فراس النعسان : مقاولات سياسية
•ما جرى في الأسابيع الماضية لم يكن تحليلاً سياسياً بقدر ما كان سوقاً مفتوحة للمواقف الجاهزة.
•كل تصريح صدر عن دونالد ترامب، وكل إشارة من خامنئي، وكل بيان لحزب الله، وكل خطاب لبنيامين نتنياهو، تحوّل فوراً إلى مادة يعاد تدويرها بصيغ مختلفة، من دون تدقيق كافٍ أو قراءة هادئة للسياق.
•المشكلة لا تتعلق بوفرة الآراء، بل بطريقة إنتاجها، فهناك من يتعامل مع الأحداث بصفتها فرصة لتثبيت موقف مسبق، لا لاختبار الوقائع.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
ما جرى في الأسابيع الماضية لم يكن تحليلاً سياسياً بقدر ما كان سوقاً مفتوحة للمواقف الجاهزة. كل تصريح صدر عن دونالد ترامب، وكل إشارة من خامنئي، وكل بيان لحزب الله، وكل خطاب لبنيامين نتنياهو، تحوّل فوراً إلى مادة يعاد تدويرها بصيغ مختلفة، من دون تدقيق كافٍ أو قراءة هادئة للسياق. المشكلة لا تتعلق بوفرة الآراء، بل بطريقة إنتاجها، فهناك من يتعامل مع الأحداث بصفتها فرصة لتثبيت موقف مسبق، لا لاختبار الوقائع. النتيجة كانت حالة من التناقض الواضح، ظهر من خلال المحلل نفسه الذي يغيّر استنتاجاته خلال ساعات، وفقاً لاتجاه التصريحات، وكأن السياسة تُقرأ من العناوين فقط، لا من المعطيات الأعمق. هذا النمط من «المقاولات» يقوم على سرعة النشر لا دقة المعلومة. السباق هنا ليس لفهم ما يجري، بل للحضور في المشهد. لذلك رأينا تحليلات تُبنى على مقطع مجتزأ، أو تغريدة، أو تسريب غير مؤكد، ثم تُقدّم بثقة عالية وكأنها خلاصة معلومات موثوقة. وفي كثير من الأحيان، يتم تجاهل ما يناقض هذه الروايات، أو التقليل من أهميته. البيئة الرقمية زادت الأمر تعقيداً، فعلى منصات مثل يوتيوب، انتشرت فيديوهات بعناوين صادمة ومحتوى ضعيف، تقدم سيناريوهات كبرى حول الحرب، وتدّعي امتلاك «الحقيقة المخفية». هذه المواد تعتمد على الإثارة أكثر من المعرفة، وتستهدف جذب المشاهد بأي وسيلة، حتى لو كان الثمن تضليل الجمهور. المفارقة أن بعض هذه التحليلات بات يؤثر فعلياً في النقاش العام. حين تتكرر المعلومة غير الدقيقة بما يكفي، تتحول إلى ما يشبه الحقيقة لدى شريحة من المتابعين. وهنا تتضاعف المسؤولية، لأن الخطأ لا يبقى فردياً، بل يصبح جزءاً من وعي جماعي مشوش. لا أحد يطلب من المحلل أن يكون معصوماً من الخطأ، لكن الحد الأدنى هو الالتزام بالمعايير المهنية، مثل التحقق، والتوازن، والاعتراف بحدود المعرفة. أما القفز إلى استنتاجات كبرى بناءً على إشارات جزئية، فهو أقرب إلى التخمين منه إلى التحليل. في أوقات التوتر التي عشناها أخيراً، وهي متواصلة بحدة أقل، ازدادت الحاجة إلى لغة واضحة لا إلى ضجيج إضافي. الجمهور لا يحتاج إلى من يرفع مستوى القلق، بل إلى من يشرح ما يمكن فهمه، ويترك ما لا يمكن الجزم به في إطاره الطبيعي. هذا هو الفارق بين تحليل يحترم المتلقي، وآخر يتعامل معه كرقم في عداد المشاهدات.
«المقاولات السياسية» قد تبدو مربحة على المدى القصير، لكنها تترك أثراً سلبياً عميقاً على الثقة بالإعلام. ومع كل تجربة من هذا النوع، يصبح من الصعب استعادة هذه الثقة. لذلك، فإن المواجهة الحقيقية لا تكون بالرد عليها فقط، بل بإنتاج نموذج مختلف، أكثر هدوءاً ومهنية، وأقل انجراراً وراء الإيقاع السريع للأحداث.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

