أنها جميعًا تقع في القلب من منظومة القيم المحافظة للنواة الصلبة للحزب الجمهوري. ثلاثة من كل أربعة أمريكيين يقولون إن مواقف المرشحين الرئاسيين بشأن القيم الأسرية تعد عاملًا مهمًا في تحديد تصويتهم للرئيس، وفق أحد استطلاعات مركز غالوب.

لكن ما لم يتوقف عنده فانس مطولًا يبدو أكثر أهمية مما توقف عنده. فقد جاء تحوله للكاثوليكية في 2019، على ما يروي، مدفوعًا برغبته بالتعامل مع دين مؤسسي. لكن هذا النزوع نحو سلطة المؤسسة يبدو سياسيًا بقدر ما هو عقائدي، إذ يبدو فانس ميالًا نحو مقولات فشل التجربة الليبرالية والديمقراطية عمومًا ما بعد الحرب العالمية الثانية، والدعوات لاستبدالها بنظام يعيد الاعتبار للسلطة المركزية؛ للحاكم الفرد على المستوى السياسي، والأسرة على المستوى الاجتماعي، والمؤسسة الدينية على الصعيد القيمي. 

بهذا المعنى، يبدو تحول فانس من البروتستانتية المتشظية على شكل مئات التفرعات وآلاف الكنائس المستقلة إلى سلطة الكنيسة الكاثوليكية الموحدة المتماسكة، متوازيًا ومتماهيًا مع تأثره بمقولات الردة عن تعدد الليبرالية، أو تشظيها على مستوى الأفكار الناظمة للمجتمع وهويته، إلى سلطة المركز التنفيذي القوي. 

روافد فكر فانس

لعل من المهم في هذا السياق تذكر أن الثورة اللوثرية التي أسست للبروتستانتية كانت المقدمة الأولى للانتقال من الحكم المطلق في أوروبا إلى الليبرالية السياسية التي تعيشها القارة اليوم. وبهذا المعنى، يبدو ملفتًا حقًا أن نرى أحد كبار الساسة الأميركيين ينفذ تحوله الخاص على نحو معاكس، أي نحو سلطة الكنيسة والبابا من جديد. يزداد الأمر إثارة للانتباه حين ندرك أن جي دي فانس، على مستوى تفضيلاته المعرفية والفلسفية السياسية، يميل بالفعل نحو طروحات عدد من المفكرين والنشطاء ممن يصدرون عن وعي كاثوليكي محافظ، يؤمن بفشل الليبرالية وضرورة العودة للحكم السلطوي المتدين.

لم يشر فانس في كتابه لباتريك دينين، أستاذ النظرية السياسية في جامعة نوتردام، إلا أن كتاب الأخير «تغيير النظام» الصادر في 2023، يعد أحد أهم مصادر التأثير المعرفي لنائب الرئيس. في مؤلفه، يجادل دينيين بضرورة «الثورة سلميًا» لتغيير النظام الليبرالي القائم واستبداله بآخر يعزز القيم المحافظة والدين عوض حماية الحريات الفردية؛ أي إلى ما يسميه «نظام ما بعد الليبرالية». ما يلفت النظر أكثر هو أن جزءًا كبيرًا من أفكار دينيين وجدت طريقها بالفعل، بقصد أو بالصدفة، إلى قرارات البيت الأبيض منذ تنصيب ترامب وفانس؛ مثل مطالباته بسياسات اقتصادية «مؤيدة للأسرة وللعمال»، مثل التعريفات الجمركية وحوافز التصنيع، ووضع قيود على زواج المثليين أو سياسات حماية النوع الاجتماعي والإجهاض، أو دعوته لانتهاج سياسة خارجية انعزالية في المجال الدولي. كل ذلك يعد ملامح أساسية لسياسات البيت الأبيض اليوم.

لدى انتخاب فانس، وصفه دينيين في بيان بـ«الرجل الذي يتمتع بإيمان شخصي عميق ونزاهة»، وقال إنه «رجل عائلة مخلص، وصديق كريم، ووطني حقيقي». فانس بدوره سبق واعتبر نفسه في 2023 «ما بعد ليبرالي»، واصفًا دوره كعضو في الكونغرس حينها بأنه «معاد للنظام».

