🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
389880 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 4919 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

Goodbye June مرثية صامتة لأولئك الذين احترقوا كي لا ينطفئ من حولهم

العالم
إيلاف
2026/05/18 - 23:55 501 مشاهدة
ليلى أمين السيف هناك بشر لا يسقطون لأن الحياة كانت رحيمة بهم، بل لأنهم أدركوا مبكراً أن سقوطهم رفاهية لا يملكونها. أناس يمضون أعمارهم كاملة وهم يؤجلون أنفسهم. أحلامهم الصغيرة، تعبهم، نومهم، صحتهم، وحتى حقهم في الانهيار فقط لأن هناك دائما شخصا آخر يحتاجهم أكثر. هؤلاء لا يعيشون كما يعيش الناس عادة. إنهم يعيشون كالجسور يعبر فوقهم الجميع نحو الأمان بينما يبقون وحدهم تحت ثقل العابرين، يتشققون بصمت نبيل لا يراه أحد. في ردهات الذاكرة السينمائية يبرز فيلم «وداعا جون» ليتجاوز حدوده كصرخة مكتومة الشاشة ويلامس أعمق زوايا الروح الإنسانية. إنه ليس مجرد سرد لقصة عائلة بل هو مرآة تعكس مأساة أزلية تتكرر في بعض بيوتنا حيث يُحسد المرء على واجهة حياة تبدو كاملة بينما هو في الحقيقة يذوي، يستهلك ذاته ويحترق بصمت ليُبقي على تماسك كل من حوله. ففي هذا الفيلم لا نشاهد مجرد حكاية عائلية عن المرض والفقد بل نشاهد تشريحاً مؤلماً للإنسان الذي يتحول مع السنوات إلى وطنٍ يسكنه الجميع بينما يظل هو بلا مأوى. شخصية «كيت ونسليت» في الفيلم لا تبدو للناس امرأة عادية بل تبدو كأن الحياة اختارتها لتكون في الجانب المضيء من العالم. امرأة ناجحة، قوية، متماسكة. تمتلك زوجا، أبناء، بيتا، حضورا يملأ المكان وقدرة غريبة على احتواء الفوضى كلما انفجرت الحياة في وجه الآخرين. لقد كانت العمود الذي يستند إليه الجميع لا بمنطق التضحية المتعمدة ولا بعقلية المنّ بل بطبيعة خُلقت لتحتوي وتمنح. كانت تحمل أثقال من حولها بصمت عفوي حتى استُهلك عمرها وراحتها وهي تبقي الجميع واقفين بينما لم تجد هي يوما من يحمل عنها بعض ما حملت. أختها لم تكن شريرة. كانت فقط ترى الصورة التي يراها الجميع فكانت تراقبها بعين ترى النتيجة ولا ترى الرحلة، ترى الضوء ولا ترى ما احترق ليولد هذا الضوء. تظن أن الحياة منحت أختها ما حُرم منه الآخرون لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة مما يمكن احتماله. البشر لا يحسدون الحقيقة أبدا. بل يحسدون النسخة المصقولة التي يراها الناس. لا أحد رأى كم مرة جلست وحدها بعد نوم الجميع، تحدق في الفراغ لأنها لم تعد تملك طاقة حتى للبكاء. لا أحد رأى ذلك التعب الذي يتراكم ببطء داخل الروح حتى يصبح الإنسان غريبا عن نفسه. لا أحد انتبه أن الذين يبدون أصلب الناس هم غالبا أكثرهم خوفا من السقوط لأن سقوطهم لن يسقطهم وحدهم بل سيسقط كل من احتمى بهم. وهذه هي المأساة التي لا يتحدث عنها أحد.أن يتحول الإنسان من روحٍ لها أحلامها الخاصة إلى وظيفة يؤديها للآخرين. أن يصبح وجوده مرادفا للتحمل. أن يُختصر في كونه «القوي» فقط. وما أقسى أن يراك الجميع قويا بينما كل ما تتمناه في داخلك هو أن يسمح لك أحدهم ولو لمرة واحدة ألا تتحول إلى جدار يلوذ به الجميع عند العواصف بينما تقف أنت في الداخل متصدعا لا تتمنى من الحياة سوى يد واحدة تمتد إليك لا لتطلب منك المزيد بل لتأخذ عن روحك قليلا من هذا الثقل الذي أكل عمرك بصمت. هذه