🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
406132 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2598 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

جنوب لبنان في عين الدولة العميقة: ممرّ أمني بين حربين

العالم
jo24
2026/05/23 - 06:47 503 مشاهدة


كتب - زياد فرحان المجالي

ما تكشفه الصحافة العالمية في ملف لبنان هو أن الجنوب لم يعد يُعامل كحدود بين دولتين، بل كممر أمني بين حربين: حرب معلنة على حزب الله، وحرب أوسع على النفوذ الإيراني، ومحاولة لفرض خريطة جديدة لا تبدأ من وقف النار، بل من سؤال أعمق: من يملك الأرض؟ ومن يملك قرار العودة إليها؟ ومن يملك حق تعريف الأمن في جنوب لبنان؟

من يقرأ التقارير الأميركية والتحليلات الأوروبية والإسرائيلية، يلاحظ أن لبنان لا يحضر بوصفه دولة مستقلة فقط، بل بوصفه عقدة أمنية في عقل الدولة العميقة الإسرائيلية، وضمن مقاربات غربية قريبة منها. فالمسألة، من هذا المنظور، لا تتعلق بوقف إطلاق نار هش، ولا بمفاوضات حدودية عابرة، بل بإعادة تعريف الجنوب اللبناني كله: من يعيش فيه؟ من يحمل السلاح؟ من يراقب الأرض؟ ومن يقرر إن كان السكان يعودون إلى قراهم أم يبقون خارجها حتى تطمئن إسرائيل؟

في هذه القراءة، لا يبدو وقف إطلاق النار سوى هدنة لفظية. فالتقارير التي تتحدث عن "وقف نار وهمي” تكشف أن تل أبيب لا ترى الجبهة اللبنانية مغلقة، بل مؤجلة. الحرب لم تنتهِ في الجنوب، بل غيّرت إيقاعها فقط: ضربات محدودة، اغتيالات موضعية، توغل محسوب، ورسالة دائمة لحزب الله والدولة اللبنانية معًا بأن العودة إلى ما قبل الحرب لم تعد ممكنة.

تنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى الجنوب من زاوية واحدة تقريبًا: أمن مستوطني الشمال قبل أي اعتبار آخر. لذلك لا تكتفي بإبعاد حزب الله عن الحدود، بل تريد خلق بيئة تمنع عودة التهديد. هنا يظهر الحديث عن منطقة عازلة جنوب الليطاني، وعن شريط منزوع السلاح، وربما عن مناطق لا يعود إليها السكان سريعًا. هذه ليست تفاصيل أمنية باردة، بل محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا البشرية والسياسية في جنوب لبنان.