عودة فانس للمؤسسة الدينية، أو للدين المؤسسي، إذًا، لا تبدو نزعة عقائدية معزولة عن سياقها السياسي، خصوصًا إذا نظرنا لمصدر آخر من مصادره المعرفية، وهو المدون والناشط اليميني المعروف كورتيس يارفن، الذي يصفه فانس بالصديق ويقر بأنه استعان بأفكاره لتطبيق سياسات الفصل الجماعي التي انتهجتها إدارة ترامب بحق الموظفين الفيدراليين في بداية توليه الرئاسة.

«هناك شاب يدعى كورتيس يارفين ممن يدعون لتفكيك الدولة الإدارية، أو أنه يجب علينا القضاء على الدولة الإدارية. أشعر شخصيًا بالتعاطف مع هذا المشروع. لكن هناك خيارًا آخر هو أنه يجب علينا فقط الاستيلاء على الدولة الإدارية لأغراضنا الخاصة»، يقول فانس في إحدى مقابلاته.

في لقاء ليارفن مع مجلة فانيتي فير، يصف الشاب المتخرج من جامعة براون، إحدى جامعات النخبة، نفسه بـ«الرجعي الجديد»، ويميز بين ذاك وبين أن يكون المرء محافظًا منخرطًا في جدالات الهوية التي يفرض أجندتها النظامُ الذي تسيطر عليه طبقة النخبة المتعلمة الليبرالية، وفق تصوره. يعارض يارفن الفكرة القائلة بحتمية أن تؤدي الليبرالية للتقدم، بل يعتبر تلك الفلسفة أساس تراجع البلاد اقتصاديًا وقيميًا، ويجادل بأن «استعادة» أميركا تحتاج لشخصية «تشبه قيصر»، تنتزع السلطة من يد من يصفها بالأوليغارشية وتستبدلها بنظام ملكي يدار على غرار الشركات الناشئة (Startups).

ثيمة الحاكم الفرد تبدو مشتركة عند أبرز المقربين فكريًا وشخصيًا من فانس، ونجدها أيضًا عند أهمهم على الإطلاق، مؤسس تطبيق «باي بال» بيتر تيل، الملياردير التقني الذي تبنى فانس مبكرًا ودعم حملاته للكونغرس والبيت الأبيض. 

يحيل فانس في كتابه تغير أفكاره بخصوص النخبة والاتجاه الذي تسير فيه الولايات المتحدة إلى ندوة لبيتر تيل حضرها طالبًا في جامعة ييل. تيل، الموصوف باليميني المحافظ، من بين القلة من مليارديرات سيليكون فالي ممن يجهدون في مداورة أسئلة فلسفية كبرى تتعلق بالحضارة الغربية، والتنوير، ومستقبل الغرب والديمقراطية. وله مقالات مطولة يتناول فيها كل ذلك في ضوء أفكار الفيلسوف، الذي بات الأب الروحي لليمين الأميركي، ليو شتراوس (والذي يوصف أتباعه في الولايات المتحدة بالشتراوسيين)، إضافة طبعًا لتأثره الواضح بالفيلسوف الألماني المحافظ كارل شميت، والفرنسي رينيه جيرارد وغيرهم. في الواقع كان تيل هو من عرّف فانس على أفكار أستاذ الأدب في ستانفورد رينيه جيرارد، كما يقول فانس في كتابه.

لدى الاطلاع على أفكار تيل، صاحب الأثر الأكبر سياسيًا ومهنيًا على جيدي فانس، يبدو الملياردير الأرثوذوكسي المتدين متشككًا في قدرة الديمقراطية على تحقيق تطلعات المجتمعات نحو الرخاء والتقدم. صحيح أن تيل لا يتحدث صراحة عن شكل البديل السياسي الذي يفضله لكن ندواته ومقالاته وتفضيله لإدارة الشركات الناشئة بطريقة «سلطوية هرمية» أوحت لنقاده برغبته سحب هذه الفلسفة على المجال العام أيضًا. 

لا شك أن لطروحات ليو شتراوس أثر كبير على التيار اليميني الأميركي. وأبرزها معارضته لما يسمى «النسبية الأخلاقية» في الغرب التي يحمل مسؤوليتها للتيار الليبرالي، وإيمانه بأن الغرب سينحدر بالنهاية نحو العدمية ودعوته العودة لما يسميه «الحقوق الطبيعية»، أي تقريبًا تلك التي نادى بها بلوتو وأرسطو، عوض الارتهان لـ«قيم الحداثة». باتت أفكار شتراوس تستخدم من قبل أنصار ترامب كإطار نظري يحاول أن يوقف شعبوية الرئيس غير المصقولة فكريًا على أرضية فلسفية عميقة.

لنأخذ مثلًا الحرب التي يخوضها فانس وترامب ضد ما يسمونه الدولة العميقة، فهي شديدة الصلة بأفكار «الشتراوسيين» عمّا يسمى الأصولية الدستورية (Constitutional originalism) والتي تقول بوجود مبادئ ومصالح كلية حماها الدستور الأميركي ليست خاضعة للفهم النسبي وأن هذا الدستور لا يجب أن يتغير تفسيره في الزمن، تمامًا كما يجادل بعض رجال الدين بصلاحية النص الديني لكل زمان ومكان وعدم إتاحته للاجتهاد. من هذه الفكرة، ولدت النزعات لدى تيار ترامب للانفراد في القرار، وتجاهل القضاء، أو طرد الآلاف من الجهاز البيروقراطي، باعتبار أن التوسع في صلاحيات الرئيس المنتخب مقابل البيروقراط غير المنتخبين هو الغاية الأساسية من التشريع الدستوري كما أراده الآباء المؤسسون.

ورغم أن شتراوس صهيوني، إلا أن أفكاره انعكست باتجاهين مختلفين على المحافظين. فظهر شتراوسيو الساحل الشرقي ممن سموا بالمحافظين الجدد، وشتراوسيو الساحل الغربي ممن سموا بـ«ماغا». وفي حين وظف المحافظون الجدد أفكار هذا الفيلسوف لدعم سياساتهم التدخلية لنشر الديمقراطية وتمتين العلاقة مع «إسرائيل» كواحة لها في الشرق الأوسط، ينظر أنصار «ماغا» للولايات المتحدة بطريقة «واقعية» تركز على المصالح الجيوسياسية دون اعتبار لقيم الديمقراطية والليبرالية لا داخليًا ولا في العلاقة مع «إسرائيل» أو بقية دول العالم. ولأن الأخيرة في عرفهم مجرد دولة لها مصالح مع واشنطن فقط، ينادي فانس وكثيرون في حركة «ماغا» بالتوقف عن تقديم المساعدة لها، بل والتأكيد، كما فعل فانس في أكثر من لقاء، على أن مصالح البلدين لا تتقاطع دائمًا بالضرورة.

صحيح أن فانس يتحاشى نقاش هذه الأفكار التي يتبناها المقربون منه وأصدقاؤه خشية كلفتها الانتخابية المرتفعة، لكن خطاباته ومواقفه وحماسه الديني في كتابه هذا تؤشر بوضوح على توافقه مع جلها. لكن، كما هو حال السياسة الأميركية على الدوام، ليس واضحًا إن كان نائب الرئيس سيملك الإرادة والقدرة على التمسك بهذه المنظومة الفكرية بحرفيّتها في مواجهة إغراءات وضغوطات التمويل بعد عامين. وإن فعل، هل ستسمح له بنية النظام الانتخابي بالوصول للبيت الأبيض.

المصدر: حبر | Source: حبر
💡 لماذا يهمك هذا | Why This Matters

جي دي فانس يستعرض في كتابيه رحلته من الفقر إلى النخبوية، ومن الإيمان البروتستانتي إلى الكاثوليكية.

الكتاب الثاني يأتي في وقت حساس مع استعداداته للترشح للرئاسة عام 2028، مما يجعل البعض يعتبره دعاية سياسية.

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن تعليم | More on Education

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم تعليم. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: حبر. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of Education. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: حبر. Tags: dress code, university, business attire.

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
🔍
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free