المرأة لم تدللها الحياة أبدا. كانت فقط أكثر الناس استعدادا لدفع الفاتورة عن الجميع. كانت الابنة التي تُخفي خوفها كي لا ينهار والداها. والأخت التي تجمع شظايا العائلة كلما بعثرتها الأيام والأم التي تمنح أبناءها شعورا بالأمان بينما كانت هي نفسها تغرق في القلق. والزوجة التي تحاول إنقاذ حب يتسرب من بين يديها ببطء، كالماء بينما لا تملك الوقت الكافي حتى للبكاء على ما يضيع منها. كانت تعيش في حالة استنفار دائمة كجندي لم يسمع منذ سنوات كلمة «استرح». تطمئن على أم تتآكلها الشيخوخة. تراقب أبا يبتعد عن الحياة بصمت ثقيل. تحتوي إخوة يحمل كل منهم جرحه الخاص. ترعى أبناء يحتاجون إليها في كل لحظة وتحاول أن تبدو بخير طوال الوقت. وما أقسى أن يصبح الإنسان مضطرا لأن يبدو بخير دائما. ومع الوقت لم يعد أحد يراها كإنسان يتعب ويخاف وينكسر بل كشيء ثابت، كجدار، كجزء من البيت موجود دائما ولا يحق له السقوط. أما أختها فقد عاشت حياة أكثر هدوءا. وجدت وقتا للحب، للنزهات الطويلة، لفنجان قهوة لا يبرد بسبب مكالمة طارئة، لنوم لا يقطعه قلق الآخرين. عاشت التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الحقيقي للحياة. ومع ذلك كانت تنظر إلى شقيقتها وتحسدها. تحسدها على القوة بينما القوة لم تكن موهبة لديها بل كانت آخر ما تبقى لها كي لا ينهار كل شيء. تحسدها على النجاح بينما هذا النجاح بُني فوق أنقاض راحتها النفسية. تحسدها على تماسكها الظاهر بينما هذا التماسك لم يكن إلا تعبا طويلا تعلّم كيف يقف دون أن يسقط. نحن نغبط الذين يبتسمون كثيرا لأننا لا نسمع بكاءهم حين يُغلق الباب. نحسد الأقوياء لأننا لا نرى عدد المرات التي انهاروا فيها سرا ثم عادوا واقفين لأن أحدا غيرهم لم يكن متاحا للوقوف. نحسد الإنسان الذي يبدو محظوظا بينما قد يكون قد دفع من عمره وصحته وأعصابه وهدوئه النفسي ما لو دفعنا جزءا منه لانطفأت أرواحنا. كم يبدو الأمر ظالما حين تتحول قدرتك على الاحتمال إلى سبب يجعل الناس يعتقدون أنك لا تتألم، وكم يبدو موجعا أن تصبح الشخص الذي يلجأ إليه الجميع بينما لا تجد أنت أحدا تلجأ إليه. هذه ليست قصة امرأة فقط. إنها قصة كل إنسان عاش عمره يطفئ حرائق الآخرين بينما كانت روحه تحترق بهدوء قصة الأب الذي يشيخ بصمت لأنه لا يريد لأطفاله أن يخافوا. الأم التي تذوب عاما بعد عام وهي تحافظ على البيت واقفا. الأخ الكبير الذي لم يُسمح له يوما أن يكون ضعيفا. والإنسان الذي اعتاد أن يقول: «أنا بخير» حتى نسي كيف يشرح ألمه أصلا. إن أكثر الناس احتياجا للحب هم أولئك الذين يقضون حياتهم يمنحونه للجميع. وأكثر الناس احتياجا للطمأنينة هم الذين يبدون للآخرين مصدر الطمأنينة الدائم. لكن الحياة قاسية بطريقة غريبة. فبعض البشر لا يعيشون حياتهم فعلاهم فقط يؤجلون انهيارهم كي لا ينهار من يحبون. وفي النهاية، لا يبدو عنوان الفيلم مجرد وداع لامرأة اسمها جون بل يبدو كأنه وداع طويل لكل أولئك الذين عاشوا أعمارهم كشموع أضاءوا البيوت، دفّأوا القلوب، حموا الآخرين من العتمة ثم ذابوا بصمت كامل دون أن ينتبه أحد إلى رائحتهم الأخيرة وهم يحترقون. وربما كانت المأساة الأعظم أن العالم بعد كل هذا الاحتراق لم يرَ فيهم سوى بشرٍ «محظوظين». ** ** - كاتبة يمنية مقيمة في السويد
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