الأخطر أن هذه الرؤية لا تفصل بين حزب الله وإيران، ولا بين الجنوب اللبناني وساحات التوتر الأخرى. ففي التصور الإسرائيلي، ومعه جانب من المقاربات الأميركية والغربية، حزب الله ليس حزبًا لبنانيًا مسلحًا فقط، بل ذراع متقدمة من النفوذ الإيراني على حدود فلسطين المحتلة. لذلك يصبح الضغط على الحزب جزءًا من الضغط على طهران، ويصبح الجنوب اللبناني امتدادًا لمفاوضات اليورانيوم وهرمز والصواريخ.
ولا يبتعد هذا المنطق كثيرًا عن الضفة الغربية، حيث تدير إسرائيل المدن والمخيمات بعقلية منع الانفجار قبل وقوعه، عبر الاقتحامات والاعتقالات والحصار وتفكيك أي بيئة يمكن أن تتحول إلى جبهة مفتوحة. وإذا كان جنوب لبنان يمثل خوف إسرائيل من حزب الله وإيران، فإن الضفة الغربية تمثل خوفها من انفجار الداخل الفلسطيني القريب، حيث لا تحتاج النار إلى صواريخ بعيدة كي تصل إلى قلب الأمن الإسرائيلي. وهكذا لا تُقرأ المنطقة من بيروت أو رام الله أو طهران كلٌّ على حدة، بل من غرف قرار تنظر إلى الخريطة بوصفها شبكة جبهات، لا حدودًا بين دول فقط.
أما الدولة اللبنانية، فتظهر في موقع بالغ الصعوبة. إسرائيل والولايات المتحدة تريدان منها أن تستعيد السيادة عبر نزع سلاح حزب الله، لكنهما في الوقت نفسه تطلبان منها مهمة قد تفجر الداخل اللبناني. فالجيش اللبناني لا يستطيع أن يتحول ببساطة إلى أداة صدام مع بيئة كاملة، ولا يستطيع أن يفرض معادلة أمنية خارجية من دون حساب ميزان الداخل والطائفية وذاكرة الحرب الأهلية. وهنا تكمن العقدة: المطلوب من الدولة اللبنانية أن تكون قوية، لكن ضمن شروط قد تكسرها.
من زاوية أمنية قاسية، المشكلة ليست فقط في سلاح حزب الله، بل في البيئة التي تسمح ببقائه. ولذلك لا يكفي، في هذا التصور، أن ينسحب المقاتلون أو تُزال بعض المواقع. المطلوب هو تغيير قواعد الحياة جنوب الليطاني: مراقبة دولية أوسع، حضور أقوى للجيش اللبناني، منع إعادة بناء البنية العسكرية، وربما تقييد العودة إلى بعض المناطق الحساسة. بمعنى آخر، تريد إسرائيل جنوبًا لا يستطيع إنتاج تهديد جديد، حتى لو جاء ذلك على حساب السيادة اللبنانية التقليدية.
لكن هذه الرؤية تحمل تناقضها داخلها. فكلما زاد الضغط الإسرائيلي على الجنوب، ازدادت قدرة حزب الله على القول إن سلاحه ضرورة دفاعية. وكلما طُرح نزع السلاح تحت القصف أو التهديد أو الاحتلال الجزئي، أصبح من الصعب تسويق الفكرة داخل البيئة الشيعية بوصفها مشروع دولة، لا مشروع استسلام. هكذا تضع إسرائيل لبنان أمام معادلة قاسية: تريد نزع السلاح، لكنها تخلق في الوقت نفسه أسباب التمسك به.
وهنا تظهر مفارقة لا تقل أهمية: إسرائيل التي تحاول إعادة رسم الجنوب اللبناني ليست دولة مطمئنة إلى نفسها. فنتنياهو لا يدير هذه الجبهة من موقع القوة الخالصة، بل من موقع القلق أيضًا. هو يريد أن يقول للإسرائيليين إن الحرب الطويلة لم تذهب عبثًا، وإن الشمال سيعود آمنًا، وإن حزب الله تراجع، وإن إيران دُفعت إلى الوراء. لكنه يعرف أن المعركة المقبلة ليست على الحدود وحدها، بل في الداخل الإسرائيلي كذلك.
فالاستطلاعات، والكتل الحزبية، ومزاج الشارع الإسرائيلي، كلها تشير إلى أن نتنياهو لم يعد قادرًا على بيع رواية النصر بسهولة. المعارضة تتسع، والكتلة العربية قد تصبح عنصر ترجيح في أي معادلة انتخابية، واليمين نفسه لم يعد كتلة صماء خلفه كما كان يريد أن يبدو. وإذا اجتمعت أصوات المعارضة اليهودية مع قدرة الكتلة العربية على منع عودة اليمين، فقد يجد نتنياهو نفسه أمام مأزق انتخابي حقيقي لا تنقذه منه الشعارات الأمنية وحدها.
من هنا، يصبح جنوب لبنان جزءًا من معركة نتنياهو الداخلية. فكل ضربة في الجنوب، وكل حديث عن منطقة عازلة، وكل ضغط على حزب الله والدولة اللبنانية، يحمل رسالة مزدوجة: رسالة أمنية إلى لبنان وإيران، ورسالة سياسية إلى الداخل الإسرائيلي. يريد نتنياهو أن يظهر بمظهر الرجل الذي لا يتراجع، لكنه في العمق يدير حربًا أخرى ضد احتمال سقوطه السياسي.
ما يجري إذن ليس مجرد نقاش حول ترتيبات أمنية بعد الحرب. إنه صراع على معنى السيادة اللبنانية نفسها، وصراع في الوقت ذاته على صورة القيادة داخل إسرائيل. نعم، السيادة تعني أن تبسط الدولة اللبنانية سلطتها جنوبًا، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيدها وحدها. لكن السؤال الأصعب هو: هل يمكن بناء هذه السيادة تحت خرائط إسرائيلية، وضغط أميركي، وتهديد دائم بالعودة إلى الحرب؟
في النهاية، لا يظهر الجنوب في الصحافة العالمية حدودًا بين لبنان وإسرائيل فقط، بل ممرًا أمنيًا بين حربين: حرب على حزب الله، وحرب على إيران، وحرب ثالثة صامتة على معنى الدولة اللبنانية نفسها. وهنا تكمن خطورة المرحلة؛ فإسرائيل لا تبحث عن وقف نار فقط، بل عن جنوب جديد لا يشبه جنوب ما قبل الحرب: جنوب محدود الحركة، منزوع القدرة، ومفتوح دائمًا على عين الأمن الإسرائيلي.
لكن هذا الجنوب الذي تحاول إسرائيل هندسته قد لا يكون طريقًا مضمونًا إلى الأمن، ولا إلى إنقاذ نتنياهو. فالحرب التي تُدار باسم إعادة المستوطنين إلى الشمال قد تتحول إلى شاهد جديد على عجز القيادة الإسرائيلية عن إنتاج نصر واضح. وإذا كان نتنياهو يريد أن يجعل جنوب لبنان جسرًا لبقائه، فقد يكتشف أن الجسر نفسه معلّق فوق هاوية: هاوية الداخل الإسرائيلي المنقسم، وهاوية لبنان الذي لا يُحكم بالخرائط الأمنية وحدها، وهاوية حربٍ كلما ظن أصحابها أنهم يطفئونها، فتحت لهم بابًا جديدًا إلى النار.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