في الرد على وزير العمل.. ليست أزمة خبراء اكتواريين.. بل أزمة اعتراف بالخبراء!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب د. محمد صالح الطراونة *
ليس كل تصريح رسمي يستحق الاحترام لمجرد أنه صدر عن مسؤول. بعض التصريحات، حين تُعرض على الوقائع، تسقط فورًا. والتصريح المنسوب إلى وزير العمل بشأن عدم وجود خبير إكتواري أردني قادر على إعداد دراسة إكتوارية، واحد من هذا النوع بالضبط: تصريح لا يصمد دقيقة واحدة أمام السجل المؤسسي والحقائق المهنية الموثقة.
كلام وزير العمل هذا ليس اختلافًا في الرأي، وليس اجتهادًا يمكن التسامح معه، إنه كلام يهدمه الواقع.
الحقيقة أن الأردن لم يفتقر يومًا إلى الخبرة الاكتوارية، بل استثمر فيها، وبناها، وطورها داخل مؤسساته. ففي عام 2009، تم تأسيس مركز الدراسات الاكتوارية في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بمهمة واضحة تتمثل في نقل العمل الاكتواري من الاعتماد شبه الكامل على الخارج إلى بناء قدرة وطنية قادرة على الإنتاج والتحليل واتخاذ القرار المبني على أسس علمية.
وقد أثبت هذا المركز الاكتواري، خلال فترة وجيزة، أنه ليس مجرد هيكل إداري، بل مؤسسة فنية قادرة على الإنجاز. فمن الدراسة الاكتوارية السابعة عام 2010 وحتى الدراسة الحادية عشرة عام 2023، تولى المركز تنفيذ الجزء الأكبر من العمل الاكتواري، حيث تم إنجاز نحو 90% من العمل داخليًا بواسطة كوادر أردنية مؤهلة، فيما اقتصر دور الخبراء الخارجيين على المراجعة وإبداء الرأي المحايد، وفقًا لما ينص عليه قانون الضمان الاجتماعي.
هذه تجربة مؤسسية واضحة المعالم، لا تحتمل التأويل، ولا يمكن القفز فوقها بجملة عابرة.
والأهم من ذلك أن هذه التجربة لم تثبت نجاحها فنيًا فقط، بل ماليًا أيضًا. فقد انخفضت كلفة الدراسات الاكتوارية من ما بين مليون ومليون ونصف دولار للدراسة الواحدة، إلى نحو 200 ألف دولار فقط بعد إنشاء مركز الدراسات الاكتوارية، نتيجة تنفيذ معظم العمل داخليًا. وهو ما يمثل تخفيضًا يقارب 90% من الكلفة، ويعكس قيمة الاستثمار في الخبرة الوطنية.
لقد تم استخدام خبرات المركزالاكتواري، بالتعاون مع البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، في تقديم المشورة والتدريب لدول عربية عديدة، منها العراق واليمن وسوريا وليبيا والسودان والصومال وغيرها. والمركز مرخّص لاستخدام أدوات ونماذج تقاعد الكترونية دولية معروفة.
وعلى المستوى الشخصي، فإن مسيرتي المهنية كزميل لجمعية الاكتواريين الأمريكية، وترخيصي لممارسة العمل الاكتواري في عدد من الأسواق الدولية من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وكندا واستراليا، وخدمتي كخبير أول في الجمعية الدولية للضمان الاجتماعي، وترؤسي لجنتها الإحصائية والاكتوارية لعدة سنوات، كلها تعكس أن هذه الخبرة ليست نظرية أو محلية محدودة، بل جزء من منظومة مهنية دولية متكاملة تجعل هذا النوع من التصريحات أكثر استفزازًا، لأنه لا يتجاهل شخصًا، بل يتجاهل مسارًا كاملًا من الإنجاز.
من حق أي مسؤول أن يطلب رأيًا إضافيًا، أو مراجعة خارجية، أو تدقيقًا فنيًا. لكن ليس من حقه أن يقدّم الأمر للرأي العام وكأن البلد خالٍ من الخبرة، أو كأن ما أُنجز على مدى سنوات لم يوجد أصلًا. إن الأخطر من تصريح الوزير نفسه هو ما يكشفه من ذهنية: ذهنية تتعامل مع الخبرة الوطنية كما لو كانت غير موجودة ما لم تخدم الرواية السياسية القائمة، وذهنية تستسهل استدعاء الخارج، لا لأن الداخل عاجز، بل لأن الاعتراف بالداخل يحمّل المسؤولية لمن تجاهله.
حين تكون الحقيقة موثقة، فإن القفز فوقها لا يصبح "رأيًا آخر"، بل تشويهًا للوعي العام. وحين تكون المؤسسات قد بنت خبرتها فعليًا، فإن إنكار ذلك لا يصبح "سوء تعبير"، بل استخفافًا بالعقول وبالذاكرة المؤسسية معًا.
المشكلة في الأردن ليست نقص الخبراء؛ المشكلة، أحيانًا، في مسؤولين يتكلمون كما لو أنهم وحدهم يملكون تعريف الواقع. وهنا تكمن الخطورة: حين يصبح الخطاب الرسمي منفصلًا إلى هذا الحد عن الوقائع، فإن الضرر لا يقع على الأشخاص فقط، بل على ثقة الناس بالمؤسسة، وعلى قيمة الخبرة الوطنية، وعلى فكرة الدولة نفسها.
الأردن لا يحتاج إلى استيراد الاعتراف بكفاءاته من الخارج؛ الأردن يحتاج فقط إلى مسؤولين لا يطمسون ما هو قائم، ولا يربكون الرأي العام بكلام يناقض السجلات.
المعيار في النهاية بسيط: إما أن نحترم الوقائع، أو نسمح للخطاب المرتبك أن يحل محلها. وفي القضايا الوطنية الكبرى، هذا ليس تفصيلًا، هذا هو الفرق بين إدارة تحترم الحقيقة وإدارة تستبدلها بالكلام.
الأردن لا يعاني من نقص في الكفاءات، لكنه، في بعض الأحيان، يعاني من ضعف في الاعتراف بها.
ولا يعاني من غياب الخبرة، بل من سهولة تهميشها عندما تصبح الحقيقة غير مريحة.
إن أخطر ما في مثل هذه التصريحات ليس أثرها على أشخاص أو مؤسسات بعينها، بل أثرها على فكرة أوسع: فكرة أن الدولة قادرة على بناء خبرتها، وتطوير مؤسساتها، والاعتماد على كوادرها الوطنية. وعندما يتم التشكيك في هذه الفكرة دون سند، فإن الضرر يتجاوز النقاش المهني، ليصل إلى ثقة الناس بمؤسساتهم.
* الكاتب زميل جمعية الاكتواريين الأمريكية، ومحلل مخاطر معتمد




