فيلم وثائقي ( مستر لا أحد ضد بوتين): من براءة الطفولة إلى الطاعة تُصنع أجيال الحرب
أسامة عبد الكريم
في مدينةٍ يعلوها دخان المصانع، حيث تتراكم السحب السوداء فوق جبالٍ فقدت لونها الطبيعي، لا تبدو الحرب حدثاً طارئاً بقدر ما تبدو امتداداً يومياً للحياة. هناك، في الأطراف المنسية، لا يولد الأطفال فقط، بل يُعاد تشكيلهم وفق سرديات جاهزة. الطفولة نفسها تصبح مادة خاماً لإعادة الصياغة، تُقولبها السلطة وتعيد تعريفها بوصفها استعداداً مبكراً للموت. بين الفصول الدراسية والرايات، يتعلم الفتيان كيف يحبون الحرب قبل أن يفهموا معناها. في هذا المناخ، لا يعود التعليم فعلاً معرفياً، بل يتحول إلى أداة تعبئة. الكلمات تُستبدل بالشعارات، والتاريخ يعاد كتابته على إيقاع البنادق. وحين تتداخل البراءة مع العنف، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً: كيف يمكن لإنسان أن يشهد كل ذلك ويصمت؟
ضمن هذا السياق القاتم، يأتي فيلم (مستر لا أحد ضد بوتين) بوصفه شهادة بصرية من داخل العتمة، لا من خارجها. الفيلم، الذي أخرجه ديفيد بورنستين بالاشتراك مع بافل تالاكين الملقب الباشا، لا يقدّم خطاباً مباشراً عن الحرب، بل يقترب منها عبر أكثر مساحاتها هشاشة: المدرسة. هنا، حيث يُفترض أن تُبنى المعرفة، تُزرع بدلاً منها بذور الطاعة والخوف.
ينجح الفيلم في تحويل الكاميرا من أداة تسجيل إلى فعل مقاومة. فتالانكين الباشا، المصوّر المدرسي، لا يقف خارج الحدث، بل يغوص في قلبه، مسكوناً بتناقضه الداخلي: هو جزء من النظام الذي يرفضه. هذه الازدواجية تمنح الفيلم قوة نادرة، إذ لا نرى بطلاً تقليدياً، بل إنساناً عالقاً بين الخوف والضمير. الكاميرا هنا ليست محايدة؛ إنها تنحاز للحقيقة، حتى وهي تُصوّر الأكاذيب. المدينة التي تدور فيها الأحداث، كاراباش، ليست مجرد خلفية مكانية، بل عنصر دلالي أساسي. واحدة من أكثر المدن تلوثاً في العالم، حيث البيئة نفسها تبدو منهكة ومختنقة، وكأنها تعكس ما يحدث داخل العقول. في هذا الفضاء، يصبح التلوث مادياً ورمزياً في آنٍ واحد: دخان في الهواء، ودعاية في الوعي. يشتغل الفيلم على تفكيك مفهوم "الوطنية" كما يقدَّم للأطفال. من خلال مشاهد الطقوس المدرسية، والأناشيد، والتدريبات شبه العسكرية، نرى كيف تتحول الهوية إلى أداة تعبئة. لا يطلب من الطفل أن يفهم، بل أن يردد. وهنا تكمن خطورة ما يقدمه الفيلم: إنه لا يوثق العنف المباشر، بل يفضح بنيته التحتية، أي عملية إنتاجه داخل المؤسسات اليومية.
من الناحية السينمائية، يعتمد العمل على أسلوب المراقبة الطويلة، حيث تتراكم التفاصيل الصغيرة لتشكّل صورة كبرى. لا توجد تعليقات تفسيرية ثقيلة، بل صوت داخلي هادئ يرافق الصورة، ما يخلق توتراً بين ما يرى وما يفهم. هذه المسافة بين الصورة والمعنى هي ما يمنح الفيلم عمقه، ويجعله أقرب إلى يوميات وجودية منه إلى تقرير سياسي. لكن قوة الفيلم الحقيقية تكمن في حضوره الإنساني. العلاقة بين تالانكين وطلابه تكشف عن مأساة مزدوجة: هو يحاول حمايتهم، بينما يجبر على المشاركة في تشكيل وعيهم المشوّه. بعض هؤلاء الأطفال سينتهي بهم الأمر في الجبهات، فيتحول الفيلم من وثيقة تربوية إلى سجل فقدان. هنا، لا يعود السؤال عن الحرب، بل عن المستقبل نفسه. لا يدّعي الفيلم أنه يقدّم صورة شاملة عن المجتمع الروسي، بل يكتفي بمدرسة واحدة. هذا التحديد، الذي قد يبدو ضعفاً، يتحول إلى نقطة قوة، لأنه يسمح بتركيز بصري وأخلاقي مكثف. من خلال هذا "الجزء"، نفهم "الكل": كيف يمكن لنظام أن يعيد إنتاج نفسه عبر الأطفال، لا عبر القمع فقط، بل عبر الإقناع التدريجي.
لا يقدّم الفيلم إجابات جاهزة، بقدر ما يطرح سؤالاً حاداً ومفتوحاً: ماذا يعني أن تكون شاهداً في زمنٍ يهيمن عليه الكذب؟ إن اختيار بافيل تالانكين، أو "باشا" كما يُعرف، أن يصوّر بدلاً من أن يصمت يبدو فعلاً بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره ثقل مقاومة كاملة. وبينما يغادر البلاد، تبقى الصور وحدها شاهدة، كأنها تؤكد أن الحقيقة، حتى في أكثر الأماكن ظلمة، قادرة دائماً على أن تجد طريقها إلى الضوء. وتظهر عبارة على خلفية سوداء تفيد بأن باشا غادر روسيا سراً في صيف عام 2024، بعد يوم واحد فقط من تنظيم حفل التخرج في مدرسة كاراباش الابتدائية، حاملاً معه مواد مصوّرة واسعة توثّق عسكرة المدارس والمجتمع.
The post فيلم وثائقي ( مستر لا أحد ضد بوتين): من براءة الطفولة إلى الطاعة تُصنع أجيال الحرب appeared first on جريدة المدى.





